منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حكم من ترك السنة المؤكدة في الصلاة ولم يسجد لها سجود السهو “قبل السلام”

عبد الله بنطاهر السوسي التناني

0

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه ورشده.

وبعد؛ فقد جاءني سؤال يتعلق بنازلة وقعت في إحدى المساجد؛ مضمونها: أن جماعة يصلون في مسجد فلما كانوا في السجدة الثانية من الركعة الثانية وقع خلل في مكبر الصوت، فلم يسمعوا الإمام حين رفع من السجود، فظلوا ساجدين حتى كبر الإمام للقيام من التشهد، فتبعوه من غير الإتيان بالتشهد، فأفتاهم البعض بإعادة الصلاة؛ فهل تصح صلاتهم؟ وهل عليهم سجود السهو أو يحمله عنهم الإمام؟

الجواب والله الموفق للصواب:

قبل تحرير الجواب على هذا السؤال لا بد من التفريق بين كون التارك إماما أوفذا وكونه مأموما، وبين ترك سنة مؤكدة واحدة وترك سنن متعددة، وبين الترك عمدا، وفي حكمه الترك جهلا(1) والترك سهوا، وفي حكمه الترك نسيانا وخطأ(2)، وبين من ترك السنة المؤكدة، ومن ترك سجود السهو المترتب على تركها.

● أولا: أما من ترك السنة المؤكدة من سنن الصلاة؛ فحكمه على قسمين:

المزيد من المشاركات
1 من 64

• القسم الأول:

من تركها عمدا أو جهلا؛ فإن كان مأموما صحت صلاته ولا شيء عليه اتفاقا(3)؛ قال ابن المواز: “…نسيه أو تركه عامدا، وقد أساء في تعمده”(4). وإن كان التارك فذا أو إماما ففيه قولان:

1) قيل: هي باطلة؛ قال به عليُّ بن زياد من أصحاب مالك، وضعفه ابن عبد البر فقال: “وهذا عند العلماء قول ضعيف وليس لقائله سلف، ولا له حظ من النظر ولو كان هذا، لم يُعْرَف الفرض من السنة”(5)، ولا كان بينهما فرق(6).

2) قيل بصحة صلاته، وهو الأرجح لاتفاق الإمامين: مالك وابن القاسم عليه(7)، ولا سجود عليه لعدم السهو، وإنما يستغفر الله لكونه أساء في تعمده(8)؛ فقد سئل ابن القاسم عمن ترك السورة عامدا فأجاب: “لم نكشف مالكا عن هذا ولم نجترئ عليه بهذا…؛ ولا أرى عليه إعادة ويستغفر الله ولا سجود سهو عليه؛ لأنه لم يَسْهُ”(9).

• القسم الثاني:

من تركها سهوا أو نسيانا أو خطأ؛ فإن كان فذا أو إماما سجد قبل السلام، وإن كان مأموما حملها عنه إمامه؛ كانت سنة واحدة أو سننا كثيرة(10)؛

قال مالك الأكبر في مدونته: “وإن كان مع الإمام فإن الإمام يحمل ذلك عنه”، ثم نقل سحنون فيها عن غيره: “ليس على صاحب الإمام سهو فيما نسي معه من تشهد أو غيره”(11). وقال مالك الأصغر (ابن أبي زيد) في رسالته: “وكل سهو سهاه المأموم فالإمام يحمله عنه؛ إلا ركعة أو سجدة أو تكبيرة الإحرام أو السلام”(12). وقال الشيخ خليل في مختصره: “ولا سهو على مؤتم حالة الْقَدْوَةِ”(13). وقال ابن عاشر في منظومته: “عن مقتد يحمل هذين الإمام”(14). وبهذا قال بقية المذاهب الأربعة(15).

