منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(6) اضطهاد المسيح وأتباعه | الأناجيل الأربعة في الميزان

د. مصطفى العلام

0

بعد أن تعرفنا بصورة مختصرة على ماهية الأناجيل المعتمدة عند الطوائف المسيحية، وكيف تم اختيار أربعة منها، وما مدى نسبتها لأصحابها، ننتقل للحديث في هذا المقال عن بعض ملامح المراحل التاريخية التي دونت فيها هذه الأناجيل الأربعة القانونية المعتمدة. ولا يمكن الحديث عن مراحل تدوين الأناجيل الأربعة دون الحديث عن فترات الاضطهاد التي عانى فيها المؤمنون المسيحيون نظرا لارتباطهما الوثيق.

أولا ـ اضطهاد المسيح وأتباعه أخر تدوين الإنجيل

فمنذ اللحظة الأولى لدعوة المسيح – عليه السلام – بدأت الاضطهادات، واستمرت بعده مع أتباعه وأنصاره. فاضطهد اليهود وحلفاءهم الرومان المسيح وأتباعه، ونتيجة لذلك لحقهم أذى كثيرا وصل حد الصلب ـ كما يزعمون ـ لكن الحق سبحانه وتعالى رفعه إليه، يقول سبحانه وتعالى في سورة النساء، الآية 157 (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا). وقد حدث هذا الاضطهاد جراء ما زرعه اليهود من الكذب والفتن والحيل والإغراء لإيقاع العداوة والشحناء بين المسيح والسلطة الرومانية من جهة، وما قامت به الدولة الرومانية نفسها من محاولة لصلب المسيح من جهة ثانية. واستمر تعاقب الفتن والاضطهاد على أتباع المسيح ومن لحقهم، إلى أن تنصر الملك “قسطنطين” وأمر برفع العذاب عنهم فكان يمنا وبركة على المسيحيين؟ǃ.

ولمعرفة طبيعة وحجم الاضطهاد الذي حل بأتباع المسيح، يذكر ‘رحمة الله الهندي’ [1]ويشير إلى ـ عشرات قتلات عظيمة ـ تكشف أنواع البلايا والفتن التي حلت بالنصارى وهي:

– الأولى: يمثل عصر نيرون أبشع حركات الاضطهاد التي عاناها المسيحيون في القرن الأول، إذ ألقى بعضهم للوحوش الضارية تنهش أجسادهم. وأمر فطليت أجسام بعضهم بالقار وأشعلت لتكون مصابيح بعض الاحتفالات التي يقيمها الملك في قصره. « في سنة 64 جعل نيرون المسيحيين كبش الضحية بسبب النار العظيمة التي أتت على قسم كبير من رومة. وقتل عددا كبيرا منهم بقساوة متناهية. وهذه الحادثة لم تكن على كل حال جزءا من سياسة مدروسة ولكنها كانت انفجارا غير معقول وربما لأسباب محلية.» [2]. يقول رحمة الله الهندي: « في عصر السلطان نيرون[3]سنة 64 م، استشهد السلطان بطرس وزوجته، وكان هذا القتل في دار السلطنة والولايات، وبقي الحال هذا إلى آخر حياة هذا السلطان، وكان الإقرار بالمسيحية يعد جرما عظيما في حق المسيحيين.»

المزيد من المشاركات
1 من 31

ويشير الإمام ‘أبو زهرة ‘ إلى أنه بالإضافة إلى تدوين إنجيل مرقص في عصر ‘نيرون‘ فإنه دون كذلك في العصر نفسه كل من إنجيل لوقا ويوحنا، قائلا « وفي عصر نيرون هذا دون الإنجيل مرقص سنة 61 م على رواية، وكان بمصر وقد كتبه عنه بطرس وهو برومة، وكتب أيضا لوقا إنجيله في عهد هذا القيصر، وفي ابتداء هذا الإنجيل ينص على أنه يراسل به إلى تاوفيلس، ليؤكد له صحة الكلام، وتاوفيلس هذا رجل من عظماء الروم وأشرافهم، وفي عصر هذا القيصر أو بعده دون يوحنا إنجيله.» [4]. فكيف يكتب لهذه الأناجيل – التي كتبت في هذه الظروف المضطربة – النجاة ويأمن مؤلفيها من الإضطهاد؟ǃ.

– الثانية: في عهد السلطان ‘دومشيان’، وكان هذا السلطان مثل نيرون عدوا للملة المسيحية فأمر بالقتل، فظهر القتل العام الذي حصل منه خوف استئصال هذه الملة، وأجلى يوحنا الحواري وقتل ‘فليوس كليمنس’.

