منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نحو نموذج بيداغوجي نسقي

د. يحيى الطوبي-ذ. عبد الصمد العماري

0

 

نشر هذا المقال في كتاب: “العلاقات البيداغوجية في المنظومة التربوية المغربية” يمكن تحميله من هذا الرابط

يمكنكم قراءة وتنزيل المقال بصيغة (بدف pdf)

ملخص

إن تناول موضوع العلاقات البيداغوجية في المدارس يعني البحث عن تأثيرها على المجتمع باعتبارها إحدى محددات الفعل الاجتماعي وموجهاته، حيث تعمل المدرسة من خلال العلاقات البيداغوجية على تزويد الفرد بجملة من المعارف والقيم والمهارات التي تكون مرجعا لمواقفه وتفكيره وإحساسه وسلوكه وكفاياته، من خلال تحديد المرغوب فيه والمرغوب عنه اجتماعيا.

وقد اعتمدنا في هذا البحث على ممارستنا العملية في مجال التربية والتعليم، كما استفدنا من آخر ما وصلت إليه الدراسات الحديثة في هذا المجال، بغية فهم العلاقات المفترضة بين كل مكونات العملية التربوية.

المزيد من المشاركات
1 من 43

وعلى هذا الأساس حاولنا الإجابة عن الأسئلة الآتية:

كيف يمكن تصور نموذج جديد يستحضر كل عناصر العملية التربوية؟ وما هي العناصر الأساسية لهذا النموذج البيداغوجي؟ وما هي العلاقات التي تربط بين هذه العناصر؟ وما القيمة المضافة لهذا النموذج الجديد؟

إن هذا المقال مساهمة في مجال البحث التربوي من خلال تصميم نموذج بيداغوجي مكون من مختلف العناصر المتفاعلة في العملية التربوية ومدمجة في نموذج شامل وفق مقاربة نسقية تساعد الممارسين للعملية التربوية على استحضار هذه العناصر وفهمها بهدف ترشيد تدخلاتهم.  وحتى نميز هذا النموذج عن باقي النماذج فقد سميناه بــ” رباعي السطوح البيداغوجي” وهو عبارة عن مجسم مكون من أربعة رؤوس بالإضافة إلى عنصر وسيط يوجد في قلبه. ينتج عن تفاعل هذه العناصر ست علاقات وأربعة أسطح وهي التي تطرقنا إليها في هذا المقال.

كلمات مفاتيح: النموذج البيداغوجي، رباعي السطوح، المقاربة النسقية، العلاقات البيداغوجية.

المـــقــــــدمة

عندما يتصدى الباحثون لموضوع العلاقات البيداغوجية في المدارس فإنهم يجدون حرجا من أين يبدؤون ومن أي زاوية يتناولونها، فهذا الموضوع الوليد، استطاع أن ينثر هنا وهناك طائفة من الدراسات المتباينة التي تظهر في نقاشات الفاعلين التربويين على مواقع التواصل الاجتماعي وتقارير المؤتمرات، وتظهر أحيانا في بعض الكتب القليلة التي تتناول طرفا من البحث وتترك أطرافا.

ومهمة الباحث وسط هذا الكم الهائل من المؤلفات والأبحاث ليست يسيرة. لاسيما إذا أراد أن يستخلص من حصاد الدراسات المختلفة، دراسة منظمة يضمها مقال من أجل المساهمة في استكتاب كتاب مبوب منظوم.

غير أننا وجدنا من اللازم أن نقتحم هذه المغامرة، لنقدم بدورنا تصورا ولو مبدئيا في مجال العلاقات التربوية ثم ندع للباحثين بعد ذلك تعديل هذا التصور وإصلاحه.

