منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحفاظ على البيئة: مقاربة تأصيلية من القرآن والسنة

د. عبد الله الجباري

0

تنزيل كتاب: “التربية البيئية وسؤالا التنمية والأخلاق

تعد قضايا البيئة وما يتعلق بها أهم مشكلة في العصر الحديث، بفعل ما عرفه المجتمع من تطور اقتصادي مهول، ونظرا لحساسيتها وخطورتها، أنشئت لحمايتها والاهتمام بقضاياها المؤسسات والهيآت، على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي، ونظمت في شأنها الملتقيات والفعاليات، وكان بعضها على أعلى مستوى، حيث كان برعاية منظمة الأمم المتحدة، ونظرا لهذه الأهمية والخطورة، فإن قضايا البيئة لم تبق محصورة في إطار التنظير والبحث العلمي، ولا حبيسة رفوف المكتبات، بل وجدت طريقها إلى التطبيق والأجرأة، نلمس ذلك من خلال:

** حضور قضايا البيئة على المستوى الدستوري، مثل التنصيص على قضايا البيئة في الدستور المغربي الذي ينص في الفصل 19 على ضرورة تمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق البيئية، كما ألزم الفصل 88 منه الحكومةَ بتضمين برنامجها الحكومي الذي تعرضه أمام البرلمان على الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي القيام به في عدد من الميادين، ونص من بينها على الميدان البيئي.

** إنشاء مؤسسات دستورية ذات علاقة بقضايا البيئة، أهمها وزارات البيئة الموجودة في عدد من حكومات العالم.

** تأسيس أحزاب سياسية تعنى بقضايا البيئة، وهي المشهورة بأحزاب الخضر.

المزيد من المشاركات
1 من 20

** حضور قضايا البيئة على مستوى التشريع والتقنين، من خلال قوانين ومراسيم خاصة بالماء والغابات والمحميات وحظر استعمال مجموعة من المبيدات.

** تحفيز الفاعلين في المجال البيئي وتشجيع الباحثين عبر تأسيس عدة جوائز ذات علاقة بالمجال، مثل جائزة الحسن الثاني للبيئة، وجائزة السلطان قابوس للبيئة، وجائزة زايد للبيئة، وجائزة مجلس التعاون للبيئة والحياة الفطرية …

كل هذا وغيره، يعكس بجلاء مدى إحساس المجتمع الدولي بالتحول العميق والانحراف الخطير الذي أوقع فيه الإنسان بيئته ومجاله، ومع ذلك، ما زال كثير من الناس لا يولون قضايا البيئة كبير اهتمام ورعاية، ويتعاملون معها بنوع من اللامبالاة، وكأن الأمر لا يعنيهم، وأنه محدث طارئ لا علاقة له بالدين والمعتقد، فهل الاهتمام بالبيئة جزء من الترف الفكري الذي يمكن الاستغناء عنه؟ أم أن الاهتمام بها ورعايتها والحفاظ عليها هو جزء أساس من عقيدة المسلم وثقافته؟

لمقاربة هذه الإشكالية، نحاول أن نبين أن نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المنيفة يمكن أن تؤطر المسألة البيئية، إذا استحضرنا المعطيات المنهجية الآتية:

** نصوص القرآن والسنة حمالة أوجه، لذا يمكن فهم النص على وجه لم يتناوله المتقدمون؛

** النصوص العامة لا يمكن حصرها على ما استنبطه الأقدمون، لأن العموم شامل لكل أفراده، ومنها ما لم يظهر في عهودهم؛

** القرآن لا تنقضي عجائبه، فالنص الواحد يصلح لتأطير قضايا سابقة، وقضايا لاحقة، لذا كان من التعسف حصر المعنى الرباني على فهم بشري أحادي سابق.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

بناء على هذه الإشارات المنهجية، يمكن فهم بعض النصوص القرآنية والحديثية بما يؤطر قضايا البيئة، من خلال العتبات الآتية:

أولا: البيئة والعقيدة :

بالتأمل في آيات القرآن، نلمس الحضور القوي للبيئة ومكوناتها في البرهان العقدي، حيث نجد الماء والسماء والأرض والجبال والأنهار والكواكب وغير ذلك مبثوثة في ثنايا الآيات التي يحاجج بها الله الكافرين، قال تعالى في سورة الأنبياء: “أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) … وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، بل عباد مكرمون (26)”، في هذا السياق العقدي المحض، أورد الله تعالى مكونات البيئة السليمة السوية الخاضعة للنظام الأصلي المتوازن غير المختل، واتخذها أصل المحاورة مع الكافر الذي قد يتعرف على الله تعالى من خلالها، فقال جل شأنه: “أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما، وجعلنا من الماء كل شيء حي، أفلا يومنون (30) وجعلنا في الارض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31) وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32) وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33)” وبعد ذلك التفت سبحانه إلى المواضيع العقدية المحضة، فقال عز وجل: “وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد، أفإن مت فهم الخالدون (34)”، وهذا النموذج ليس فريدا في القرآن الكريم، بل تكرر في أكثر من موضع، مما لا يدل على أهمية البيئة لذاتها، بل يدل على أهمية سلامتها والحفاظ على توازنها، أما إذا كانت عناصر البيئة مختلة غير متوازنة فإنها لا تصلح للاستدلال والبرهان، لذا وجب الحفاظ عليها في الحالة السواء، بعدم التدخل المفسد في مكوناتها من قبل الإنسان.

ثانيا: البيئة والحياة:

لا يمكن للإنسان أن يحيى بدون ماء، به يروي عطشه، ويسقي زرعه، وينظف بدنه، …، وهو أصل الكائنات، “والله خلق كل دابة من ماء”، ولذلك قرن الله تعالى بين الماء والحياة في أكثر من موضع، قال جل شأنه: “وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الارض بعد موتها”[1]، وهو سبب استمرار الحيوات كلها، “وجعلنا من الماء كل شيء حي”.

