منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رعاية حقوق المسلمين والإصلاح بين الناس | شعب الإيمان | شعبة (10)

رجاء الرحيوي

0

مقدمة:

لاشك أن من أوجب الواجبات حفظ حقوق الناس بما يضمن لهم الاستقرار والأمن المفضي إلى معرفة الله وعبادته، دون الخوف على أنفسهم أو ذويهم أو ممتلكاتهم، ومن أجل ذلك أقيمت الحدود والعقوبات التي تضمن عدم تجاوز حقوق الناس واختراقها، وقد فصل سادتنا العلماء في ذلك حين أجمعوا على حفظ مقاصد الشريعة الإسلامية، خاصة الضرورية منها، لأن بها “قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين”(1) فالشريعة الإسلامية ضامنة لحقوق الناس من الضياع، الذي يؤول بالعلاقات الاجتماعية إلى التشرذم والتهارج كما جاء عند الشاطبي، والتدافع المحموم بين الناس وانتشار القطيعة والشحناء، وهذا مخالف لمقاصد الشريعة، فكيف تحفظ الحقوق من الضياع ويلتئم شمل الأمة؟

أولا: وجوب رعاية حقوق المسلمين ضمانة للأمن الاجتماعي

لا يتحقق الأمن الاجتماعي إلا برعاية حقوق الناس ولذلك أوجب الشرع الإسلامي حفظ مختلف الحقوق فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخية كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة”(2).

أخوة الإسلام تستوجب رفع الظلم عن المسلم وقضاء حاجاته، وتفريج كربه، وستره، وقد فرض الله تعالى على المؤمنين الولاية والتناصر والتعاون، “فسبيل المؤمنين أن يتقدموا يدا في يد ويواجهوا قوى الباطل وعلى جند الله أن يبسطوا أيد الرحمة للمسلمين ويبرهنوا للشعب بحملهم همومه، ورعايتهم لحقوقه، أن برنامج الحل الإسلامي إقامة مجتمع العدل والرحمة والكرامة” (3).

المزيد من المشاركات
1 من 48

حفظ الحقوق ورعايتها ببسط العدل والرحمة والكرامة، يشيع بين الناس اللأمن الاجتماعي والثقة المتبادلة، ويطمئن الناس في دنياهم ليستفرغوا الوسع إعدادا لآخرتهم، ويندرج ضمن حفظ حقوق المسلم إضافة إلى قضاء حاجاته والشفاعة له، إدخال السرور عليه، ليطمئن قلبه ويختلج بسعادة الأمن بعيدا عن مغبة الترويع والفزع، فقد نهى الله تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عن إفزاع المسلم وترويعه ولو مزاحا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري، لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار” (4).

ومن حفظ حقوق الناس السير بينهم أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، ومن أبلغ المنكرات ظلم العباد على رؤوس الأشهاد عيانا جهار، وأبلغ منه سوءا السكوت على الظلم، فعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه، فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره”.

فالظلم سبب في قطيعة أواصر الأخوة والرحم، لا ينجلي إلا بعدل يعيد الروابط ويصلح ذات البين.

ثانيا: السعي للاصطلاح بين الناس وأثره على وحدة الأمة

لقد ذم الإسلام كل ما من شأنه خلق الفرقة والشحناء والبغضاء بين الناس، وجعل آصرة الأخوة في الله أقوى من أصرة القرابة، وحث على قيم المحبة والتآزر والتعاون، ونهى المسلم أن يحمل في قلبه ما يسوء إخوته من غل أو حقد فعن أنس رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث” إذ التحذير من الأسباب المفضية للقطيعة جاءت بادئ الأمر، فإن وقع المرء في المحظور لطبع غلبه، فلا يجوز له هجر المسلم أكثر من ثلاثة أيام كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم” “يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام” (7).

خيرية المرء في مغالبته لنفسه المستعلية، ليكون رحمة بين الناس، خافضا للجناح، محضنا لأخوة الإسلام ،يلتمس الأعذار بعيدا عن المحاسبة والمناكفة، ساعيا إلى إصلاح ذات البين، ما يجمع شمل الأمة ويحفظ وحدتها، فعن أبي الدرداء رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، يا رسول الله قال: “إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين  الحالقة” (8).

والحالقة، البغضاء تحلق الدين أي تذهب به، وجاءت درجة إصلاح ذات البين أعلى مقاما من الصيام والصلاة والصدقة، لما لها من أثر على وحدة الأمة واجتماعها على قلب رجل واحد، وجمع شمل الأمة مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية ،به يصلح حالها وتتقوى شوكتها وتعيد عزتها، في مجتمع أخوي ينبذ الأنانية المستعلية، ويبذل نفسه وماله خدمة للأمة الإسلامية، وتأسيا بالرعيل الأول من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، الذين تحولوا من حال الفرقة بسبب العصبية الجاهلية، إلى أخوة الإسلام، أخوة البذل والعطاء والإيثار على النفس ف “لم تكن المؤاخاة ولا الإيثار الرائع زهرة عاطفية أينعت مع الحماس، بل كانت بذلا يحتقر معه المؤمن متاع الدنيا بجانب حق الأخوة وبجانب الجزاء في الجنة” (9).

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

ونخلص مما سبق أن حفظ حقوق الناس ورعايتها مطلب أساس أكدت عليه الشريعة الإسلامية وجعلته من شعب الإيمان، ويكون دافعا لتخليص الناس من أسباب النزاع والخلاف الذي ينتج الفرقة، فوحدة الأمة وإصلاح ذات بينها من ثمرات العدل القائم على حفظ حقوق الناس والإحسان إليهم بذلا وعطاءا.


الهوامش:

  1. الموافقات في أصول الشريعة لأبي إسحاق الشاطبي دار الحديث طبع سنة 2006 م المجلد الأول ص 265.
  2. أخرجه البخاري، كتاب المظالم والغضب باب لا يظلم المسلم ولا يسلمه رقم 2442.
  3. المنهاج النبوي للإمام عبد السلام ياسين الطبعة الثانية 1989 ص 144.
  4. أخرجه البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: من حمل علينا السلاح فليس منا”، رقم 7072.
  5. أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما، رقم 2584.
  6. أخرجه البخاري في كتاب الأدب باب ما ينهى في التحاسد والتدابر رقم 6065.
  7. أخرجه البخاري كتاب الأدب باب الهجرة رقم 6077 ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب باب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي رقم 2560 واللفظ له.
  8. أخرجه أبو داود، كتاب الآدب، باب في إصلاح ذات البين رقم: 4919 وهو حديث صحيح.
  9. القرآن والنبوة الإمام عبد السلام ياسين دار لبنان للطباعة والنشر ط الأولى 2010، ص 84.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.