وقد حاولنا أن يكون هذا التصور شاملا جهد المستطاع لمختلف الجوانب والعلاقات المؤثرة في العملية التربوية، وكان طبيعيا أن يكون ثمن هذا الشمول إيجازا نعترف به. فلقد أتت معالجة معظم الجوانب مقتضبة، تحتوي على أهم الجوانب دون أن تشبعها درسا وتحليلا. وقد كنا نشعر ونحن نكتب فقرات هذا المقال أن علينا ان نبذل جهدا خاصا في سبيل تحقيق هذا الإجمال لموضوع مترامي الأطراف متعدد الجوانب. وكان لا بد لنا، حرصا على تضمين المقال شيئا من كل شيء في مجال العلاقات البيداغوجية، أن نضحي بما تستلزمه دراسة بعض الموضوعات من مزيد العمق والتحليل والنقد.

ومع ذلك فنحن لا نزعم أننا أحطنا بموضوع العلاقات البيداغوجية إحاطة شاملة. بل نقدم من خلال هذا المقال نموذجا نرجو من خلاله توفير نظرة شمولية وعامة وهذا لا يعفي الفاعلين في مجال التربية والتعليم من الاطلاع على كل الدراسات والنظريات والأبحاث في هذا المجال.

  • الإشكالية:

لقد جعلت العولمة العالم قرية صغيرة وهو ما يفرض على المجتمعات ضرورة مسايرة المستجدات العالمية حتى يكون لها موطئ قدم ومقام في الساحة الدولية وبشكل يضمن حفاظها على هويتها وأصالتها، وإذا كانت المدرسة في عصرنا الحالي مؤسسة التنشئة التي توظفها المجتمعات بشكل كبير في إعداد أشخاص قادرين على مواجهة تحديات العولمة فإنه لا بد من إيجاد صيغ تتكامل فيها المدرسة والمجتمع لتحقيق غاياتهما.

ولهذا صار التجديد في تشكيل النماذج البيداغوجية مطلبا ملحا في كل مرة يعرف فيها المجتمع تغيرات تجعل النماذج الحالية غير قابلة للاستجابة لمتطلبات العصر وتحديات العولمة.

من هذا المنطلق كان لزاما علينا التفكير في نموذج يستمد أسسه من مختلف النماذج الحالية وفق منظور نسقي يتجاوز مشكلة التجزيء ويستحضر كل الفاعلين في مجال التربية والتعليم بما يجعل المدرسة والمجتمع قادرين على مواكبة متطلبات العصر.

وأمام تعدد النماذج البيداغوجية وتركيز كل منها على جانب دون آخر، يطرح أمامنا تحد يتمثل في البحث عن نموذج بسيط وشامل في الوقت ذاته، بحيث ييسر على الفاعلين التربويين فهم أبعاد العملية التربوية وغاياتها. فكيف يمكننا إذن تصور نموذج جديد يستحضر كل عناصر العملية التربوية؟ وما هي العناصر الأساسية لهذا النموذج البيداغوجي؟ وما هي العلاقات التي تربط بينها؟ وما القيمة المضافة لهذا النموذج الجديد؟

  • منهج البحث وأدواته

يهدف هذا البحث إلى الكشف عن العلاقة بين العناصر المتفاعلة في العملية التربوية، وإبراز أهمية العلاقات البيداغوجية من خلال تحديد أثرها على سلوكيات المتعلم وعلى المجتمع.

ومن أجل تحقيق أهداف هذا البحث والإجابة عن أسئلته اعتمدنا المنهج الوصفي والمنهج التحليلي باعتبارهما طريقتين في البحث تتناولان أحداث وظواهر وممارسات موجودة ومتاحة للبحث والدراسة، نستطيع أن نتفاعل معها ونصنفها ثم نحللها. هذا بالإضافة إلى عملية التأكيد المزدوج التي يمكن الحصول عليها من الجمع بين المنهجين وإمكانية تفادي بعض عيوب الاعتماد على منهج واحد.