والماء ليس أصل الحياة العادية فحسب، بل هو منبع الحياة التي أُفرِغت في قالب الجمال، وألبست حلل الكمال، المعبر عنها في القرآن بالاخضرار والبهجة واختلاف الألوان، قال تعالى: “ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الارض مخضرة[2]، وقال سبحانه: “وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة[3]، وقال أيضا: “ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا الوانها[4].

وإذا كان الماء بهذه القيمة وبهذا الجمال، فإنه مصدر السعادة بلا ريب، لذا يُحرم منه ذوو التعاسة من أصحاب الجحيم، قال تعالى: “ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن افيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين”[5].

فبأيماء نضمن الحياة السليمة السوية؟ وبأي ماء ننبت الأزهار والنباتات ذات البهجة؟

غني عن البيان أنه لا يمكن تحقيق ذلك بأي ماء، بل لا بد من ماء طيب عذب صاف خالص زلال، أما الماء الذي تعرض للتلوث والإفساد بوسائل متعددة، مثل المخلفات الصناعية، والمواد المشعة، والمخصبات الزراعية، ومياه المجاري، والمبيدات …، فإنه لا يمكن أن نضمن به الحياة السليمة، بقدر ما سنضمن به حياة شقاء محفوفة بالأمراض الخطيرة الفتاكة، سواء استعملناه للشرب أو سقي الزروع أو الاستحمام، مثل الكوليرا والملاريا والتيفويد وأمراض الكبد وحالات التسمم وغير ذلك من الأمراض والأوبئة، كما يؤثر على الكائنات الحية، مثل حالات نفوق الأسماك المتكررة في كثير من مناطق العالم[6].

وللحفاظ على سلامة المياه، نهى الإسلام عن كل ما يضر بها ولو كان عملا فرديا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “اتقوا الملاعن الثلاث: البَراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل”، والبَراز كناية عن الغائط، والمراد بالموارد طرق الماء[7]، أوضفة الأنهار ومشارع المياه[8]، والشاهد من الحديث أن من يلوث الماء بالغائط فإنه ممن يستحق اللعن، وهذا الأسلوب أبلغ في النهي، وأظهر في التحذير، وورد في منشور لمنظمة الصحة العالمية ما يؤكد جسامة هذا الفعل ويبين خطورته على صحة الإنسان، ونصه: “ترتبط أشد المخاطر الميكروبية بشرب مياه ملوثة ببراز بشري أو حيواني، إذ يمكن أن يكون البراز مصدرا لبكتيريا وفيروسات وأوالي وديدان مسببة للأمراض”[9].

ثالثا: البيئة وثنائية المصلحة والمفسدة:

مما تقرر عند العلماء وحصل عليه الإجماع بدون مخالف، أن جلب المصلحة ودرء المفسدة من أهم مقاصد الدين، وتحدث العلماء عن المصلحة والمفسدة بصفة عامة، ولم يتحدثوا عن المصلحة أو المفسدة في جانب دون جانب، أو مجال دون مجال، وبناء عليه، فإن كل ما ثبت فساده أو الإفساد به فهو منهي عنه شرعا، وما ثبت صلاحه أو الإصلاح به فهو مأمور به، أو على الأقل مأذون به، قال الإمام أحمد بن الصديق الغماري: “تنبني أحكام الشريعة كلها على مراعاة المصالح، وتدور معها كيفما دارت، كما يعرف ذلك من تتبعه وأمعن النظر فيه”[10].

وإذا تقرر عموم المصلحة والمفسدة، فإن قضايا البيئة تدخل في هذه الثنائية دخولا أوليا، لأن الإفساد فيها لا يعود سلبا على المفسد وحده، بل يعود سلبا وضررا على المجتمع والأمة بأسرها، كما أن الصلاح والإصلاح فيها يعود بالنفع على الأمة جمعاء، لذلك أورد الإمام العز بن عبد السلام غرس الأشجار ضمن المصالح الدنيوية المتوقعة الحصول[11].

ولم ينه الإسلام عن التصرفات المُفسدة للبيئة فحسب، بل توعد مرتكبيها بأنواع من العذاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قطع سدرة صوّب الله رأسه في النار”[12]، واختلف العلماء في معنى الحديث، هل هو خاص بشجرة السدرة أم في عموم الأشجار؟، ورجح غير واحد من العلماءالعموم، منهم الأمير الصنعاني (ت:1182هـ) الذي علّق على الحديث بقوله: “ذكر السدر مثلا، وإلا فغيرها من الأشجار مثلها”[13]، وقبله قال ابن المُلك الكرماني (ت:854هـ) تعليقا على الاختلاف في فهم الحديث: “وهذا غير مختص بالسدر، بل عام في شجر يستظل الناس والبهائم بالجلوس تحته”[14].

وغير خاف على ذي لب دور الأشجار والغابات في إحداث وتثبيت التوازن البيئي وفي درء مخاطر الغازات، وأن الإسراف في قطعها واقتلاعها يهدد البيئة ويسهم في إفسادها، وقد أثبتت التجارب “أن إزالة الغابات في بعض الأماكن كما في البرازيل وبعض مناطق إفريقيا تساعد بشكل ظاهر على زيادة ثاني أكسيد الكربون في الهواء”[15]، وهو ما يسهم في ظاهرة الاحتباس الحراري وغيره من تجليات الفساد البيئي، ونظرا لأهمية الغابات، ركز البنك الدولي في مسارات التنمية النظيفة على خمسة مجالات أساسية، منها “تشجيع الزراعة المُراعية للتغيرات المناخية والتوسع في أراضي الغابات”[16].

