منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة: أهل القرآن بين التكريم والإهانة

الشيخ بنسالم باهشام/خطبة: أهل القرآن بين التكريم والإهانة

0

 

خطبة: أهل القرآن بين التكريم والإهانة

الشيخ بنسالم باهشام

عباد الله، إن الله تعالى رفع من شأن أهل القرآن، إلى درجة أنه سبحانه وتعالى جعلهم من أهله وخاصته، روى ابن ماجة، وأحمد، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ ؟ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ)، [رواه ابن ماجة (215) وأحمد (11870)]،  قال المناوي رحمه الله: (أي حفظة القرآن العاملون به، هم أولياء الله المختصون به، اختصاص أهل الإنسان به، سموا بذلك تعظيما لهم كما يقال للمسجد: “بيت الله”) .

عباد الله، لقد ميز الله أهل القرآن حتى في الدفن وهم موتى، ففي صحيح البخاري عن جابر رضي الله عنه (كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرِّجْلَيْنِ من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول : أيهم أَكْثَرَ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ ؟ فَإِذَا أشير إلى أحدهما قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ). [أخرجه البخاري ( 1343 و 1345 – 1347 و 1353 و 4075 ) واللفظ للموضع الرابع، ومسلم (2296)]

عباد الله، لقد أمرنا الله تعالى نحن المسلمين بأن نكرم حامل القرآن، واعتبر هذا الإكرام من إجلال الله تعالى، روى البيهقي في السنن الكبرى بسند حسن وغيره، عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِي رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : (إِنَّ مِنْ إِجْلاَلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ، غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَلاَ الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ) [أخرجه أبو داود (4/261 ، رقم 4843) ، والبيهقى (8/163 ، رقم 16435) . والبخاري في الأدب المفرد (1/130 ، رقم 357) .]

والقرآن يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة، روى مسلم في صحيحه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: ( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين ). [رواه مسلم في صحيحه ج1/ص559 ح817]، (يرفع بهذا الكتاب): أي بقراءته والعمل به (ويضع به) : أي بالإعراض عنه وترك العمل بمقتضاه.

بل جعل الإسلام ميزان التفاضل بين المؤمنين بالقرآن، فقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري في صحيحه عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: (أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه).[أخرجه أحمد (1/57 ، رقم 405) والبخاري (4/1919 ، رقم 4740)].

 عباد الله، هذه بعض الأحاديث التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم ليبين للأمة الإسلامية ميزان التفاضل في المجتمع المسلم، والنظرة التي يجب أن يُنظر بها إلى أهل القرآن، والمكانة التي يجب أن يحتلوها في مجتمعاتهم المسلمة إلى قيام الساعة، لكننا إذا انتقلنا إلى أرض الواقع  في مجتمعاتنا الإسلامية اليوم، فإننا نجد هذه المجتمعات، لا تولي أهل القرآن المكانة التي بوأهم الإسلام إياها، ويظهر ذلك من خلال تعاملهم المادي معهم، بحيث إن الجهة المعنية بتوظيفهم، لا تكافئ المؤذنين للصلوات الخمس والأئمة والخطباء والوعاظ إلا بأزهد الأجور التي لم تصل إلى درجة المنظفة في الإدارات،والخادمة في البيوت، أما أفراد المجتمع، فرغم كونهم يعلمون ما يمارس على أهل القرآن  من حيف في الأجور، فإنهم يستدعونهم في الأفراح والأحزان لقراءة القرآن والدعاء لأهل المنزل، ولا يكرمونهم مثل إكرام المغنيين في الأعراس ماديا ومعنويا.