كما اعتمدنا على الملاحظة وأدوات تحليل الممارسة التي تعمل على إدخال عمل المعلم إلى حلبة التفكير الذاتي والجماعي، وجعله محط نقد وإعمال للعقل، وبالتالي المساهمة الفاعلة والفعالة، في إغناء تجربة المعلم، والدفع به إلى تجويد ممارساته وأدائه المهني، وذلك من خلال مجموعة من الورشات تم تصنيف مخرجاتها حسب الأبعاد التالية وتحديد الحاجيات حسب كل بعد:

البعد الديداكتيكي، البعد البيداغوجي، البعد التواصلي التفاعلي البعد السياقي، البعد الوجداني الاجتماعي، ثم البعد المتعلق بالقيم وأخلاقيات المهنة.

  • الإطار المفاهيمي
  • النموذج البيداغوجي:

قبل الخوض في تفاصيل النموذج البيداغوجي الذي نقترحه كإجابة على التساؤلات السابقة، ينبغي تحديد مفهوم “النموذج البيداغوجي” وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا المفهوم له تعريفات عديدة تختلف من باحث لآخر وسنكتفي هنا بذكر تعريفين الأول للباحثة آن فيران والثاني لفيليب ميريو.

تعتبر آن فيران أن النماذج البيداغوجية محاولات لتدقيــق معنى مشــاريع التعليــم التــي تنظـم مختلـف كيفيـات الاستجابة لضرورتيـن متعارضتيـن في الظاهـر: الأولى تهم انخــراط التلاميذ في مشـاريع شخصية لتعديل وتطوير معارفهم؛ والثانية تهــم قيادتهم نحـو التمكـن مــن معـارف جديـدة عليهم، عبـر وساطة النظـام المدرسـي وفاعليــه[1]

وحسب فيليـب ميريو فإن: النموذج البيداغوجي نسق من المكونات المترابطة بنيويا: الغايات والقيم المستهدفة داخـل العمليـة التربويـة؛ المعـارف والخبـرات؛ عمليـات الأجرأة الديداكتيكيـة للمعـارف والخبرات موضوع التعليم والتعلم، في علاقة بالمرجعيات العالمة والحقول الاجتماعية المرجعيـة لبروزهـا؛ الوضعيـات البيداغوجيـة ومـا تتطلبـه مـن علاقـة بيداغوجيـة وطرق تعليميـة تعلميـة ووسـائل وأدوات؛ طـرق وأسـاليب التقييم.[2]

إن اختيارنا لهذين التعريفين ليس اعتباطيا وإنما لأن الأول يبين أن النماذج إنما هي محاولات ونحن بتقديمنا لرباعي السطوح إنما نحاول تقديم نموذج بيداغوجي جديد من خلال دمج النماذج السابقة وتغيير بعض عناصرها لتتلاءم مع عناصر النموذج البيداغوجي كما جاءت في التعريف الثاني باعتبارها نسقا من المكونات المترابطة بنيويا.

وغايتنا في هذا كله هو بناء نموذج يستنير به المعلمون خصوصا المبتدؤون منهم في فهم العملية التربوية بمنظورها الشمولي بما يساعدهم على الربط بين البعد النظري والبعد العملي المرتبط بالممارسة العملية لفعل التعلم والتعليم.

نحو مقاربة نسقية للفعل التربوي:

يحتاج المعلمون إلى نوع من التفكير النسقي حتى يكون لفعلهم داخل العملية التربوية أثر ملموس على المتعلم وعلى المجتمع بشكل يجنبهم آفتين تشكلان في نظرنا سببا من أسباب فشل العملية التربوية في تحقيق أهدافها.

الآفة الأولى هي الإغراق في الجانب النظري المرتبط بالغايات الكبرى من العملية التربوية والتي تظهر في المنهاج التربوي باعتباره صياغة لتصور أي دولة لمشروعها المجتمعي في المجال التربوي.

والثانية هي الانغماس في الجانب العملي المرتبط بالفعل التعليمي كممارسة يومية للمعلمين.