مقالات أخرى للكاتب
1 من 11

● ثانيا: أما من ترك السجود القبلي؛ فإن ترتب عن ترك سنة واحدة صحت صلاته اتفاقا مطلقا؛ كان الترك عمدا أو جهلا أو سهوا أو نسيانا أو خطأ، كان التارك إماما أو فذا أو مأموما، وأساء في العمد وليستغفر الله. وإن ترتب عن ترك ثلاث سنن فأكثر، مثل: ترك التشهد(16) وترك السورة(17)؛ فحكمه على قسمين:

• القسم الأول:

من تركها سهوا أو نسيانا أو خطأ؛ فإن كان مأموما -كما في مسألتنا- صحت صلاته؛ لأن الإمام يحمله عنه، وإن كان فذا أو إماما وطال الزمن ففيه قولان:

أ) قيل: بطلت صلاته وهو المشهور(18)، وعليه درج الشيخ خليل وابن عاشر إذ عدَّاه من مبطلات الصلاة(19)، وإن لم يطل الزمن بأن استدركه بعد السلام مباشرة صحت صلاته؛ لأن سجود السهو يصح إن قدم أو أخر؛ فعل ذلك عمدا أو سهوا؛ إلا أن تَعَمُّدَ تقديم البعدي حرام، وَتَعَمُّدَ تأخير القبلي مكروه(20).

ب) قيل: صحيحة؛ لأن الصلاة لا يبطلها إلا ترك الشرط أو الواجب؛ ولهذا قال الدسوقي: “والأحسن أن يقال: إنما حكموا ببطلان الصلاة بترك السجود القبلي مراعاة للقول بوجوبه فتأمل”(12).

• القسم الثاني:

من تركها عمدا أو جهلا؛ فإن كان إماما أو فذا بطلت صلاته لمجرد الترك وإن لم يطل الزمن(22)، وإن كان مأموما وقد ترتب السجود القبلي على إمامه ولم يتبعه فيه عمدا بطلت صلاته لمخالفته الإمام.
أما إن ترك المأموم التشهد وقد أتى به الإمام صحت صلاته؛ لأن الإمام يحمل عنه السنن تركها سهوا أو عمدا وأساء في العمد وليستغفر الله؛ فإن سجد قبل السلام في هذه الحالة بطلت صلاته لتعمده زيادة السجود.

● الخلاصة:

الإمام يحمل عن المأموم السنن إذا تركها مطلقا؛ عمدا أو سهوا، ولا يحمل عنه من الفرائض إلا الفاتحة دون بقية الفرائض؛ من النية، وتكبيرة الإحرام، والقيام لها، والسلام، والجلوس له، والركوع، والسجود، والاعتدال، والإطمئنان؛ وفي هذا صاغ ابن رشد قاعدتين(23):

      • الأولى:

(كل ما يحمله الإمام عمن خلفه فسهوه عنه سهو لهم وإن هم فعلوه)؛ المثال: إذا سها الإمام عن التشهد أو السورة سرا سجد المأموم معه القبلي ولو قرأها، وإذا سها المأموم عنها لا يسجد لها.

      • الثانية:

(كل ما لا يحمله الإمام عمن خلفه فلا يكون سهوه عنه سهوا لهم إذا هم فعلوه)؛ المثال: إذا سها أحدهما عن فريضة فلا يحملها عنه الآخر إلا الفاتحة فيحملها الإمام عن المأموم.

وبناء عليه؛ فإذا ترك المأموم التشهد صحت صلاته ولا يسجد للسهو اتفاقا(24)؛ قال الحطاب: “وإن نسي المأموم التشهد الأول حتى قام الإمام فليقم ولا يتشهد”(25)؛ لأن الإمام يحمل عنه السنن ولو كانت كثيرة(26)؛ إلا أنه إذ تركها عمدا أو جهلا أساء وفعل حراما لمخالفته الإمام، وصحت صلاته؛ للقاعدة: “وعصى وصحت”(27).

وهذا بإجماع العلماء؛ ولم يخالف في ذلك حسب ما وقفت عليه إلا خمسة من الأئمة فقالوا: عليه سجود السهو؛ وهم: مَكْحُول بن عبد الله الهُذَلي التابعي، وحماد بن أبي سليمان الكوفي التابعي، والليث بن سعد المصري، والهادي يحيى بن الحسين من المذهب الزيدي، وإليه مال محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني(28).

ولعل من أفتى بإعادة الصلاة في هذه المسألة كان من أجل الاحتياط للدين، أو خروجا من الخلاف وإن كان الخلاف ضعيفا، وخصوصا أن له سلفا من قول هؤلاء الأئمة الخمسة؛ بيد أن ذلك مخالف للمذهب المالكي؛ بل للمذاهب الأربعة؛ بل لإجماع العلماء باستثناء هؤلاء الخمسة. والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب.