عباد الله، هنا يطرح تساؤل، هل هذه الإهانة الممارسة على أهل القرآن على أرض الواقع في مجتمعاتنا الإسلامية، ماديا ومعنويا، قد حطت من قيمتهم؟ الجواب على ذلك نستقيه من مثال ساقه أحد الأساتذة الجامعيين لطلابه، إذ أخرج لهم من جيبه قطعة نقدية ورقية من فئة مائتي درهم، فسألهم: من يريد هذه الورقة، فرفع كل الطلبة أصابهم، ثم جمعها في يده، كما تجمع الورقة التي ستلقى في سلة المهملات، ووضع لهم نفس السؤال، فرفع الكل إصبعه، ثم ألقاها على الأرض وداسها بقدمه حتى اتسخت، ثم وضع لهم نفس السؤال، فرفع الكل أصبعه، وبعدها التقط الورقة النقدية وقال لهم: ما هي العبرة التي نستخلص من هذه التجربة التي قمت بها أمامكم؟ أجاب الكل بأن قيمة الورقة النقدية لم تتغير مهما حاولنا الحط من قيمتها، أقر الأستاذ استنباطهم، وبين لهم أن قيمة الشيء تكون من داخله ولا تضفى عليه من الخارج، وبالتالي تبقى قيمته لم تتغير مهما مارسنا عليه من أنواع الإهانات، فيوسف عليه السلام لم تسقط قيمته لما أدخل السجن، وإبراهيم عليه السلام لم تسقط قيمته لما ألقي في النار، والرسول صلى الله عليه وسلم لم تسقط قيمته لما وصمه أهله زورا وبهتانا بالكذاب والساحر والكاهن، وهكذا أهل القرآن، يجب أن تكون قيمتهم نابعة من داخلهم، فلا يبتغون عند غير الله العزة والمكانة، قال تعالى في سورة النساء: (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [النساء: 139]، وقال تعالى في سورة يونس : (وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [يونس: 65]، ويقول سبحانه وتعالى في سورة فاطر: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) [فاطر: 10] ، وقال تعالى في سورة المنافقون: ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون: 8].

عباد الله، في إطار عزة المؤذنين وأئمة المساجد والخطباء والوعاظ الحاملين لكتاب الله،  لما تيقنوا عن طريق التجربة الميدانية ولمدة سنوات، أن الجهة التي تمونهم لا تنوي تكريم حملة كتاب الله، بالرفع من أجورهم، والارتقاء بسلم وظيفتهم، فعليهم أن يسلكوا طريق سلفهم الصالح الذين كانوا يعتمدون على كسب أيديهم، ليحافظوا على عزتهم وشرفهم، فيمارسوا أعمالا حرة من تجارة وزراعة ورعي، و يتحرروا من عبودية الوظيفة.

عباد الله، إن للعمل منزلةٌ شريفة في الإسلام أيًّا ما كان ذلك العمل، شرْطَ أن يكون مباحَ الأصل، نافعًا غير ضار، وقد جاءت آياتٌ كثيرة في القرآن تدلُّ على أن الأنبياء عليهم السلام، كانوا يعملون في عدد من الحرف والصناعات اليدوية، روى الحاكم في المستدرك عن ابن عبَّاس – رضي الله عنهما-: (كان داود زرَّادًا، وكان آدمُ حرَّاثًا، وكان نوحٌ نَجَّارًا، وكان إدريس خيَّاطًا، وكان موسى راعيًا – عليهم السلام)، فهؤلاء هم أقطاب النبوَّة من الرُّسل، قد شُرِّفوا باحتراف مهنة يعيشون على كسبها؛ والصَّحابة الكِرام من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، كانوا يعملون في أمرِ معاشهم، ولم يكونوا بطَّالين ولا موظفين؛ بل كانوا أصحابَ مِهن وحِرَف؛ فمنهم اللَّحَّام والجزَّار والبزَّاز والحدَّاد، والخيَّاط والنَّسَّاج والنَّجَّار والحجَّام، وقد احترف التجارةَ منهم ناسٌ برًّا وبحرًا؛ وثبت فيما رواه البخاري في صحيحه من حديث المِقدام عنه – صلَّى الله عليه وسلَّم -: (ما أَكلَ أحدٌ طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكلَ مِن عمل يَدِه)؛ [رواه البخاري (2143)]، قال ابن حجر العسقلاني: (والمراد بالخيريَّة ما يستلزم العملَ باليد مِن الغِنى عن الناس).

والعمل وسيلةٌ لكسب الرِّزق من كدِّ اليد، وهو خير مِن سؤال الناس، أو الرضوخ لعبودية الوظيفة، ومع إجادة المِهنة، يصون المسلم عموما وحامل كتاب الله خصوصا نفسَه عن سؤال الناس.

عباد الله، لا ينبغي لأحدٍ الاستهانةُ بالعمل أو العمَّال، فهؤلاء يكسبون رِزقَهم من عمل أيديهم، وذلك أفضلُ، وقد سُئل رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – فيما رواه الحاكم في المستدرك، عن أطيب الكسب؟ فقال: (عملُ الرَّجُلِ بيده، وكلُّ بيع مبرور).