والإفساد البيئي لا يقوم به بسطاء المجتمع وعوامه كما قد يتوهم، بل يقترفه الوجهاء وذوو الصدارة ممن ينخدع بهم الناس، وهم ممن “يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام” على مستوى التنظير والكلام، “وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد”[17]،وهذا النص لا يتحدث عن الفساد البسيط والفردي، بقدر ما يتحدث عن الفساد المنظم والمهيكل، ودليلنا على ذلك أمران:

أولهما: التعبير بـ”سعى” التي تدل على كثرة الفساد[18]؛

ثانيهما: الإفساد البسيط قد يكون له أثر آني، أما الإفساد المنظم فهو الذي يؤثر في الحال والاستقبال، بدليل تأثيره في السلالة/النسل الحيواني أو البشري.

وهذا الإفساد لا تقوَ على القيام به إلا الدول أو الشركات الكبرى، ويمكن أن نستدل على ذلك ببعض الممارسات اللاأخلاقية في الحروب المعاصرة، مثل استعمال بعض الأسلحة المحظورة دوليا، التي تترك آثارا في جسم الإنسان وفي التربة مدة من الزمن، وقد أثبتت الدراسات والأبحاث أن اليورانيوم يوجد بنسبة أكبر في جسمالإنسان الذي عانى من حرب أفغانستان، وهي نسبة “تمثل مخاطر كبيرة تسبب السرطان”، وليس هذا فحسب، بل أدى إلى تلويث “المورثات الجينية التي ستؤثر على أجيال كثيرة قادمة”[19]، وهذا من الإفساد المؤدي إلى إهلاك النسل.أما إهلاك الحرث فقد لاحظ الدكتور آصفدراكوفيتشفي زيارته الميدانية لأفغانستان أن قرى بكاملها أصبحت أراض لا تصلح على الإطلاق.

رابعا:البيئة والحياة الطيبة:

ليس المراد من الإنسان أن يحيى حياة كيفما كانت ولو في درجاتها الدنيا، ولذلك أورد الله تعالى هذا المعنى في سياق ذم ونقص، “ولتجدنهم أحرص الناس على حياة”[20]، حيث نكّر “حياة” للدلالة على أن المعنِيّين يريدون الحياة كيفما كانت وكفى[21]، بل أشار الإسلام إلى أهمية أن يحيى الإنسان حياة سعيدة هنية، وأرشد إلى السبل الموصلة لتحقيق ذلك، “من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مومن فلنحيينه حياة طيبة”، ورتب الحياة الطيبة على العمل الصالح.

والحياة الطيبة هي التي ينال “صاحبها في الدنيا طيب عيش من غير كدر مؤثر في طيب عيشه”[22]، ولا تتحقق إلا بتوافر الفرد/المجتمع على مقومات أساس، منها الصحة والثروة والجمال، وغني عن البيان أن هذه المقومات لا تتحقق إلا بالأفعال الإرادية الصادرة من الإنسان.

وبما أن السنن الكونية جرت بترتيب الحياة الطيبة على العمل الصالح، فإنه مما لا ريب فيه أن الشرور والأعمال القبيحة تكون سببا في تحقيق حياة الشقاء والتعاسة والضنك.

وبما أن تلويث البيئة والإفساد فيها يعد من النوع الثاني، فإنه يعوق تحقيق الحياة الطيبة حتما، حيث يعيش الإنسان في قلق وهوس لم يسبق لهما مثيل، ويمكن أن نستدل لذلك بمجموعة من الظواهر الطبيعية التي يحياها المجتمع الإنساني المعاصر، إلا أنني سأكتفي بمثال واحد في هذا المقام، وهو ما يسمى علميا بالأمطار الحمضية، وهي أمطار خطيرة جدا، ولها آثار مدمرة في مختلف عناصر البيئة الطبيعية المتوازنة، لدرجة أن عالم التربة السويدي سفانت أودين SvanteOden أطلق عليها اسما له مسحة درامية، وهو “حرب الإنسان الكيميائة ضد الطبيعة”[23]، وورد في موقع الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئةAUSDE أن “الارتفاع في درجة الحموضة يؤثر سلبا على التركيب الكيميائي للتربة، وعلى المياه العذبة في البحيرات”[24]، لذلك، فإن هذه الأمطار تؤثر سلبا على المحاصيل الزراعية والغابات والحيوانات والطيور والأسماك، ومن أمثلة ذلك نهر توفدالTovdal بالنرويج الذي تتساقط عليه الأمطار الحمضية بشكل دوري، فقد كان هذا النهر مأوى سمك السلمون الذي يهاجر إليه في وقت معين في السنة، لكنه أصبح اليوم نهرا مهجورا لا توجد فيه أي حياة[25]. والإنسان ليس بمنأى عن تأثيرات هذه الأمطار، ويكفي أن حوالي تسعة آلاف شخص من مواطني مدينة الأهواز الإيرانية تعرضوا للاختناق ومشاكل في الجهاز التنفسي بسبب هذه الأمطار، وبعد هذا الحادث بسنة واحدة، نُقل حوالي ألف شخص للإسعاف في المستشفيات والمراكز الصحية للسبب ذاته[26]

ولعل هذه التجليات ميسم واضح لحياة الضنك والشقاء الناتجة عن العمل غير الصالح الذي يَجِدُّ فيه الإنسان، وليست أمارة من أمارات الحياة الطيبة المرتبطة بالعمل الصالح.

وإذا كانت هذه الأمطار تؤثر على التربة وتلوثها، فإن المحاصيل الزراعية التي سنجنيها منها لن تكون إلا سببا في تعميق الشقاء والنّكادة للإنسان المستهلك، لأنها ستكون سببا في مجموعة من الأمراض والعلل الصحية، بخلاف المحاصيل الزراعية المستخرجة من الأرض غير الملوثة، وهذا مصداق قول الله تعالى: “والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكدا”[27].