● الهامش:
(1) قال ابن رشد الجد: “الجاهل لا يعذر بجهله في الصلاة، فهو كالمتعمد العالم، وهو أصل من الأصول في المذهب”. البيان والتحصيل: (2/75).
(2) السهو هو: غفلة القلب عن الشيء بحيث يتنبه بأدنى تنبيه، والنسيان هو: غيبة الشيء عن القلب بحيث يحتاج إلى تحصيل جديد ولا يفيده التنبيه. والخطأ هو: ما ليس للإنسان فيه قصد، أو فعل شيء غير صواب مع اعتقاد صوابه. انظر: الكليات للكفوي: (ص:506 و576)، والتعريفات للجرجاني: (ص: 134).
(3) شرح الزرقاني على مختصر خليل: (1/451)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (1/292).
(4) النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات لابن أبي زيد القيرواني: (1/344).
(5) الاستذكار لابن عبد البر: (1/200)، وتفسير القرطبي: (6/90 و91).
(6) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (1/ 293).
(7) حاشية البناني على شرح الزرقاني: (1/451 و452)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (1/293).
(8) الشرح الكبير للشيخ الدردير: (1/293).
(9) مدونة سحنون: (1/163 و164).
(10) شرح الزرقاني على مختصر خليل: (1/448)، وشرح مختصر خليل للخرشي مع حاشية العدوي: (1/332).
(11) المدونة لسخنون: (1/219).
(12) كفاية الطالب الرباني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني: (1/ 310).
(13) الْقَدْوَة بفتح القاف بمعنى: الاقتداء، وأما الشخص المقتدى به فهو مثلث القاف. من الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي: (1/291).
(14) الدر الثمين شرح منظومة المرشد المعين لميارة: (ص: 340).
(15) انظر: الأصل المبسوط للشيباني الحنفي: (1/388)، ومنهاج الطالبين للنووي: الشافعي: (ص: 34)، والمغني لابن قدامة الحنبلي: (2/32).
(16) التشهد مركب من ثلاث سنن: التشهد سنة وهو أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، والجلوس له سنة، وكونه باللفظ المخصوص سنة وهو: «التحيات لله…» إلى آخر اللفظ الذي كان علمه سيدنا عمر -رضي الله عنه- للناس على المنبر كما في الموطأ: كتاب الصلاة: باب التشهد في الصلاة: (رقم 300). انظر: حاشية العدوي على شرح الخرشي: (1/333).
(17) السورة مركبة من ثلاث سنن: قراءتها سنة، وصفة قراءتها من سر أو جهر سنة، والقيام لها سنة. الدر الثمين شرح المرشد المعين لميارة: (ص: 340).
(18) التاج والإكليل لمختصر خليل لأبي عبد الله المواق: (2/330).
(19) الشرح الكبير للشيخ الدردير: (1/291)، والدر الثمين شرح المرشد المعين لميارة: (ص: 345).
(20) الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي: (1/278).
(21) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (1/ 293).
(22) الشرح الكبير للشيخ الدردير: (1/291).
(23) المقدمات الممهدات لابن رشد: (1/198)، والبيان والتحصيل له أيضا: (1/234)، وشرح المختصر للزرقاني: (1/447)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (1/304)، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير: (1/387).
(24) شرح الزرقاني على مختصر خليل: (1/451)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (1/292).
(25) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل للحطاب: (2/24).
(26) شرح الزرقاني على مختصر خليل: (1/448)، وشرح مختصر خليل للخرشي مع حاشية العدوي: (1/332).
(27) قاعدة فقهية من نص مختصر خليل يقصد بها كل من صلى وهو متلبس بحرام؛ كلباس الحرير والذهب والثوب المسروق أو وهو ينظر إلى عورة محرمة. انظر: منح الجليل شرح المختصر لعليش: (1/228).
(28) الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف لابن المنذر: (3/321)، والإقناع في مسائل الإجماع لابن القطان: (1/154)، وسبل السلام للأمير الصنعاني: (1/310).

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.