– الثالثة: في عهد السلطان تراجان، وكان ابتداؤه سنة 101 م وبقي الحال هكذا ثماني عشرة سنة، وقتل فيه ‘أكناشس’ أسقف كورنثيه، و‘كليمنت’ أسقف الروم، و‘شمعون’ أسقف أورشليم.

– الرابعة: في عهد السلطان ‘مرقس أنتيونينس’، وكان ابتداؤه سنة 161 م، وبقي الحال أزيد من عشر سنين، وبلغ القتل شرقا وغربا، وكان هذا السلطان فلسفيا مشهورا متعصبا في الوثنية.

– الخامسة: في عهد السلطان ‘سويسرس’، وكان ابتداؤه سنة 202 م، وقتل ألوف في مصر وكذا في ديار فرانس وكارتهيج، وكان القتل في غاية الشدة بحيث ظن المسيحيون أن هذا الزمان زمان الدجال.

– السادسة: في عهد السلطان ‘مكسيمن’، وكان ابتداؤه سنة 237 م، وصدر أمره وقتل فيه أكثر العلماء، لأنه ظن أنه إذا قتل أهل العلم فجعل العوام مطيعين في غاية السهولة، وقتل فيه البابا ‘بونتيانوس’ والبابا ‘أنتيروس’.

– السابعة: في عهد السلطان ‘دي شس’ سنة 253 م، وأراد هذا السلطان استئصال الملة المسيحية، فصدر أوامره إلى حكام الولايات، وارتد في هذه الحالة بعض المسيحيين، وكانت أفريكا واتالي والمشرق مواضع تفرج ظلمه.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 19

– الثامنة: في عهد السلطان ‘ولريان’ سنة 257 م، وقتل فيه ألوف، ثم صدر أمره في غاية الشدة بأن يقتل الأساقفة وخدام الدين، ويذل الأعزة وتؤخذ أموالهم، فلو بقوا بعد هذا أيضا مسيحيين يقتلون، وتسلب أموال النساء الشرائف ويجلين من الأوطان، ويؤخذ المسيحيون الباقون عبيدا ويحبسون، وتلقى في أرجلهم سلاسل ويستعملون في أمور الدولة.

– التاسعة: في عهد السلطان ‘أريلين’، وكان ابتداؤه سنة 274 م، وصدر أمره لكن ما قتل فيه كثير؛ لأن السلطان قد قتل.

– العاشرة: في سنة 302 م، امتلأت الأرض شرقا وغربا في هذا القتل، وأحرقت بلدة فريجيا كلها دفعة واحدة، بحيث لم يبقى فيها أحد من المسيحيين. وكان هذا الاضطهاد في عهد الإمبراطور ‘يوكاليشين’، هوأعنف من كل الاضطهادات السابقة، وأطولها أمدا، بدأ هذا الاضطهاد سنة 286 م عندما قتل 6600 من النصارى، واستمر إلى سنة 313 م وكانت ذروته من سنة 302 – 313 وكان يستشهد كل يوم من 30 – 80 نفسا.

وما يهمنا من سرد هذه الاضطهادات هو تعقب أثرها في الديانة المسيحية، وتأثيرها في عصر تدوين ورواية الأناجيل الأربعة القانونية.فمن خلال تتبع كل هذه الأحداث العصيبة والفتن التي أصابت المسيحيين ومست جوهر عقيدتهم، يتضح جليا أنها ساهمت بشكل كبير في:

ـ تأخير زمن تدوين كتبهم المقدسة، وانقطاع سندها.

ـ تأثر الأناجيل الأربعة بالفلسفة الرومانية الوثنية والفلسفة الأفلاطونية وغيرها من التيارات الفلسفية والفكرية التي عاصرتها.

ـ اعتناق أصحاب العقائد الوثنية للديانة المسيحية وتأثيرهم المباشر في تدوين كتبها المقدسة.


الهوامش

[1] إظهار الحق، رحمة الله الهندي، تحقيق محمد ملكاوي، الطبعة الأولى 1410ه – 1989 م. الجزء الثاني، ص: 609 – 614.

[2] المرشد إلى الكتاب المقدس، نخبة من الباحثين، نشره باللغة العربية:” جمعية الكتاب المقدس مجلس كنائس الشرق الأوسط ” الطبعة الثانية 2000 م، ص: 583.

[3] الإمبراطور نيرون أو نيرو (15 ديسمبر 37 – 9 يونيو 68) كان خامس وآخر امبراطور الأمبراطورية الرومانية من السلالة اليوليوكلودية (من أوغسطس حتى نيرون) (27 ق.م. – 68 م)، وصل إلى العرش لأنه كان ابن كلوديوس بالتبنى، حيث أنه حكم الإمبراطورية (54-68). انظر ويكيبديا، تاريخ النشر 17 أكتوبر 2017).

[4] محاضرات في النصرانية، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، ص 29.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.