فالمغرقون في الجانب النظري يضعون تصورات مثالية للفعل التربوي تجعل المعلمين أحيانا غير قادرين على تبنيها وقد تؤدي بهم إلى النفور منها. والمنغمسون في الفعل التعليمي ينسون الغايات الكبرى للعملية التربوية ويصبح التعليم بالنسبة لهم هدفا في حد ذاته وليس وسيلة لمساعدة المتعلم على بناء مشروعه الشخصي للتعلم والاندماج في المجتمع.

ولتجاوز هاتين الآفتين نحتاج إلى تحديد العناصر المكونة للبعدين النظري والعملي ثم تشكيلها وفق نموذج واحد يساعد المعلم على استحضار مختلف عناصر وأبعاد العملية التربوية.

المنهاج مدخلا لتصميم رباعي السطوح:

لتحديد العناصر المكونة للنموذج البيداغوجي الذي نقترحه يلزمنا الرجوع إلى مفهوم المنهاج كما يتم تداوله في الأدبيات التربوية وسنختار بعض التعاريف التي تبدو لنا ملخصة لهذا المفهوم.

يمثل المنهاج حسب محمد الدريج “فلسفة المجتمع وقيمه ومثله العليا وتشخيصها من خلال التوجيهات الرسمية والمذكرات والكتب المدرسية وغيرها”[3]

كما أن “المنهاج هو الخيارات التربوية والمعرفية التي تتيحها المدرسة للتلاميذ داخل حدودها أو خارجها بغية مساعدتهم على نمو شخصيتهم في جوانبها المتعددة نموا ينسجم والأهداف المسطرة” دولاندشير

“من مشمولات المنهاج الرئيسية، غايات التربية والتعليم، التي تمثل الأس الذي سيؤطر بناءه كترجمة لمشروع المدرسة ومشروع المجتمع المتوخى. وهو بذلك يمكن من ربط التعلمات بالاختيارات والغايات الكبرى للبلد ولحاجيات وانتظارات المجتمع والمتعلمين”[4]

  • تصميم رباعي السطوح البيداغوجي:

عناصر رباعي السطوح البيداغوجي

من خلال التعاريف السابقة يمكننا أن نخلص إلى تحديد مجموعة من العناصر الأساسية التي ستشكل أساس بناء النموذج البيداغوجي الجديد وهي: المجتمع والتعلمات والمتعلم والمعلم.

وسنوضح فيما يأتي دلالات كل عنصر من هذه العناصر بما يجعل النموذج البيداغوجي الذي سنقترحه منفتحا ومتجددا وعاما بحيث يمكن استدعاؤه في كل لحظة من لحظات الحياة التي يكون فيها إنسان ما في حاجة إلى تعلم ما في فضاء ما.

وإذا كانت الانطلاقة السليمة لأي بحث علمي تستلزم التحديد الدقيق لمفاهيمه الأساسية خاصة وأن البحث الذي بين أيدينا حديث وآني ويُعَد البحث فيه إسهاما في هذا المجال، فإننا سنحاول تحديد المفهوم على قدر المستطاع كما خلصنا إليه من خلال تجربتنا الميدانية في مجال التعلم والتعليم ومن خلال اطلاعنا على مختلف التعاريف التي أوردها الباحثون في هذا المجال بما يخدم النظرة النسقية للنموذج الذي نقترحه.

المجتمع: هو المحيط الذي يعيش فيه المتعلم وهو المنطلق والغاية فمنه يكون الانطلاق نحو تحديد حاجاته من قيم ومثل مرتبطة بالجانب الاجتماعي ومهارات وكفايات مرتبطة بالجانب المهني وأي إنسان في المجتمع يحتاج إلى هذين الأمرين: اندماج اجتماعي وتأهيل مهني.

التعلمات: هي كل حاجات المجتمع من قيم ومثل وقواعد للعيش المشترك ومهارات وكفايات وما يرافق كل ذلك من معلومات ومعارف.