خامسا: البيئة وحفظ النفس:

جعل الإسلام حفظ النفس من آكد الضروريات، ونهى عن قتل النفس المعصومة بصيغ متعددة، في سياقات مختلفة، فنهى عن قتل الإنسان نفسه، “ولا تقتلوا أنفسكم”[28]، ونهى عن قتل الغير، “ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق”[29]، ونهى عن قتل الأبناء، “ولا يقتلن أولادهن”[30]، “ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق”[31]، إلخ هذه الصيغ، وما هذا التنوع والتكرار إلا إظهارا لمكانة النفس الإنسانية وإبرازا لأهميتها وخطورة الاعتداء عليها.

نص الإمام الشاطبي على أن حفظ النفس معناه “صيانتها من التلف أفرادا وجماعات”[32]، وأي تلف يصيب الإنسانية جمعاء أكثر وأخطر من التلوث البيئي بكل تجلياته وتمظهراته؟ خصوصا أن بعض حالات التلوث تؤدي إلى التسمم والقتل، مثل:

** تحتوي أجسام الأسماك في بعض الأنهار والبحيرات على نسبة عالية من الزئبق، بفعل مخلفات بعض المصانع الكيميائية المقامة على الأنهار، وإذا ما تناولها الإنسان، فإنه يتعرض للتسمم بالزئبق الذي يسبب في حدوث عدة أعراض، منها الصداع والدوار، وقد يؤدي إلى اضطرابات شديدة في الجهاز الهضمي، ثم ينتهي الأمر بحدوث الوفاة[33].

** يعد غاز أول أكسيد الكربون من الغازات المسهمة في تلوث الهواء، وهو ناتج عن الأكسدة غير الكاملة للوقود، خصوصا في محركات السيارات، ويتصف بالسُّمية الشديدة، و”يُكون مع الدم مركبا صلبا يقلل من كفاءة الدم في نقل الأكسجين، وعندما تزيد كميته قليلا فقد يتسبب في انسداد الأوعية الدموية، محدثا الوفاة”[34].

** أوردت منظمة الصحة العالمية في بيان صادر عنها سنة 2014، أن التعرض لتلوث الهواء قد تسبب في وفاة ما يناهز سبعة ملايين شخص سنة 2012[35]،وإذا كان هذا العدد خاصا بالوفيات المترتبة عن تلوث الهواء فحسب، فإن التلوث بمعناه الشامل يتسبب في وفاة حوالي تسعة ملايين شخص سنويا حسبما ورد في التقرير السنوي للبنك الدولي (2015)[36].

من هنا نرى ضرورة حماية الإنسان وحفظ الأنفس من هذه الأخطار المحدقة بها، وذلك بسنّ قوانين صارمة في حق كل من يسهم في تلويث البيئة بالمواد السُّمية الخطيرة التي قد تؤدي إلى الوفاة، قياسا على ما في الفقه الإسلامي من أحكام واجتهادات خاصة بالمسبب في القتل أو المعين عليه، لأن “الإعانة على المعصية معصية ولو بشطر كلمة”[37] كما قال حجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى، وقد نص الأستاذ علال الفاسي الذي عاصر بدايات الهجوم على البيئة ومكوناتها على ضرورة “أن تقاوم [الدولة] كل الأوبئة الاجتماعية التي تفتك بحياة الإنسان وبصحته وبسلالته وفساد نسله”[38]، ولعل إصدار مثل هذه القوانين والصرامة في تنزيلها وتطببيقها يندرج ضمن هذه المقاومة التي دعا إليها العلامة الفاسي، ويمكن أن تكون تلك القوانين مؤطَّرة بفصول من الدساتير الموجودة في العالم، مثل الفصل 22 من الدستور المغربي الذي يقول: “لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص في أي ظرف ومن قبل أي جهة كانت خاصة أو عامة”، ومعلوم أن ما تتعرض له البيئة يدخل ضمن “المس بالسلامة الجسدية” للمواطن، ويمكن أن نورد مثالا عن الأحكام القضائية التي اجتهد فيها القضاء نصرة للبيئة وحفاظا على النفس الإنسانية من القتل البطيء، حيث قضت محكمة هولندية يوم 24 يونيو 2015 بإلزام الحكومة الهولندية خفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري بنسبة 25%.

سادسا: البيئة وتفريج الكربات:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفّس الله عليه كربة من كرب يوم القيامة”، وغير خفي على كل ذي لب، أن العالم أجمع يتكبد شظف كربة التلوث، بأمراضها الفتاكة، وأوبئتها القاتلة، وتقلباتها المناخية التي تغير بنية العالم تغييرا جذريا، وتنفق الدول لمواجهة آثارها ملايير الدولارات التي كان بإمكانها أن توجهها لتعزيز بنيات التعليم والصحة والقضاء وغير ذلك من المجالات الحيوية التي يحتاجها الإنسان، ويكفي أن أورد مثالين اثنين:

المثال الأول: يعيش سكان هولندا تحت كربة عظيمة الوقع، وهي تهدد هذه الدولة بالزوال والانمحاء من العالم، بسبب ذوبان الجليد بفعل التغيرات المناخية الناتجة عن التلوث البيئي، (26% من هولندا يقع تحت سطح البحر، و29% معرض لفيضان الأنهار)، وبذلك قررت هولندا منذ سنين عديدة خوض حروب ضد الماء، وذلك بتشييد المشاريع العملاقة لصد المياه خوفا من ابتلاع اليابسة (مشروع سد بحر الشمال)، وقد ارتفع منسوب الخطر في السنين الأخيرة، لدرجة أن رئيس مكتب الأرصاد الجوية الهولندية KNMI أدلى بتصريح صحفي قبيل مؤتمر باريس للمناخ بقوله: “ما لم يتم التوصل لاتفاق في باريس، فإن الأرض ستواصل عملية الدفء، وهنا سنقترب من مرحلة الخطر”، ولعل هذا التصريح يعكس بجلاء درجة الكربة الجماعية التي يعيش في ظلها هذا المجتمع.

