منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الصلاة… معراج القلب إلى الله

الصلاة... معراج القلب إلى الله/ د. وصفي عاشور أبو زيد

0

الصلاة… معراج القلب إلى الله

د. وصفي عاشور أبو زيد

الصلاة رحلة روحية يطوي الإنسان فيها فواصل البعد بينه وبين الله، ويدنو من خالقه ورازقه سبحانه وتعالى، في الصلاة يكون الإنسان في موارد القرب والحب الإلهي العظيم، ويعلن عن تصاغره وعبوديته لخالقه، وتتسع أمام الإنسان آفاق العظمة والقدرة الإلهية المطلقة، ويتجسّد للإنسان فقره وضعفه وحاجته إلى غنى بارئه ورحمته، وتزول الحجب بين العبد وربّه، فتفيض إشراقات الحب والجمال الإلهي على النفس، لتعيش أسعد لحظات الإيمان والرّضى.

وفي الصلاة عودة للوعي، ومحاولة صادقة للهجرة والخلاص من الذنوب، وسعي للعودة بطهارة النفس وسلامتها إلى لحظة ميلادها الفطري لأن في الصلاة عزيمة جادّة لهجر الذنوب والمعاصي، ومحاولة مخلصة للانفلات من قيود المادة والشهوة، فهي سعي للهجرة إلى الله، والتسامي نحو رحابه، وهي عودة إلى الله خمس مرات في اليوم والليلة للانعتاق من ربقة المادة، وقسوة الطين، وجاذبية الأرض، فيجد في الصلاة محطة لتطهير النفس والتأمل في خيرها وصلاحها، ولهذه الأهمية العظمى للصلاة أصبحت فريضة عبادية في كل رسالة إلهية بشّر بها الأنبياء لأنها الصلة بين العبد وربّه، ولأنها معراج يحاول به المسلم أن يتسامى إلى مستوى العبودية اللائقة لله تعالى.

فما أسمى وما أعظم أن يكون شعار المسلم: “قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين” (163/162- الأنعام)، وما أجمل أن يكون دعاؤه ومناجاته لربه آناء الليل وأطراف النهار: “رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء” 40 (إبراهيم).

ولن يشعر المؤمن بالمعنى الروحي للصلاة حقاً إلا إذا استشعر معاني الأقوال والأفعال، ودلالات القيام والركوع والسجود والسلام، وكل الحركات، وهذا ما أحسن الكلامَ فيه أديبُ العربية والإسلام الأستاذ مصطفى صادق الرافعي حين قال: “بالانصراف إلى الصلاة، وجمع النية عليها، يستشعر المسلم أنه قد حطم الحدود الأرضية المحيطة بنفسه من الزمان والمكان، وخرج منها إلى روحانية لا يُحَدّ فيها إلا بالله وحده.

وبالقيام في الصلاة، يحقق المسلم لذاته معنى إفراغ الفكر السامي على الجسم كله، ليمتزج بجلال الكون ووقاره، كأنه كائن منتصب مع الكائنات يسبح بحمده.

وبالتولِّي شطر القبلة في سَمتِها الذي لا يتغير على اختلاف أوضاع الأرض، يعرف المسلم حقيقة الرمز الثابت في روحانية الحياة فيحمل قلبه معنى الاطمئنان والاستقرار على جاذبية الدنيا وقلقها.

وبالركوع والسجود بين يدي الله، يشعر المسلم نفسه معنى السمو والرفعة على كل ما عدا الخالق من وجود الكون.

وبالجلسة في الصلاة وقراءة التحيات الطيبات، يكون المسلم جالسًا فوق الدنيا يحمد الله ويسلم على نبيِّه وملائكته ويشهد ويدعو.

وبالتسليم الذي يخرج به من الصلاة، يقبل المسلم على الدنيا وأهلها إقبالاً جديدًا، من جهتي: السلام، والرحمة.

هي لحظات من الحياة كل يوم في غير أشياء هذه الدنيا لجمع الشهوات وتقييدها بين وقت وآخر بسلاسلها وأغلالها من حركات الصلاة، ولتمزيق الفناء خمس مرات كل يوم عن النفس فيرى المسلم من ورائه حقيقة الخلود، فتشعر الروح أنها تنمو وتتسع.

وهي خمس صلوات، وهي كذلك خمس مرات يفرغ فيها القلب مما امتلأ به من الدنيا، فما أدق وأبدع وأصدق قوله صلى الله عليه وسلم: “جُعلت قرة عيني في الصلاة”.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.