المتعلم: هو كل إنسان في حاجة إلى تعلم معلومة أو قيمة أو مهارة أو كفاية وقد يكون فردا أو مجموعة.

المعلم: هو كل إنسان قادر على تعليم أو توفير عدة تعلمية-تعليمية خاصة بموضوع محدد.

ستشكل هذه العناصر الأربعة رؤوس النموذج البيداغوجي الذي نقترحه والذي سميناه:
رباعي السطوح البيداغوجي “وستنشأ بين هذه العناصر روابط وعلاقات تشكل سيرورات نتيجة التفاعل فيما بينها. وهكذا سيكون لدينا أربعة سطوح على شكل مثلثات وست علاقات.

تنضاف إلى هذه المفاهيم مجموعة من المفاهيم الأخرى المرتبطة بها وسنجملها فيما يلي:

المدرسة: هي كل فضاء تحدث فيه العملية التعلمية-التعليمية وهي تمتد من البيت باعتباره أول مكان يتعلم فيه الإنسان إلى مدرسة الحياة باعتبارها فضاء للتعلم مدى الحياة مرورا بالمؤسسات التعليمية من تعليم أولي وابتدائي وثانوي وجامعي وتكوين مهني.

التعلم: هي العملية التي يقوم بها الإنسان بغية تمثل قيمة أو تعرف معلومة أو بناء مهارة أو تنمية كفاية وكل ذلك إما اكتسابا أو تغييرا.

التعليم: هي العملية التي يقوم بها إنسان متمرس في مجال معين إما بشكل مباشر مع المتعلم أو بواسطة عدة تعلمية-تعليمية وتكون وفق الطرق البيداغوجية كما أقرتها مختلف نظريات التعلم حسب ما يقتضيه موضوع التعلم المستهدف.

العدة التعلمية-التعليمية: هي كل ما يوظفه أو ينتجه المعلم من أجل التعليم ويستخدمه المتعلم بغية التعلم من أنشطة تعلمية-تعليمية وأنشطة تقويمية وأدوات ووسائل وحوامل ورقية (كتب، كراسات، مجلات، وثائق …) أو رقمية (مواقع في الشبكة العنكبوتية، مقاطع فيديو، منصات رقمية…)

العلاقات بين عناصر رباعي السطوح:

