منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الوعي السياسي للمرأة المسلمة ودوره في إدارة الأزمات|أم المؤمنين” أم سلمة” رضي الله عنها أنموذجا

د. سمية علي العمري

0

 الوعي السياسي للمرأة المسلمة ودوره في إدارة الأزمات

أم المؤمنين” أم سلمة” رضي الله عنها أنموذجا

د. سمية علي العمري

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد،،

وضع الإسلام للناس مبادئ تمنحهم الكرامة وتكفل لهم حقوقهم، فلم تفرِّق بين أفراد الأمة رجالاً كانوا أم نساءً، بل إنها ارتقت حتى جعلت من هذه الحقوق واجبات دينية حفظت من خلالها الحياة الإنسانيَّة.

وقد تعددت الحقوق التي كفلها الإسلام للمرأة، فمن هذه الحقوق حق الحياة، وحق الحرية والتعبير عن الرأي، وحق المساواة والعدالة، وكان إعطاؤها حقوقها السياسية من بين الحقوق الكثيرة البدهية التي كرمها بها، حيث لم يكن لها مشكلة في عصر النبوة الخاتمة، ولا في عصر الخلفاء الراشدين، ولا في أيّ عصر ساد فيه حكم الله في الأرض.

ومع أن هذا المعنى استقر واستمر على مدار أربعة عشر قرنا من الزمان، إلا أننا بتنا بحاجة في هذا الوقت لنرد تلك الهجمة الشرسة من أعداء الدين التي قلبت الكثير من المفاهيم المستقرة في الأذهان، خاصة فيما يتعلق بالمرأة وحقوقها، مما استوجب علينا تسليط الضوء عليها لبيان الخلل والخطل الذي تلبسّها، خاصة فيما يتعلق بحقوقها السياسية، وهو ما جاءت فكرة هذا البحث من أجله.

     ويمكن تعريف الوعي السياسي ” بأنَّه إدراكٌ لواقع المسلمين وواقع العالم، بكلِّ ما يعنيه ذلك من معرفة طبيعة العصر ومشكلات البشر والقوى الفاعلة والمؤثِّرة- الظاهرة والخفيَّة- في مواقع القرار؛ لتكون هذه المعرفة مساعِدةً في حسن رعاية الأمَّة ومصالِحِها.

إن نماذج الوعي السياسي في تاريخ المرأة المسلمة المشرق كثيرة منها:

  • أولا: الجهاد في سبيل الله:

حيث يعد أهم عمل سياسي عسكري شاركت به المرأة المسلمة، وقد ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ذكر من جهاد نسيبة المازنية أم عمارة” رضي الله عنها، أنه قال سمعت رسول الله ﷺ، يقول يوم أحد﴿ ما التفت يمينا ولا شمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني﴾.

  • ثانيا: الهجرة:

حيث تمثل تحركا استراتيجيا، ساعد في بناء وتأسيس الخلافة الإسلامية، ومن أوضح الأمثلة على ذلك هجرة أم كلثوم بنت أبي معيط رضي الله عنها من مكة إلى المدينة بعد صلح الحديبية.

  • ثالثا:  البيعة:

تعتبر البيعة التي قامت بها النساء للرسول عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية وفي فتح مكة، دليل على احترام الإسلام لاستقلالية المرأة، فبيعة النساء هي بيعة الإسلام والطاعة لرسول االله ﷺ وهذه يستوي فيها الرجال والنساء، كما أنها تشبه عملية الانتخاب في وقتنا المعاصر، التي يبدي فيها الإنسان قبوله للشخص الذي سيتولى أمره ويقسم له بالطاعة والولاء.

  • رابعا: إعطاء الأمان:

فقد ورد في السيرة النبوية أن النبي ﷺ قال لأم هانئ ﴿قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، عندما استجار بها الحارث بن هشام، وهو ما يشبه إلى حد كبير ما يعرف اليوم باللجوء السياسي، الذي يتجلى في السماح لشخص مضطهد في بلده بالإقامة في بلد آخر على أن يحصل على الأمان.

  • خامسا: تولي المناصب:

فقد مثلت الشفاء بنت عبد الله نقلة نوعية أخرى في تاريخ مشاركة المرأة في العمل القضائي منذ عصر الإسلام الأول، فقد ولاّها عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحسبة على السوق، والحسبة كما نعلم من الولايات التي كان لها دور كبير في إدارة مهام الدولة، بل إن بعض أهل العلم قد عد الحسبة هنا نوعاً من القضاء.