عباد الله، لقد حثَّ الإسلام على الاحتراف والعمل، ورغَّب فيه، وصغَّر مِن شأن مَن يتهاون به، أو يحتقره أو يزَّهِدُ فيه؛ روى البخاري ومسلم عَن الزُّبير بن العوَّام – رضي الله عنه – عن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: (لَأَنْ يأخذَ أحدُكم حَبلَه، فيأتيَ بحُزمة الحَطبِ على ظهره فيبيعَها، فيَكُفُّ اللهُ بها وَجهَه، خيرٌ له من أن يسأل الناس، أَعطَوْه أو منعُوه)؛ [متفق عليه]، وقد قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: (إنِّي لأرى الرَّجل فيعجبني، فأقول: له حِرفة؟ فإن قالوا: لا، سَقَطَ من عيني)، وقد كان محمَّد بن سيرين، إذا أتاه رجلٌ من العرب، قال له: (ما لكَ لا تتَّجر؟! كان أبو بكر تاجرَ قُريش).

عباد الله، في عصرنا الحالي، مع انقلاب الموازين، وتحوُّر المفاهيم، ما أن ينطقَ متكلِّم عن العمل، إلاَّ ويتبادر إلى ذهن السامع الوظائفُ والأعمال المكتبيَّة، وكأنَّ العملَ مقصور عليها، منحصِرٌ فيها، ما نتج عنه احتقارُ المهن وازدراء أصحابها، والإعلاء من شأن الوظيفة المكتبيَّة التي هي في الحقيقة عبودية تطورت واتخذت هذا الشكل المعهود، وهذه النظرة الدُّونية تُمارس على جميع المستويات والطبقات، وتُغرَس في النُّفوس منذ الصغر، مع أنَّ الوظيفة تأتي في المرتبة الدُّون من أبواب المكاسب، فأصولُ المكاسب ثلاثة: الزِّراعة والصِّناعة والتِّجارة، ولم يذكروا الوظائف مع أنَّها جائزةٌ من حيث الأصل.

وقد انتشر فَهْمٌ خاطئ عند بعض الناس، مفادُه أنَّ الاشتغال بطلب المعاش، والعمل في صنعة أو مهنة أو حرفة يمنع الوصولَ إلى مراتب العُلماء، وأنَّ العالِمَ لا يبلغ هذه المنزلةَ إلاَّ بالتفرُّغ الكامل، والبعد عن طلب المعاش والاحتراف، وأنَّ الجمع بين العِلم والحِرْفة صعبُ المنال، والصحيحُ أن لا تعارُضَ بين الأمرين، فالصحابة رضي الله عنهم كان العِلم باعثًا لهم على العمل؛ روى النسائي في سننه عن أبي مسعود البدري – رضي الله عنه – قال: (كان رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – يأمرُنا بالصدقة، فما يَجِدُ أحدُنا شيئًا يتصدَّق به، حتَّى ينطلق إلى السُّوق، فيحمل على ظهره، فيجيء بالمدِّ فيعطيه رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – وإنِّي لأعرف اليوم رجلاً له مائةُ ألفٍ ما كان له يومئذ دِرهمٌ).

عباد الله، على نَهْج العِلم والعمل، سار جمعٌ غفيرٌ من علمائِنا وفُقهائنا وأُدبائنا مِن سَلفِ هذه الأمَّة من حاملي كتاب الله تعالى، فانخرط رُموزُها وعظماؤها في الاحتراف، والعمل لكسْبِ الرِّزق؛ إذ كانوا أصحاب حِرَف ومِهَن، وكانوا مع عِلمهم وزُهْدهم وتقواهم يَسعَون في هذه الدنيا، سعيًا وراءَ عيشهم ورِزقهم وقُوتِ عيالهم،، ونُسب جمعٌ من عظماء الأمَّة وعلمائها إلى المِهَن؛ فكان منهم: الآجُري، نسبة إلى عمل الآجُر وبيعه، والباقلاني، نسبة إلى الباقلا وبيعه، والتوحيدي، نسبة إلى بيع التوحيد وهو نوعٌ من التُّمور، والجصَّاص، نسبة إلى العمل بالجصِّ وتبييض الجدران، والحاسب، نسبة إلى مَن يعرف الحساب، والقطعي، نسبة إلى بيع قِطع الثياب، والقفَّال، والخرَّاز، والخوَّاص، والخبَّاز، والصبَّان، والقطَّان، والحذَّاء، والسمَّان، والصوَّاف، والزيَّات، والفرَّاء. وكلهم كانوا علماء وحاملين لكتاب الله تعالى.