  • علاقة المعلم بالمتعلم: هي علاقة بيداغوجية تفرض على المعلم أن يكون صبورا وقدوة للمتعلم وأن يرقى إلى مستوى هذا الأخير ويفهم شخصيته وحاجاته حتى يتمكن من مساعدته وتوجيهه إلى بناء مشروعه الشخصي. إن المعلم بهذا المعنى قدوة ومرشد وموجه. أما علاقة المتعلم بالمعلم فهي علاقة احترام وتقدير.
  • علاقة المعلم بالمجتمع: هي علاقة انفتاح بهدف تحديد حاجات المجتمع (التعلمات) من خلال القيام ببحوث ودراسات واستطلاعات تهدف إلى التجديد والابتكار في ممارساته التعليمية بما يخدم متطلبات المجتمع المحلي وفق منظور كوني وباحترام لما جاء به المنهاج الدراسي. إن المعلم وفق هذا التصور هو معلم باحث مجدد ومبتكر. أما المجتمع فهو ملزم بتقدير المعلم وإعطائه المكانة الاعتبارية التي يستحق حتى يكون لفعله أثر على المتعلم والمجتمع.
  • علاقة المعلم بالتعلمات: إذا كانت التعلمات كما أشرنا سابقا معلومات وقيما ومهارات وكفايات فإن علاقة المعلم بها تستلزم منه النقل الديداكتيكي للمعارف والمعلومات والقدوة فيما يتعلق بالقيم والمثل وإعداد الوضعيات البيداغوجية المستقاة من الحاجات الاجتماعية والمهنية للمجتمع بغية مساعدة المتعلم على بناء مهاراته وتنمية كفاياته.
  • علاقة المتعلم بالتعلمات: ينبغي أن تكون علاقة المتعلم بالتعلمات إيجابية يغوص فيها المتعلم بحثا عن المعلومات لبناء معارفه وتصحيح تمثلاته كما يحتاج مع أقرانه من جماعة المتعلمين أن يتمثل قيم ومثل المجتمع وينمي مهاراته وكفاياته من خلال الوضعيات البيداغوجية التي يعدها المعلم لهذا الغرض.
  • علاقة المتعلم بالمجتمع: هي علاقة اندماج ونفع وانتفاع وتعزيز للتعلمات التي بناها المتعلم من خلال الوضعيات البيداغوجية. فالمجتمع هو امتداد للفضاء الخاص الذي وقع فيه التعلم. وحين يوظف المتعلم تعلماته داخل المجتمع فإنه يكتشف جوانب القصور لديه ويسعى بذلك إلى تداركها. كما أن المجتمع حين يقدر المعلم فإنه يساعد المتعلم على احترام وتقدير المعلم وهو ما سيكون له أثر إيجابي على بناء التعلمات.
  • علاقة التعلمات بالمجتمع: هي علاقة تأثير وتأثر حيث تستمد المعلومات من حاجات المجتمع كما أشرنا إلى ذلك سابقا في تعريفنا للتعلمات ويكون الهدف من بناء هذه الأخيرة عند المتعلم تطوير المجتمع والرقي به حيث تكون التعلمات بهذا المعنى إجابات عن الأسئلة التي يطرحها المجتمع.
    • السطوح المشكلة لرباعي السطوح البيداغوجي:

السطح الأول: المعلم – المتعلم – التعلمات

وهو أحد الأوجه الجانبية لرباعي السطوح البيداغوجي وهو سطح كما يبدو لنا منذ الوهلة الأولى يستمد أساسه من المثلث الديداكتيكي أو البيداغوجي كما وضعه جون هوساي[5]

غير أننا نرى ضرورة تغيير عنصر المعرفة بالتعلمات على اعتبار أن المعرفة في نظرنا ما هي إلا جزء ومكون من مكونات التعلمات التي تتعدى المعرفة إلى القيم والمهارات والكفايات ليصبح هذا الوجه أعم وأشمل. كما أن التلميذ في هذا المثلث يحصر المتعلم داخل فضاء القسم ولأننا نسعى إلى إخراج العملية التعلمية-التعليمية من حدود الفضاء المكاني والزماني فإننا نقترح تغيير”التلميذ” بـ”المتعلم” حتى يصبح هذا المثلث البيداغوجي صالحا في كل الوضعيات التعلمية-التعليمية. كما غيرنا مواقع هذه العناصر حيث وضعنا المتعلم في قمة رباعي السطوح في إشارة إلى مركزية المتعلم.

السطح الثاني: المتعلم – التعلمات – المجتمع

وهو الوجه الجانبي الثاني لرباعي السطوح من خلال هذا السطح نريد أن نوضح أن علاقة المتعلم بالتعلمات هي علاقة نفعية براغماتية فهو يأخذ من التعلمات ما يساعده على الاندماج في المجتمع بغية المساهمة في تطويره وتحسينه وهذا ما يشكل دافعا وحافزا لكل متعلم للاستزادة من التعلم وهو ما يرسخ لديه مبدأ التعلم مدى الحياة.

وحتى يكون للتعلمات معنى بالنسبة للمتعلم فإن التعلم ينبغي أن يكون من خلال وضعيات واقعية وعملية ومستقاة من المجتمع الذي يعيش فيه وأن يكون التعلم من خلال الفعل (جون ديوي) ثم تأطير هذا التعلم فيما بعد بالنظريات المناسبة بعد أن يكون المتعلم قد أدرك الغاية والمقصد من هذه التعلمات. إن الهدف من التأطير النظري للتعلمات ليس الترف الفكري وإنما تطويرها وتحسينها بما يخدم المجتمع وينميه.