أما بالنسبة لأهم التحديات التي تشكل عائقا في وعي المرأة سياسيا، فتتلخص فيما يلي:

  • أولا: التحديات الثقافية والاجتماعية:

حيث يمكن القول بأن مشاركة المرأة في الحياة السياسية رهن ظروف المجتمع الذي تعيش فيه، وتتوقف درجة هذه المشاركة على مقدار ما يتمتع به المجتمع من حريات اجتماعية وديمقراطية لممارسة دورها السياسي.

  • ثانيا: التحديات الاقتصادية:

ساهم ضعف العدالة الاقتصادية في ضعف الوعي السياسي للمرأة، فقد كان الفقر عاملا أساسيا في عدم وجود الدعم الأسري للدخول في معترك الحياة السياسيّة، الأمر الذي ساهم في الحد من تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة، وجعل الفرص السياسيّة للمرأة محدود كذلك.

   كما أن غياب الآليات والبرامج الواضحة لمشاركة المرأة السياسيّة، مما ساعد في غياب التنسيق بين التنظيمات النّسائيّة والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني بشكل عام لتحسين الوضع السياسي المتدهور للمرأة.

  • ثالثا: استناد بعض الآراء في منعهم للمرأة من خوض غمار السياسة إلى ما ورد عن النبي ﷺ بقوله ﴿ لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمراه﴾.

  إن أهم التدابير العلاجية التي يمكن اللجوء لها لحل المشكلات السابقة تكمن فيما يلي:

  • لا بد ان نذكر بداية أنه ينبغي الاهتمام بقضية تعليم المرأة وتنشئتها النشأة الإسلامية التي تقوم على معرفتها بالدور العظيم المنوط بها في استخلاف الأرض، فقضية تعليم المرأة المسلمة أمور دينها، والتعرف على تاريخها المشرق، واستجلاء الغباش الذي قد مر على قضاياها خاصة، -سواء أكان ذلك بفعل المستشرقين أم المستغربين من المسلمين- تُعد من القضايا الرئيسية، ليس في عملية التنمية السياسية فحسب، بل في مجال التنمية العامة كذلك.
  • يتعين على المؤسسات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني أن تقوم بدور فاعل في نشر الوعي بأهمية مشاركة المرأة في الحياة السياسية، ليتمَ تمكينِها في المشاركة في الحياة العامة وصناعة القرار، وخاصة في ظل تمتعها بالعديد من الإمكانيات، وقدرتها على المساهمة في وضع الخطط، والاستراتيجيات، التي توفر حلولا للمشكلات لمعظم القضايا المجتمعية.
  • أن طبيعة الحكم اليوم قد تغيرت عما كانت عليه في عصور الخلافة، حيث تختلف مسؤوليات الرئيس اليوم وصلاحياته عن مسؤوليات الخليفة في السابق، فالرئيس يرأس سلطة تنفيذية مقيدة بالقوانين والدستور خلافا للخليفة، مما يمكن معه القول بجواز تولي المرأة المناصب الهامة كالقضاء في الأموال دون غيره من الحدود والقصاص، بناء على ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه.

وبهذا الرأي أخذ كثير من المعاصرين وقالوا بجواز تولي المرأة المناصب العليا في الدولة، واستدلوا لرأيهم بأن المرأة لها أهلية كاملة وشخصية مستقلة عن الرجل وتتحمل المسؤولية الكاملة كالرجل، وإنما جاء المنع بسبب ما تتطلبه الخلافة من مشقة وجهد لا يتناسب مع طبيعة المرأة، فالخلاف بين الفقهاء كان في نقطة واحدة وهو تولي الحكم، وأما ما عداه من شؤون الدولة والحكم فلا فرق بين الرجل والمرأة، بل يمكن للمرأة أن تتولاها كما يتولاها الرجل.

وأما حديث لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة فقد ورد قصة عن ابنة كسرى، فلا يقصد من الحديث إنشاء حكم معين، وإنما كان القصد منه الإخبار عن ابنة كسرى بأنها ستهزم.

