منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من أحكام الطلاق المعلق “حكم من علق طلاق زوجته على شرط ففعلته ناسية”

من أحكام الطلاق المعلق "حكم من علق طلاق زوجته على شرط ففعلته ناسية" / أبوبكر الزايدي

0

من أحكام الطلاق المعلق 

“حكم من علق طلاق زوجته على شرط ففعلته ناسية”

 

س: ما حكم من قال لزوجته أنت طالق لو كلمت فلانة،ثم كلمتها ناسية فهل يقع الطلاق؟

الإجابــة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

أولا: ألفاظ الطلاق

قسم الطَّلاق عند الفقهاء من حيث صيغتُه إلى نوعينِ:

▪︎ النوع الأول: الطلاق الصريح، ويكون باللفظ الذي يُفهَم منه المراد، ويغلِبُ استعماله عُرفًا في الطلاق؛ مثل: (أنت طالق)، و(مطلَّقة)، و(طلَّقْتُك)، وغير ذلك مما هو مشتقٌّ مِن لفظ الطلاق، وألفاظ الطلاق الصريحة كما

جاءت في القرآن ثلاثةٌ: الطلاق والفِراق والسراح، ويقع الطلاقُ بهذه الألفاظ دون الحاجةِ إلى نية تُبيِّن المرادَ منه؛ لظهورِ دلالته، ووضوح معناه.

▪︎ النوع الثاني: طلاق الكناية، وهو كلُّ لفظ يحتمل الطلاق وغيرَه، ولم يتعارَفْ عليه الناس في الطلاق؛ مثل قول الرجل لزوجته: الحَقي بأهلِك، أو اذهبي، أو اخرجي، أو أنت بائن، أو أنت عليَّ حرامٌ، إلى غيرِ ذلك، ولا يقع الطلاقُ بهذه الألفاظ إلا بالنِّية.

ثانيا: ما هو الطلاق المعلق؟

هو أن يعلق الزوج طلاق امرأته على فعل شيء أو تركه ، كأن يقول لها إن فعلت كذا فأنت طالق ، أو : إن لم تفعلي كذا فأنت طالق ، ففعلت ما نهاها عنه ، أو تركت ما أمرها بفعله ،فهذا هو الطلاق المعلق.

ثالثا: آراء وأدلة الفقهاء في المسألة.

▪︎ القول الأول: إن الطلاق المعلق على شرط يقع عند حصول المعلق عليه، وهو قول جمهور الفقهاء، وفيهم الأئمة الأربعة.

▪︎ دليلهم:

1- عمل بعض الصحابة والتابعين من بعدهم، فقد أخرج الإمام البخاري بسنده إلى نافع قال: (طلَّق رجل امرأته ألبتة إن خرجت· فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بتت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء)·

2- وروى البيهقي من طريق إبراهيم عن ابن مسعود في رجل قال لامرأته إن فعلت كذا وكذا فهي طالق فتفعله؟ قال: هي واحدة وهو أحق بها)

3- وأيضاً روي عن أبي الزناد عن أبيه أن الفقهاء السبعة من أهل المدينة كانوا يقولون: (أيما رجل قال لامرأته: أنت طالق إن خرجت إلى الليل فخرجت، طُلِّقت امرأته).

▪︎ القول الثاني: إنه يرجع في حكم الطلاق المعلق على شرط إلى مراد المتكلم وقصده، فإن كان يقصد به طلاق زوجته عند حصول الشرط، وقع طلاقه بحصوله، وإن لم يكن يقصده وكان يريد فقط حض زوجته على القيام بعمل أو نهيها عنه، لم يقع طلاقه· وهو قول ابن حزم وابن تيمية وابن القيم.

ومن الفقهاء المعاصرين الذين صرحوا بأخذهم بهذا القول الشيخ محمود شلتوت، والشيخ أبوزهرة، والدكتور مصطفى السباعي، وغيرهم.

▪︎قال ابن تيمية أن (الأصل في هذا أن ينظر إلى مراد المتكلم ومقصوده، فإن كان غرضه أن تقع هذه الأمور وقعت منجزة أو معلقة إذا قصد وقوعها عند وقوع الشرط· وإن كان مقصوده أن يحلف بها وهو يكره وقوعها إذا حنث، وإن وقع الشرط فهذا حالف بها لا موقع لها فيكون قوله من باب اليمين لا من باب التطليق والنذر).

وقال ابن تيمية ومن وافقه من أهل العلم بلزوم كفارة يمين إن كان الزوج لا يقصد طلاقا، وإنما قصد المنع أو التهديد مثلا.

▪︎دليلهم:

إن الطلاق المعتبر في الشرع هو ما ورد بصيغة منجزة فقط· وإن عبارات الطلاق الواردة في القرآن ـ كما قال الشيخ محمود شلتوت ـ (لا تصدق لغة إلا على من نجز الطلاق وأوقعه بالفعل غير معلق له على شيء، فقوله – تعالى -: (الطلاق مرتان)، وقوله: (فإن طلّقها)، وقوله (وإذا طلَّقتم)، كل هذا لا يفهم منه إلا شيء واحد هو إيقاع الطلاق بالفعل، أما من علق بالطلاق على فعل غيره زوجة أو غيرها، فإنه لا يصدق عليه أنه طلَّق).

رابعا : حكم من علق طلاق زوجته على شرط ففعلته ناسية.

إذا كانت المرأة فعلت ذلك نسيانًا كما قلت في السؤال، فليس عليك شيء، وليس عليها شيء، يقول الله سبحانه: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾[البقرة: 286]

▪︎وهذا القول هو مذهب الشافعية . ينظر روضة الطالبين (8/193) ، وإحدى الروايات عن الإمام أحمد ، صوبها المرداوي في الإنصاف (9/115، 117) .

▪︎قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في “أسنى المطالب” (3/301) : ” ( وكذا ) لا تطلق إن علّق بفعل ( غيرٍ ) من زوجةٍ أو غيرها وقد ( قصدَ ) بذلك ( منعه ) أو حثه ( وهو ممن يبالي ) بتعليقه فلا يخالفه فيه لصداقة أو نحوها ( وعلم بالتعليق ففعله الغير ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً ) ” انتهى .

▪︎قال النووي: فإذا وجد القول أو الفعل المحلوف عليه على وجه الإكراه أو النسيان أو الجهل سواء كان الحلف بالله تعالى أو بالطلاق فهل يحنث قولان أظهرهما لا يحنث. انتهى.

وفي الفتاوى الكبرى لابن تيمية: قد يفعل المحلوف عليه ناسيا، أو متأولا، أو يكون قد امتنع لسبب، وزال ذلك السبب، أو حلف يعتقده بصفة فتبين بخلافها، فهذه الأقسام لا يقع بها الطلاق على الأقوى. انتهى.

▪︎وقال ابن حجر الهيتمي في “الفتاوى الفقهية الكبرى” (4/178) : ” متى حلف بطلاق أو غيره على فعل نفسه ، ففعله : ناسيا للتعليق ، أو ذاكرا له مكرها على الفعل ، أو مختارا جاهلا بالمعلق عليه ، لا بالحكم خلافا لمن وهم فيه : لم يحنث …” انتهى .

▪︎وهي اختيار ابن تيمية رحمه الله . قال :
” وإذا حلف على زوجته لا تفعل شيئا ، ولم تعلم أنه حلف ، أو علمت ونسيت ففعلته : فلا حنث عليه ، وله أن يصدقها إن كانت صادقة عنده ” انتهى من “مختصر الفتاوى المصرية” .

والله تعالى أعلى وأعلم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.