ماذا يفيدُ العيشَ صاحبَ كربة                لهفانَ يُمسي في الهموم ويغتدي؟

المثال الثاني: أصدرت وزارة البيئة بلبنان وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي تقريرا مشتركا[39] حول آثار التلوث والإفساد البيئي على الاقتصاد اللبناني، وبيّن أن كلفته قد تصل سنة 2040 أكثر من 80 مليار دولار، إذا لم تتخذ دول العالم إجراءات عاجلة لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة، ولنا أن نتخيل أثر هذا المبلغ الضخم على ميزانية دولة صغيرة وفقيرة، لنعرف الكربات الاقتصادية والمعيشية التي سيعانيها الإنسان اللبناني والأسر اللبنانية بسبب التلوث البيئي.

بناء على هذين المثالين وغيرهما، يمكننا أن نفهم أن تفريج الكربات الواردة في النص ليست محصورة في قضاء الدين عن المدين، أو تقديم الدواء للمريض، أو غير ذلك من الأمثلة التي جرت العادة بأن نجدها في كتب فقه الحديث وشروحه، لأن كلمة “كربة” في الحديث نكرة في سياق الإثبات، وهي تفيد الإطلاق كما هو مقرر في محله من كتب الأصول، لذلك قال العلامة الأمير الصنعاني: “تفريج الكرب باب واسع، فإنه يشمل إزالة كل ما ينزل بالعبد أو تخفيفه”[40].

وإذا تقرر هذا المعنى المطلق غير المقيد لتفريج الكربات، فإن كل مشروع يندرج فيما أصبح يصطلح عليه بالطاقات البديلة، أو الطاقات الصديقة للبيئة، سواء كانت مائية أو ريحية أو شمسية، يندرج في العبارة الأخيرة للإمام الصنعاني: “إزالة كل ما ينزل بالعبد أو تخفيفه”، لأن تلك الطاقات المتجددة وإن كانت لها بعض الآثار السلبية، إلا أنها قليلة جدا، وأحيانا يصطلح عليها في الأدبيات الإيكولوجية بـ”التلوث المقبول”، ومن منافع هذه الطاقات المتجددة وفوائدها[41]:

** تخفيض انبعاثات غازات الدفيئة، ويمكن للجيل القادم من الوقود الإحيائي أن يوفر تخفيفا أعلى من غازات الدفيئة.

** لها معدل وفيات منخفض.

** استخدام الطاقة الشمسية يحد من انبعاث الملوثات (الجسيمات والغازات الضارة).

** الطاقة الشمسية الحرارية لا تولد أي نوع من المشتقات الصلبة أو السائلة أو الغازية عند إنتاج الكهرباء …

وكل هذه الفوائد إن تحققت ولو جزءا، فإن كل من فكّر في تحقيقها أو شجع عليها أو أسهم في إنجاحها أو روج لها …. له حظ في تفريج كربات الإنسانية، وهو مشمول بالوعد والجزاء الوارد في حديث “من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة”، كما أن هذا الوعد يتضمن منتحفيز وتشجيع القائمين على مثل هذه المشاريع ما لا يخفى، لذلك علق الأمير الصنعاني على مثل هذا الحديث بقوله: “فيه حث للعباد أن يهتموا بالتفريج عن إخوانهم ليفرج الله عنهم، وهذا فضل عظيم لقضاء الحاجات”[42].

سابعا: البيئة والمفاضلة في الإيمان:

من المقرر المعلوم أن المسلمين والمؤمنين ليسوا على درجة واحدة في إسلامهم وإيمانهم، فمنهم الكامل والمتوسط والضعيف، وبين كل درجة وأخرى درجات، فعلى أي أساس ينبني هذا التفاضل؟

لعل أهم مرتكز للمفاضلة بين المسلمين هو الأعمال الصالحة والأعمال الطالحة، وقد وردت في ذلك عدة نصوص عن الشارع صلى الله عليه وآله وسلم، منها “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”[43]، ومن هذا الحديث استنبط العلامة ابن رجب وجوب سلامة المسلمين من لسان الإنسان ويده[44]، وليس الاستحباب فقط،لذلك أدرج العلامة عبد الجليل القصري [كف الأذى] ضمن شعب الإيمان[45]، ومعلوم أن تخريب البيئة والإفساد فيها وتلويثها بما يعود بالإذاية والضرر على المجتمع الإنساني كله هو من أعمال اليد الطالحة التي تنقص من درجة إسلام المرء، لأنه لم يكف أذاه عن الناس/المجتمع.

وإذا تأكد أن لتلويث البيئة تبعات سلبية وأضرار خطيرة، بما فيها التسبب في القتل بواسطة الأمراض الفتاكة، فإن توصيف ذلك لا يقل عن كونه معصية، والمعاصي تنقص من إيمان المرء بلا ريب، وقديما قال علماؤنا: “الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي”، ومن غير المنطقي أن نسوي في درجة الإيمان بين من يزرع الأشجار وبين من يقطعها لغير حاجة، وقد روى الإمام أحمد ما يفيد أن زراعة الأشجار من أعمال الطاعات، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “من نصب شجرة فصبر على حفظها والقيام عليها حتى تثمر، كان له في كل شيء يصاب من ثمرها صدقة عند الله”[46].