السطح الثالث المتعلم – المجتمع – المعلم:

كلما تقدم الزمن وتقدمت الأبحاث، استبان أثر المدرسة في نمو الاقتصاد والحياة الاجتماعية، فضلا عن وظيفتها الأساس في نمو الثقافة والحضارة عامة، ووجد الاقتصاديون وسائر المعنيين بتطوير المجتمع أن عملهم رهين بما تحققه المدرسة من تنمية للعنصر البشري، رأس مال كل تنمية وأساس كل تطوير.

وحصاد هذا كله أن يجد المعلم نفسه يوما بعد يوم مسؤولا أكثر من أي شخص آخر عن قيادة عملية التنمية والتقدم، وعن صياغة بنية المجتمع. ولن يستطيع ان يضطلع بمثل هذه المهمة إلا إذا كان عارفا بآلية التنمية وأصولها الاقتصادية والاجتماعية. فعملية التنمية هي عملية تكوين الإنسان وإطلاق الطاقة الأولى القادرة على تحريك المجتمع، نعنى طاقة الفكر والخلق والإبداع، طاقة المعرفة والفن والدراية، طاقة الإنسان الذي يسلط قواه الإنسانية على شؤون الانتاج والثروة والحضارة. ومهما اختلف الاقتصاديون في تفسير “ثروة الشعوب” فهم متفقون على أن إطلاق قدرة الانسان وكفاءته هو السبب الأول والعلة المحركة.

بل نستطيع أن نذهب إلى أبعد من هذا. ألا نستطيع أن نقول إن نمو أي مجتمع من المجتمعات وتحقيق قفزة حقيقية في حياته وانتقاله من مرحلة التخلف إلى مرحلة الحضارة، أمور تخضع كلها إلى مدى ما تستطيع المدرسة بمعناها الواسع أن تحققه فيه من قيادة؟

ألا يمكن أن نقول إن المجتمع الذي لا ينطلق من تكوين الإنسان وقيمه يظل عاجزا عن أن يحقق انطلاقته الاقتصادية والاجتماعية؟ أو أن نقول إن الإنسان المنتج ليس الذي أعد إعدادا فنيا جيدا فحسب، وإنما هو فوق هذا وقبله ذاك الذي أعد إعدادا إنسانيا، فنمت جوانبه الخلقية والاجتماعية التي تجعله قادرا على إقامة العلاقات الإنسانية الأساسية في أي إنتاج، والتي يصبح بدونها عاجزا عن العطاء والاندماج مهما تكن كفاءاته الفنية؟

إن مدرسة اليوم تمكننا من تحقيق نجاح على مستوى المؤسسة وليس عل مستوى المجتمع. إن الرهان الحقيقي هو الانتقال من مفهوم النجاح على مستوى المؤسسة إلى النجاح في الواقع الاجتماعي والاقتصادي ومواكبة انتظارات المجتمع.

إن المعلم اليوم مطالب بمصاحبة المتعلم ومرافقته ليندمج في محيطه أولا ثم توجيهه ومساعدته على بناء مشروعه الشخصي انطلاقا من حاجات المجتمع ثانيا ليصبح هذا المتعلم عنصرا مؤثرا وفاعلا حقيقيا في نهضة مجتمعه.

السطح الرابع المعلم – التعلمات – المجتمع:

يعتبر هذا السطح قاعدة رباعي السطوح حيث نجد التعلمات في الخلفية وهذه إشارة إلى أنها ليست اية في حد ذاتها وإنما وسيلة يسعى من خلالها المعلم لمساعدة المتعلم على الاندماج في المجتمع.