عباد الله، إنَّ انتسابَ هؤلاء العلماء الأجلاَّء للحِرَف، أعطى صبغةَ العزة لأهل هذه الحِرف، حتى لم يكدْ يوجد في المجتمع الإسلامي مَن ينتقص الحِرَف، أو ينتقص من شأن أصحابها، ولَمَّا كان العلماء يعتمدون في كسْبهم على عمل اليد، أو على قسمهم مِن أوقاف المُسلمين عليهم، كانت أقوالُهم تَصْدع بالحق، ولا يُبالون في الله لومةَ لائم، فلم يكونوا يقومون لعَرَض، ولا يقعدون لغَرَض، فلم يكن لأهْل الدُّنيا عليهم تأثير من قريب، ولا من بعيد، وبهذا يتقرَّر حقيقةُ عدم انفصالِ طلب المعاش عن طلبِ العِلم، والقدوة في ذلك من سِيَرِ الأنبياء والصالحين والسلف المبارك، وهو جليٌّ بما سبق التدليل به، ورحم الله من قال:

لَحَمْلُ الصَّخْرِ مِنْ قِمَمِ الْجِبَالِ  *** أَحَبُّ إِلِيَّ مِنْ مِنَنِ الرِّجَالِ

يَقُولُ النَّاسُ كَسْبٌ فِيـــــهِ عَارٌ *** فَقُلْتُ الْعَارُ فِي ذُلِّ السُّؤَالِ

فإذا كان الله عز وجل قد أعز حملة كتاب الله، بما يحملون من كلامه، فعليهم أن يحافظوا على هذه العزة بالزهد فيما في أيدي الناس، والسعي لكسب الحلال الطيب، روى ابن ماجه وغيره بأسانيدَ حسنة، عن أبي العباس سهل بن سعدٍ الساعدي رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله، دلني على عملٍ إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس). والزهد الذي أمر به الإسلام، ليس هو لبس المرقعات من الثياب، وعدم التمتع بما لذ وطاب من العيش، فالله تعالى قال في سورة الأعراف: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [الأعراف: 31، 32]

والرّسُولُ صلى الله عليه وسلم قال فيما روى الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك ، بسند صحيح، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ مَخِيلَةٍ وَلاَ سَرَفٍ، حَتَّى تُرَى نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى نِعْمَتَهُ عَلَى عَبْدِهِ). [أخرجه أحمد (2/182، رقم 6708)، والحاكم (4/150، رقم 7188)، وقال: صحيح الإسناد]، والزهد هو عدم الرغبة في الشيء الحلال المرغوب فيه، إذ لا يكون الزهد في الحرام، أو في الشيء غير المرغوب فيه، لهذا ليس من العيب أن يكون حملة القرآن أصحاب مشاريع وتجارات رائجة، وأصحاب أموال طائلة، فإن الخطر ليس في وجود الباخرة العظيمة الحجم والوزن فوق الماء، وإنما الخطر في وجود الماء وسط الباخرة، فذلك إيذان بغرقها، وهكذا حملة كتاب الله، ليس الخطر عليهم أن يكونوا أغنياء والدنيا تتقلب في أيديهم، وإنما الخطر أن تكون الدنيا في قلوبهم فيغرقون بها، كما تغرق الباخرة إذا دخلها الماء.

عباد الله، إن القناعة كنز لا يفنى، ومن تحلى بها، شعر بالعزة من داخله، وشعر بأنه أغنى من أصحاب الأموال، ورحم الله الشافعي حين قال:

رأيْتُ القنَاعَةَ رَأْسَ الغنَى … فصِرتُ بأَذْيَالِهَا مُمْتَسِـــكْ

فلا ذا يَراني عَلى بَابـــــهِ … وَلا ذا يَرَاني بهِ مُنْهمِــــكْ

فصرتُ غَنِيّاً بِلا دِرْهَــــم … أمرُّ على النَّاسِ شِبهَ الملِكْ

فاللهم أعزنا بالقرآن قائمين، وبالقرآن قاعدين، ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين.

 

 

المزيد من المشاركات
1 من 44
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.