ثامنا: البيئة والمفاضلة في العمران:

إذا استثنينا أفضلية مكة المكرمة والمدينة المشرفة، فإن البشرية تعتمد المفاضلة بين الأمصار والبلدان بناء على جودة الهواء واعتداله، أو على جمال البلدة وما بها من اخضرار وبهجة، أو على نقاء مائها ويسر الوصول إليه، أو غير ذلك من أسباب المفاضلة، وكلها راجعة إلى البيئة ومتعلقاتها، لذلك قال العز بن عبد السلام رحمه الله: “وكتفضيل بعض البلدان على بعض بما فيها من الأنهار والثمار وطيب الهواء”[47]، وهذه المعايير البيئية ذاتها اعتمدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين أُعجب بوادي العقيق، فقال لعائشة بعد رجوعه منه: “يا عائشة، جئنا من هذا العقيق، فما ألين موطئه، وأعذب ماءه”[48]، وهي نفس الاعتبارات التي اعتمدها العلامة الحسن اليوسي في المفاضلة بين بقاع الأرض، حيث اعتبر ما كانت منبتا للعشب أفضل من السبخة[49]، وما كانت مزرعة أفضل من الكنود[50]، ومنها ما تتفاوت عن غيرها بكونها منبعا للماء، ومنها ما تتفاوت بحسب المياه، إلى غير ذلك من مخلفات الفواكه والأشجار والأزهار وسائر المنافع[51].

وكما يتم تفضيل مناطق على أخرى لاعتبارات بيئية، فإنه يتم التحذير من سكن بعض المناطق بناء على ملاحظات بيئية أيضا، مثل تلوت هوائها أو مائها، وقد سنت منظمة الصحة العالمية سُنة نشر لائحة المدن الأكثر تلوثا في العالم حتى يكون الإنسان على بينة من أمره، وفي سنة 2015 صنفت وفق قياسات خاصة مستويات التلوث في 1600 مدينة من 91 دولة، وتبين من خلال ذلك التقرير أن نيودلهي وكراتشي والدوحة والقاهرة والأهواز … من أكثر المدن العالمية تلوثا، مما يعني أن ساكنتها من أكثر الناس تعرضا للأمراض المتعلقة بالجهاز التنفسي.

تاسعا: البيئة والمشكلة الحضارية:

قد نكون في أعلى درجات السذاجة إن اعتبرنا أن التخريب البيئي وقع صدفة أو من غير قصد، وأنه نتاج غير واعي لحضارة المادة المسيطرة في القرن الأخير من الزمن، لقد عملت الحضارة الغربية المعاصرة جاهدة حتى تنجح في تغيير الفطرة الإنسانية، وذلك بإقصاء الأخلاق أو استبدالها أو الاستيلاء عليها حسب عبارات المفكر طه عبد الرحمن، لكن الإضرار بالأخلاق الدينية ما لبث أن انعكست آثاره السلبية على النظام العلمي/التقني للعالم، بل صارت المنظومة الحضارية الغربية لا تقدر على منع نفسها “من الانجرار التدريجي إلى مسار تحفه الأخطار والأهوال من كل جانب، الأمر الذي دعا بعض الفلاسفة الأخلاقيين إلى التفكير في وسائل تصحيح هذا المسار الذي يفضي بالإنسانية إلى المفاسد”[52].

هذا الارتماء الواعي في السبل الموصلة للمفاسد هو الوجه الخفي للحضارة العلمانية التي عملت على الإقصاء الكلي للدين، وما يستتبع ذلك من إقصاء الأخلاق، حيث سادت فكرة التعارض بين العلم والأخلاق، وما لبثت هذه الفكرة أن استقرت حتى ترسخت فكرة أخرى مفادها أن العلم أقوى من الأخلاق، وهو ما يتجلى في الصراع من أجل البقاء عند دارون، حيث لا يفوز الأفضل [الجانب الأخلاقي]، بل يفوز الأقوى [السوبرمان][53].

تبدو فكرة إقصاء الأخلاق أكثر جلاء عند الإنجليزي ماندفيل الذي تساءل: “ما أهمية الأخلاق لتقدم المجتمع والتطور الحضاري؟ ليجيب ببساطة: “لا شيء، بل لعلها تكون ضارة”[54]، وبالتالي فإنه لا يحفز المجتمعَ على التقدم إلا الوسائلُ التي توصف عادة بأنها آثمة.

هذه المنظومة الحضارية المُقصية للأخلاق هي التي أنتجت لنا هذا التخريب القيمي الجامع، ومنه تخريب البيئة وكل المجال الذي يحيى فيه الإنسان، بخلاف المنظومة الحضارية الإسلامية، التي يمكن تسميتها بحضارة التخلق، وهي التي تبني الإنسان المتخلق بأخلاق الله، ومنها الرحمة، بمعنى الرحمة الشاملة، رحمة الإنسان بالإنسان وبالحيوان وبالغابة والأشجار ….، يمكن أن نقول إن قيمة الرحمة دُفنت بتخلف المسلمين، وهذا مما خسره العالم بانحطاط المسلمين، لذلك ارتفعت عبارة نيتشه عالية في سماء الحضارة الغربية: “تخلص من الضمير ومن الشفقة والرحمة .. اقهر الضعفاء واصعد فوق جثتهم”[55].

مقولة نيتشه هي فيصل التفرقة بين الحضارة الإسلامية المتخلقة والحضارة العلمانية غير المتخلقة.

الرحمة في الإسلام هي التي أطَّرت علاقة الإنسان بكل مكونات البيئة، فحرم الإسلام قتل الحيوانات إلا إذا كانت مضرة بالإنسان، واعتبر الفقهاء تلك الحيوانات من الكائنات المحترمة، وأجازوا للإنسان التيمم إن لم يكن له إلا الماء الذي يكفيها[56].