إن النماذج السياسية للمرأة الفذة في هذا المجال كثيرة، منها ما قرأناه من سيرة أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، التي هاجرت هي وزوجها إلى الحبشة فرارا بدينهما من المشركين، فكانت أول مهاجرة للحبشة، ثم إلى المدينة بعد هجرة النبي ﷺ لها.

لقد كانت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله خير أنموذج على وعي المرأة المسلمة سياسيا، عندما مر المسلمون بامتحان عصيب كاد أن يهلكهم بعدم طاعتهم لرسوله ﷺ، فقد ورد في السيرة النبوية المطهرة أن النبي ﷺ بعد صلح الحديبية قام إلى الصحابة وقال لهم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ، انْحَرُوا وَاحْلِقُوا، فَمَا قَامَ أَحَدٌ، ثُمَّ عَادَ بِمِثْلِهَا، فَمَا قَامَ رَجُلٌ، حَتَّى عَادَ بِمِثْلِهَا، فَمَا قَامَ رَجُلٌ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ، مَا شَأْنُ النَّاسِ؟» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ دَخَلَهُمْ مَا قَدْ رَأَيْتَ، فَلَا تُكَلِّمَنَّ مِنْهُمْ إِنْسَاناً، وَاعْمِدْ إِلَى هَدْيِكَ حَيْثُ كَانَ فَانْحَرْهُ وَاحْلِقْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يُكَلِّمُ أَحَداً حَتَّى أَتَى هَدْيَهُ فَنَحَرَهُ، ثُمَّ جَلَسَ، فَحَلَقَ، فَقَامَ النَّاسُ يَنْحَرُونَ وَيَحْلِقُونَ﴾.

إن هذه القصة إن دلت على شيء فإنما تدل على عدم تفريق الإسلام بين أن تأتي المشورة من رجل أو امرأة طالما أنها مشورة صائبة، فالرأي الذي أشارت به السيدة أم سلمة رضي الله عنها على النّبيّ ﷺ وسلم يوم الحديبيّة تدلّ على وفور عقلها وصواب رأيها، وفي هذا رد على من يقول إن المرأة لا تصلح للاستشارة بسبب عاطفتها الغالبة على عقلها.

   ثم إن في قبول النبي ﷺ لمشورة زوجته أم سلمة تكريم للمرأة التي يزعم أعداء الإسلام أن الإسلام لم يعطها حقها وتجاهل وجودها، وهل هناك اعتراف واحترام لرأي المرأة أكثر من أن تشير على نبي مرسل، بل ويعمل النبي ﷺ بمشورتها لحل مشكلة عويصة تخص عموم المسلمين.

وختاما إن مفهوم الوعي السياسي أكثر من مجرد ثقافة سياسية أو مشاركة أو تكوين رأي وحوار وانشغال بقضايا المجتمع، بل معناه شعور المرء بانتمائه إلى مجموعة تشاركه ذات الأهداف والهموم، ولا تنشغل خلالها بأحداث طارئة عن غايتها، حينها تمتلك هذه الفئة ما يكفي من الوعي المؤثر والقادر على الاستمرار والصمود والمناورة والقوة التفاوضية لتحقيق مصالحها.

إن الإسلام أيها السادة قد أسس ولفت الأنظار إلى دور المرأة في العمل السياسي، وأكد على مشاركتها فيه من خلال السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين، وأعطاها الحق الكامل في العمل السياسي الذي يتناسب مع طبيعتها وتكوينها الجسدي، ولم ينقص من حقها شيئا، وإن منع الممارسة من بعض الأعمال ليس بسبب نقص الأهلية كما يروج له، وإنما بسبب عدم المناسبة كما أن الرجل لا يستطيع أن يمارس بعض الأعمال التي لا تتناسب مع طبيعته الجسدية.

هذا وتوصي الباحثة بعقد دورات تأهيلية وتدريبية للنساء في كافة ميادينهن، مربيات كن، أم معلمات، أم طالبات، بحيث تتضمن الإحاطة بالمفاهيم السياسية الأساسية من منظور إسلامي، رفعا لسوية الثقافة السياسية عندهن ومساهمة في الوقاية من انحراف الفكر لديهن، كما وتوصي الباحثة كذلك بتضمين المناهج الدراسية بالكثير من المفاهيم والصور المشرقة للمسلمات الرائدات في هذا المجال بالتحديد وأثرهن في بناء وإصلاح المجتمعات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.