منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحلقة(4): “وعظ وحكم !”

سلسلة التدين المريح-مصطفى شقرون

0

بسم الله الرحمن الرحيم

العلماء ورثة الأنبياء..

والعلماء المعنيون بهذا الحديث ليسوا بالضرورة خريجي كليات الشريعة وليسوا بالضرورة علماء الحديث والفقه وحفاظ القرآن الكريم والمفتين وأئمة المساجد وكتاب المسانيد.. فالعلم ثلاثة علوم: علم بالله لا تنفع فيه إجازات ولا دكتورات.. ثم علم بشرع الله ثم باقي العلوم الكونية..

وما كل الدعاة ورثة الأنبياء وراثة كاملة وإن قاموا بجزء من وظيفة الأنبياء.. التي تظهر معالمها في هذه الآية:

[هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ] (الجمعة:2)

فالأنبياء يربون جماعة المؤمنين -حواريين أو صحابة- ويوصلون الوحي ويشرحونه ويعلمون الحكمة.. وينظمون الصف ويقيمون الدول ويحكمون بما أنزل الله..

لكن هناك من الدعاة من يقتصرون على الوعظ “المريح” ولا يشاركون -كما شارك كل رسل الله- في تنزيل الوحي كيانا متماسكا منظما ثم دولة.. ثم دولا.. فأمة

تابع كثير من الناس مسلسلا إيرانيا عن نبي الله يوسف عليه السلام.. وأعجبوا بالقصة.. وتاه أكثر الناس مع تفاصيل الفتن والعقبات التي تعرض لها نبي الله.. -كما كل الأنبياء-.. وقلما ينتبه المتفرج إلى مشاركة سيدنا يوسف في الشأن العام.. السياسة.. وطلبه لأكثر المناصب ضمانا للعدل في بلده آنذاك.. العدل الاقتصادي.. عدل القسمة الذي يفتقر إليه كوكبنا وتفتقر إليه دولنا..

انتبه الجميع للعقبات وهي وسائل.. وسائل عروج عبر مدارج الإسلام والإيمان والإحسان.. وقل من انتبه للغايات من وراءها: غايتي الإحسان والاستخلاف..

إحسان من أجل استحقاق الاستخلاف في الأرض.. واستخلاف من أجل إقامة العدل في الأرض لتثبيت الإحسان.. بضمان الشروط المادية لعبادة الله كأننا نراه..

لكن سيدنا يوسف لم يقبل عرض الملك بمنصب الاستشارة ولم يحدد الوزارة التي يريد العمل بها إلا عندما تبينت له إرادة التغيير والإصلاح عند الملك.. ملك عادل يسمع ويستشير.. ويتبع أحسن القول..

(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ.. قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ.. وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.. وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُون) (يوسف:54-57).

سنحت الفرصة التاريخية أمام الدعوة فاستغلها رسول الله لإقامة العدل في الأرض.. وهو شطر دعوته.. فأمر الله ثنائي: عدل وإحسان..

ولم يكتف رسولنا -عليه السلام- بثقة الملك، بل أكد له أنه كفؤ لذلك وأن المسؤولية ستسند إلى أهلها..

فلينظر دعاتنا هل يحضر في دعوتهم هم العمل على إقامة العدل في الأرض -ومشاركتهم الشخصية الفعلية فيه- بالتدريج تربية وتنظيما ثم تنزيلا.. أم هل يكتفون بالوعظ النظري الآمن.. الضروري حتما.. لكن.. غير الكافي..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.