لذلك يحتاج المعلم أن يكون على اطلاع بحاجات المجتمع ليس فقط كما تحددها الوثائق الرسمية الصادرة عن القطاع الوزاري الوصي على التربية والتعليم في البلد وإنما من خلال البحوث والدراسات التي يجريها على محيطه وهو ما سيمكنه من توجيه المتعلم ومساعدته على بناء تعلماته من خلال صياغة الحاجات التي تم رصدها على شكل وضعيات بيداغوجية تيسر على المتعلم عملية التعلم.

خاتمة

لقد حاولنا من خلال تجربتنا العملية وما اطلعنا عليه من بحوث ودراسات وأعمال تربوية أنتجت في مجال تأطير العملية التعلمية -التعليمية أن نصوغ تصورا لنموذج بيداغوجي يستفيد من كل ما توصل إليه الباحثون والدارسون قبلنا ويتجاوز معضلة الفهم المجزأ للعملية التربوية بما يساعد العاملين في هذا المجال على فهم غايات التربية وسبل تحقيقها من خلال نموذج شمولي ونسقي يستحضر مختلف العناصر التي تتفاعل فيما بينها سعيا لتطوير المجتمع وتنميته حتى يستطيع أن يتنافس مع غيره من المجتمعات ويصير نموذجا يحتذى به.

إن أهمية هذا النموذج تكمن في إخراجه للعملية التربوية من مختلف الحدود التي يرسمها لها البعض من زمان ومكان وعمر للمتعلم ومضمون للتعلم، حيث نعتبر أن أي لحظة يتفاعل فيها المتعلم مع موضوع تعلم معين هو زمان مناسب للتعلم وليس الأمر مقتصرا على الزمن المدرسي المسطر في استعمالات الزمان فحسب، كما أن المدرسة هي أي فضاء يحدث فيه التعلم ولو كان ذلك خارج أسوار المؤسسة التعليمية، كما أن عمر المتعلم ليس محددا في سن معينة ففي أي لحظة من العمر يحتاج الإنسان إلى تعلم موضوع ما يمكنه ذلك صغيرا كان أم كبيرا، فيظل الإنسان متعلما مدى حياته حتى يأتيه اليقين ” من المهد إلى اللحد “.


المراجع:

[1] Anne Vérin. Des modèles pédagogiques pour quelles finalités de l’enseignement scientifique ? ASTER, N° 17 ,1993, Numéro spécial : Modèles pédagogiques 2 ; INRP, 29, Rue d’Ulm, 75230, Paris, CEDEX 05. P : 3-4. [2] http://www.meirieu.com/DICTIONNAIRE/dictionnaireliste.htm(consulté le 01/07/2020) [3]  الدريج، محمد. تطوير المناهج الدراسية في المنظومة التعليمية المغربية: المنهاج المندمج نموذجا على موقع http://moaalim.blogspot.com/2013/02/blog-post_8068.html [4] دفاتر التربية والتكوين عدد 12 ص 104 [5] J. Houssaye, Théorie et pratique de l’éducation scolaire, le triangle pédagogique, Berne, Peter Lang, 1988

[1] Anne Vérin. Des modèles pédagogiques pour quelles finalités de l’enseignement scientifique ? ASTER, N° 17 ,1993, Numéro spécial : Modèles pédagogiques 2 ; INRP, 29, Rue d’Ulm, 75230, Paris, CEDEX 05. P : 3-4.

[2]http://www.meirieu.com/DICTIONNAIRE/dictionnaireliste.htm (consulté le 01/07/2020).

[3] الدريج، محمد. تطوير المناهج الدراسية في المنظومة التعليمية المغربية: المنهاج المندمج نموذجا على موقع

http://moaalim.blogspot.com/2013/02/blog-post_8068.html

[4] دفاتر التربية والتكوين عدد 12 ص 104

[5] J. Houssaye, Théorie et pratique de l’éducation scolaire, le triangle pédagogique, Berne, Peter Lang, 1988

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.