“الحيوانات المحترمة” هكذا يسميها فقهاء الإسلام بلطف، وهذا اللطف ناتج عن التربية القرآنية والتربية النبوية، لأن الله الرحمن الرحيم، ورسوله الرؤوف الرحيم، أسميا الحيوانات أمما مثل الإنسان، “وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم”، “لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها”، هكذا قال الله سبحانه وتعالى، وهكذا نطق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ينهى الإسلام عن الإفساد في الأرض وبباقي مكونات البيئة، بل يطرح مسألة التماهي مع البيئة، لذا دعا الإسلام الإنسان إلى الإكثار من الذكر والتسبيح ليكون مثل مكونات البيئة، “تسبح له السموات السبع والارض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم”[57]،فكانت علاقة الإنسان بكل مكونات البيئة محصورة بين أن يكون مسبحا مع البيئة، أو البيئة مسبحة معه، ولما ابتعد الإنسان المادي عن العبادة والتسبيح، أصبح هو المشكلة الحقيقية للبيئة، وما إن استيقظ ضميره وأحس بالخطر المحدق من حوله، صار يبذل قصارى جهده ليحمي الطبيعة من نفسه وتصرفاته، من هنا يتبين أن إنقاذ الطبيعة “يتطلب تغيير الإنسان المستهلك أولا”[58]، ولا منقذ للبشرية من التلوث إلا بالرجوع إلى الإسلام، لأنه الوحيد الذي لا يفصل بين علاقة الإنسان بالبيئة وبين وجود الله الخالق، ويربط بين علاقة الإنسان بالبيئة وبين فلسفة الثواب والعقاب الأخروي[59].

خاتمة :

من خلال هذه الدراسة، يتبين لنا الآتي:

**رعاية البيئة جزء أصيل من الدين، وليس ترفا زائدا يمكن الاستغناء عنه متى شاء الإنسان ذلك.

** الحفاظ على البيئة والعناية بها ورعايتها من العمل الصالح المأمور به شرعا، وهو الذي يورث الحياة الطيبة، والسعادة والهناء، وما إن يتخلى الإنسان عن العناية بالبيئة حتى يرتمي في حياة الضنك حتما.

** تخريب البيئة وتلويثها هو من الإفساد المنهي عنه شرعا، بنصوص من القرآن والسنة، كما أن تلك التصرفات المشينة مع البيئة تندرج ضمن المعاصي التي يعاقب الله عليها عباده يوم الجزاء.

** التعامل مع البيئة سلبا أو إيجابا قد يكون سببا في نقصان الإيمان أو زيادته.

** الاعتداء على البيئة والإخلال بتوازنها قد يصير في بعض الأحيان اعتداء على النفس الإنسانية ذاتها، وذلك بالتسبب في قتلها عن طريق مجموعة من الأمراض الناتجة عن تلوث الهواء أو الماء أو التربة …، وهو ما يستوجب من الأحكام العقابية ما يشبه أحكام المعين على القتل أو المتسبب فيه.

** الاجتهاد في طرح البدائل المخفضة من درجة التلوث مثل الطاقات الريحية أو المائية أو الشمسية يعد من تفريج الكربات الذي حث عليه الإسلام ورتب عليه الجزاء الأخروي.

** مشكلة البيئة – قبل أن تكون في التلوث أو في غيره – هي مشكلة الحضارة المادية بالأساس، لذا وجب إعادة النظر في المنظومات الفكرية قبل إعادة النظر في الطاقات المستعملة، وذلك بإعادة بناء الإنسان بناء سليما على وفق ما يدعو إليه خالق الإنسان وخالق البيئة سبحانه وتعالى.

المراجع المعتمدة:

القرآن الكريم.

كتب السنة:

  • الإمام أحمد بن حنبل، المسند. تحقيق أحمد شاكر. دار الحديث، القاهرة. ط: 1. 1416 – 1995.
  • الإمام البخاري محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح. دار طوق النجاة. ط: 1. 1422.
  • الإمام أبو داود، السنن. دار الرسالة العالمية، ط: 1. 1430 – 2009.

باقي المراجع:

  • أحمد بن الصديق الغماري، تحقيق الآمال، فيإخراج زكاة الفطر بالمال. مكتبة القاهرة، ط: 1. 1431 – 2010.
  • أحمد مدحت إسلام، التلوث مشكلة العصر. سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1990.
  • البقاعي إبراهيم بن عمر، نظم الدرر، في تناسب الآيات والسور. دار الكتاب الإسلامي، القاهرة.
  • الخطابي أبو سليمان، معالم السنن. المطبعة العلمية، حلب، ط: 1. 1351 – 1932.
  • الخطيب الشربيني، مغني المحتاج، إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج. دار الكتب العلمية، ط: 1. 1415 – 1994.
  • ابن رجب الحنبلي، فتح الباري، شرح صحيح البخاري. تحقيق جماعي، نشر مكتبة الغرباء، المدينة المنورة. ط: 1. 1417 – 1996.
  • الشاطبي إبراهيم بن موسى، الموافقات. نشر دار ابن عفان. ط: 1. 1417 – 1997.
  • الصنعاني محمد بن إسماعيل، التنوير، شرح الجامع الصغير. مكتبة دار السلام، الرياض، ط: 1. 1432 – 2011.
  • الصنعاني محمد بن إسماعيل، سبل السلام. نشر دار الحديث. دت.
  • طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق. المركز الثقافي العربي، ط: 3. 2006.
  • ابن عاشور محمد الطاهر، التحرير والتنوير. الدار التونسية للنشر، 1984.
  • عبد الجليل القصري، شعب الإيمان. تحقيق سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، ط: 1. 1416 – 1995.
  • العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام، في مصالح الأنام. مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة. 1414 – 1991.
  • علال الفاسي، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها. مكتبة الوحدة العربية.
  • علي عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب. ط: 1. 1414 – 1994.
  • القاضي عياض، إكمال المعلم، بفوائد مسلم. تحقيق يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، ط: 1. 1419 – 1998.
  • الغزالي أبو حامد، إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت.
  • مراد هوفمان، الإسلام كبديل. ط: 1. 1413 – 1993.
  • ابن المُلك محمد بن عز الدين الكرماني، شرح مصابيح السنة للبغوي. تحقيق جماعي، نشر إدارة الثقافة الإسلامية. ط: 1. 1433 – 2012.
  • ابن النجار محب الدين، الدرة الثمينة، في أخبار المدينة. نشر دار الأرقم. تحقيق حسين محمد علي شكري.

