منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فلسفة الصلاة: المكان المقدس والزمان المقدس

فلسفة الصلاة: المكان المقدس والزمان المقدس/ ذ. فؤاد هراجة

0

فلسفة الصلاة: المكان المقدس والزمان المقدس

 ذ. فؤاد هراجة

يجد الإنسان المادي المعاصر صعوبات جمة في فهم أو تفهم تقديس وتعظيم المتدينين للشعائر التعبدية، ويحاول دون جدوى أن يجد تفسيرا ماديا لهذا السلوك، بيد أن الأمر لا يتعلق بالطقوس والحركات في حد ذاتها، بقدر ما يتعلق بتبجيل المقدس الذي يتجلى من خلالها. فالكون بالنسبة للإنسان المتدين ليس نظاما واحدا متناغما، وإنما هو فضاء منقسم يتشكل من خلال انكسارات وله حدود تنتهي عند تجلي المقدس، فها هو الخالق عز وجل يخاطب كليمه موسى عليه السلام قائلا: «اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى» فنحن إذن أمام مكان مقدس قياسا مع أمكنة أخرى غير مقدسة، وهذه الأخيرة هي بمثابة فضاءات بدون شكل ”Espace amorphe“، وبدون هوية وبدون حدود. الفضاءات غير المقدسة هي فضاءات مستباحة وعمومية، في مقابل الفضاءات المقدسة فهي مصانة ومحصنة وخاصة. وهنا نتساءل، ما هي دلالة المسجد كفضاء مقدس خاص؟

إن تخصيص فضاء ما للعبادة يعني فيما يعنيه البحث عن نقطة ثابتة، عن محور مركزي، وعن وَتَدٍ يتم فيه ربط القلب تجنبا للتيه والضلال في الفضاء الدنيوي، وهو ما عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: «…، ورجل قلبه معلق بالمساجد». فالأرض بالنسبة للكون الفسيح هي المركز ليس بالمعنى الفلكي والهندسي، وإنما بالمعنى الأنطلوجي؛ واذا كانت الارض تمثل أنطلوجيا هذه المركزية، فإن البقع المقدسة عليها ظلت ولا زالت هي مركز الارض. لهذا الاعتبار فإن الإسان المتدين يتوق دائما إلى الكينونة في مركز الكون ويتبرم دائما من هوامشه. فالبقعة المقدسة بالنسبة إليه هي بقعة طاهرة، استعادت هيأتها الأولى وانفصلت عن الدنيوي، لذا فهو بفطرته يريد العودة إلى لحظة الخلق الأولى كلما توجه إلى بيت الله، فهو يجد في المسجد صفاء المكان قبل تلوثه باللحظة الدنيوية، كما أنه بهذه العودة يود أن يعيد بناء قلبه وروحه ونفسه خارج فوضى الأمكنة غير المقدسة، فالكوسموس (النظام cosmos) لا يمكن أن يتعايش مع الكاوس (اللانظام chaos)، فلابد من وجود مكان منسجم homogène ينبثق منه الوجود الروحي، في مقابل المكان المختلط hétérogène الذي ينبثق منه الوجود المادي.

المكان المقدس ليس فضاء إنه بقعة محددة ومحدودة ومحصورة، إنه فتحة ومسلك وروزنة يتم من خلالها الانتقال والعروج إلى عالم آخر، عالم علوي. إن الصلاة في البقعة المقدسة تشبه بوصلة الملاح في البحر، فالاهتداء في أرض التيه والضلال يحتاج إلى بوصلة، والمسجد يمثل البقعة التي تسمح بانطلاق الرحلة، والصلاة تمثل لحظة التوجه نحو المطلق. إن صحراء الدنيا بقحالتها وجفافها الروحي تُدخِل المتدين في نوع من «الضمأ الوجودي»، فهذه الدنيا التي تعج بالفوضى والتكاثر والله واللعب والتي تتجه بنا دوما نحو المجهول، هذا الفضاء اللامتناهي المطل على هاويةالعدم، يدفع المتدين دفعا إلى البحث عن الثبات ونقطة ارتكاز، يبحث عن المعنى مقابل الفوضى، لذلك فهو في انتظار دائم لنداء وصوت الاذان الذي يذكره أن ”الله أكبر“، وقد آن أوان المناجاة والنجاة!