التقارير الدولية:

  • التقرير السنوي للبنك الدولي 2015.
  • مصادر الطاقة المتجددة والتخفيف من آثار تغير المناخ. تقرير خاص للهيأة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) التي أنشأتها المنظمة العالمية للأرصاد الجوية WMD وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP. (2011).

منشورات المنظمات الدولية:

  • دلائل جودة المياه، نشر منظمة الصحة العالمية، المجلد 1. التوصيات. ط: 3. جنيف 2004.

[1]سورة البقرة، آية 164.

[2]سورة الحج، آية 63.

[3]سورة النمل، آية 60.

[4]سورة فاطر، آية 27.

[5] سورة الأعراف، آية : 50.

[6]مثل ما وقع في نهر أم الربيع، في منطقة أولاد علي بإقليم الفقيه بن صالح. (جريدة الأحداث المغربية، عدد يوم 14 – 1 – 2016).

[7] الخطابي، معالم السنن: 1/21.

[8] القاضي عياض، إكمال المعلم: 2/76.

[9] دلائل جودة مياه الشرب، منظمة الصحة العالمية، المجلد الأول: التوصيات، ط: 3. جنيف 2004.

[10]أحمد بن الصديق، تحقيق الآمال: 44.

[11] العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام: 1/43.

[12] رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب في قطع السدر.

[13] الصنعاني، التنوير، شرح الجامع الصغير: 10/365.

[14] الكرماني، شرح مصابيح السنة: 3/478.

[15]أحمد مدحت إسلام، التلوث مشكلة العصر: 24.

[16]  التقرير السنوي للبنك الدولي لسنة 2015، ص: 20.

[17]سورة البقرة، آية: 205.

[18] البقاعي، نظم الدرر: 3/172.

[19] تصريح الدكتور آصفدراكوفيتش (مدير المركز الطبي لأبحاث اليورانيوم) لقناة الجزيرة الفضائية يوم 06 – 11 – 2002.

[20]سورة البقرة، آية: 96.

[21] ابن عاشور، التحرير والتنوير: 1/617

[22]الشاطبي، الموافقات: 2/403.

[23] أحمد مدحت إسلام، التلوث مشكلة العصر: 70.

[24]مقتبس من موقع http://www.ausde.org/ يوم 18 – 03 – 2016.

[25] أحمد مدحت إسلام، التلوث مشكلة العصر: 75.

[26]مقتبس من موقع http://ahwazstudies.org/  يوم 18 – 03 2016.

[27]سورةالأعراف، آية: 58.

[28]سورة النساء، آية: 29.

[29]سورة الأنعام، آية: 151. سورة الإسراء، آية 33.

[30]سورة الممتحنة، آية: 12.

[31]سورة الإسراء، آية: 31.

[32]الشاطبي، الموافقات: 2/139.

[33] أحمد مدحت إسلام، التلوث مشكلة العصر: 105.

[34] أحمد مدحت إسلام، التلوث مشكلة العصر: 33.

[35] معلومة مقتبسة من موقع: http://www.un.org يوم 18 – 3 – 2016.

[36] التقرير السنوي للبنك الدولي لسنة 2015، ص: 20.

[37] الغزالي، إحياء علوم الدين: 2/144.

[38] علال الفاسي، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها: 223.

[39] صدر التقرير في شهر مارس 2016.

[40] الصنعاني، سبل السلام: 2/638.

[41]مصادر الطاقة المتجددة والتخفيف من آثار تغير المناخ: الصفحات 18 – 19 – 20 – 65 – 66. (تقرير IPCC).

[42] الصنعاني، التنوير، شرح الجامع الصغير: 10/31.

[43]صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.

[44] ابن رجب، فتح الباري: 1/37.

[45] عبد الجليل القصري، شعب الإيمان: 204.

[46]مسند الإمام أحمد، مسند أحاديث رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

[47] العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام: 1/45.

[48] ابن النجار، الدرة الثمينة: 55.

[49] السبخة: منطقة مستنقعيّة لا تصلح للزراعة لملوحتها.

[50] الكنود: الأرض لا تنبت شيئا.

[51] اليوسي، المحاضرات: 1/25.

[52] طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق: 123.

[53]بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب: 194.

[54]بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب: 195.

[55]بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب: 195.

[56] قال الخطيب الشربيني من فقهاء الشافعية: “من أسباب التيمم أن يُحتاج إلى الماء لعطش حيوان محترم من نفسه أو غيره، ولو كانت حاجته لذلك مآلا، أي في المستقبل، صونا للروح أو غيرها عن التلف، لأن ذلك لا بدل له، بخلاف طهارة الحدث … ويجب أن يقدم شراء الماء لعطش بهيمته المحترمة على شرائه لطهره، وإن وجد من يبيعه الماء لعطش بهيمته لزمه شراؤه”. مغني المحتاج: 1/253.

[57]سورة الإسراء، آية: 44.

[58] مراد هوفمان، الإسلام كبديل: 165.

[59] يقول الدكتور مراد هوفمان: “من هنا نقول لمن يسمع ويعي، إن حل مشكل تلوث البيئة المستشري لا يتأتى باتباع المنادين بالرجوع إلى الطبيعة بوصفها الدين الطبيعي مثل هولجرشلايب، ولن يتأتى بالتهويم في الرومانسية التي يروج لها ساسة الخضر، ذلك أن العواقب الوخيمة لتجاهل وجود الله أخطر ما يتهدد البيئة، ولا يدفع هذا الخطر عنها تأليهُ البعض لها، والتغني بحبها وقداستها”. الإسلام كبديل: 164.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.