الأذان هو إيذان بانتهاء الزمن الدنيوي ودخول الزمن الأخروي المقدس، الفرق بينهما أن الزمن الدنيوي خطي لحظاته وآناته تذهب ولا تعود، أما الزمن المقدس فهو زمن دائري، هو زمن العود الأبدي، فالصلوات تدور والحجر يدور ورمضان يدور والاعياد تدور، فالزمن الديني يأخذ هذا العود الدائم، ويدعو التائب إلى دخول هذه الدائرة، ففي كل صلاة يتم بشكل دوري تكفير للذنوب والخطايا التي ارتكبت بين زمنين مقدسين، بشكل دوري يتطهر المتدين عبر الوضوء، ويرتدي ملابس طاهرة، ويتوجه إلى البقعة الطاهرة، ويصطف وسط الانفاس والانفس الطاهرة، بحثا عن تطهير روحه ونفسه وحيده وعقله، إنه يبحث في كل صلاة جديدة عن ميلاد جديد وولادة قلبية جديدة، إن لحظة الصلاة ليست مجرد قيام بحركات مسنونة، وإنما هي محاولات دائمة لاتستعادة النساء الأولى حيث بياض الفطرة وتحيينها أي التكفير عن زمن الغفلة والخطيئة والعودة ولو لبرهة تستغرقها الصلاة إلى زمن الذكر واللاخطيىة. إنها لحظة انفتاح واحتماء بالمكان والزمان المقدسين الطاهرين من وطأة الزمان والمكان المدنسين بغفلة الدنيا وزمن الفوضى وشتات النفس والعقل والقلب.

الصلاة إذن، هي تكسير للزمن الدنيوي الخطي وللمكان الدنيوي الفاقد للمعنى والشكل، من أجل الظفر بفتحة وفجوة نعرج من خلالها إلى السماء عبر التسبيح والتمجيد وترديد كلام الله سبحانه، وعبر الركوع لجلاله والسجود اقتراب من جماله، إنها لحظة الانجماع على الله، ولحظة رفع الحجاب عن عين القلب والبصيرة، كما أنها لحظة تطويع الجسد وتعطيل رغبات الجسد، لتعرج الروح نحو القدوس السلام المؤمن، وكلها شوق وتوق إلى أصلها العلوي حيث الاستواء، والنفخة الأولى «فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ».

إن، إدراك حقيقة المسجد وحقيقة الصلاة، لن يتم إلا عبر استيعاب وفهم الفرق، بين المقدس والدنيوي، بين النظام والفوظى، بين الشتات والانجماع، بين الطهارة والدناسة، بين السماء والأرض، بين الدوران حول النفس والتوجه نحو المطلق. إن عبارة «الله أكبر» تلخص هذه المعركة الخفية، وتختزل هذا الجهاد والمحاهدة المستمرين في الزمان والمكان، التي بيد المصلي أن يحسمها بعد طهارة الظاهر والباطن، وعلى بقعة المسجد وأمام الملأ، فيذبح نفسه خمس مرات في اليوم قربانا لله وتقربا إليه سبحانه. يستمر المتدين على هذا الحال حتى يدرك بقلبه أن الأرض كلها مسجد، وأنها كلها بقعة طاهرة وسط هذا الكون الفسيح، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، حينها ستنكسر صور الدنيا في قلبه ويستحي أن يعصي ربه وهو يعلم أنه في مسجد حيثما حل وارتحل.

وقصارى القول، فإن الصلاة هي أعظم هدية أهداها الله لخلقه لا يرفضها إلا جاهل فاقد الذوق وسلامة الفطرة، ولله ذر القائل: « لو يعلم الساجد ما يكون عليه من قرب إلى ربه وهو ساجد لما رفع راسه حتى تأخذه المنية» ولكنه لطف الله الذي جعل حقيقة الصلاة غيبا محجوبا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.