منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نبذة من كتابي الكتب السابقة في القرآن الكريم “دراسة موضوعية”

أحمد بن محمد الشرقاوي/ الكتب السابقة في القرآن الكريم "دراسة موضوعية"

0

نبذة من كتابي الكتب السابقة في القرآن الكريم “دراسة موضوعية”

أحمد بن محمد الشرقاوي

 

المقدمة

أولا: الاستفتاح.

الحمدُ للهِ الوليِّ الحميدِ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ “وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)البروج: ١٤ – ١٦، وأشهد أن محمدا رسولُ اللهِ، صاحبُ الحوضِ المورودِ، والمقامِ المحمودِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلَى آلِهِ ذَوِي الشَّرَفِ الأثِيلِ، والمجْدِ التَّلِيدِ، وصَحْبِهِ أهلِ الوفاءِ والجود، الرُّكَّعِ السُّجُودِ، المُوفِينَ بالعُهُودِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى اليومِ الموعُودِ .

المزيد من المشاركات
1 من 31

ثانيا: مدخلٌ للموضوع.

وبعد: فقد أرسلَ اللهُ الرُّسُلَ، وأنزلَ معهم الكُتُبَ، لِتُضِيءَ للإنسانيةِ طريقَهَا، وتُوقِظَها من غَفْوَتِهَا، وتُخْرِجَها من وَهْدَةِ الحَيرةِ، وتِيهِ الغَفْلَةِ، ونَيرِ الظُّلْمِ وبَيدَاءِ الظُّلَمِ، ومهامِه الجهلِ، إلى صِرَاطِ اللهِ المستقِيمِ، ونورِهِ المبِينِ، وذِكْرِهِ الحَكِيمِ، ومِنْهاجِهِ القويمِ، وشريعتِه الغرّاء، ومنارتِه الزّهراء، ليعودَ الناسُ لربِّهم، ويثُوبوا إلى رُشدِهَم، ويهتدوا إِلى غَايَةِ وُجُودِهم، وأسبابِ سعْدِهم، وعوامِلِ نهوِضِهم، ومراقي سعودهم، ومعارجِ صُعُودِهم .

وكُلِّمَا كُسِفَتْ شُمُوسُ المِلَلِ، وطُمِسَت معالمُ السُّبُل، أرسل اللهُ للناسِ مَنْ يُجَدِّدُ لهم الدِينَ، ويأخُذُ بأيديهِمْ إلى الحقِّ المبين؛ حتى تعاقبتِ الرُّسُل تترى، وتتابعتْ الكُتبُ طُرّا، قال تعالى: “إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) ” [النساء: ١٦٣ – ١٦٥]

وقال جلّ وعلا: “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)” [الحديد: ٢٥]

إلى أن جاءتْ خاتِمَةُ الرسالاتِ وتَتِمَّةُ النُّبُوَّاتِ، وَنَزَلَ آخرُ الكُتُبِ ومِسْكُ خِتامِها، وعِصَامُها ([1])؛ ليبقَى للأمة الإسلامية شِرْعةً ومِنْهَاجًا، وللإنسانيةِ إلى أن يرثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها: منارةً وسراجًا، قال تعالى:”وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51)” [القصص: ٥١]، وقال عزَّ وجلَّ:” وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51)” [العنكبوت: ٤٧ – ٥١ ]

فالقرآنُ نزل مصدِّقا لما قبله من كُتُبٍ، مهيمنًا عليها، مبيِّنًا ما خفي منها، مستوعبًا لها متمِّما، حافظًا وحاكما، أمينًا قيِّما؛ إذْ كُلُّهَا من عند الله نزلت، فكان كلامُه عنها أبلغَ كَلامٍ وأدقَّهُ، وأحكَمَهُ وأصدقَه، ومن هنا تتجلَّى قيمةُ كلام القرآن الكريمِ عنها .

وقد تعرّضَ القرآنُ لهجومٍ عنيفٍ من قِبَلِ بعضِ المستشرقينَ والمنصِّرين، ورأينا في الآونة الأخيرة كيف اتخذ بعُض المنصِّرين من القنوات الفضائية والمواقع الشبكية نافذةً للهجوم على القرآن ومرصدا لإثارة الشُّبه التي نسجُوها بخيوطِ الظُّنون والأوهام، وأضرموها على نيرانِ الفهم الخاطئ والنظر السقيم. وقد باتَ الردُّ عليها وبيانُ تهافتها واجبا شرعيًّا على أهل العلم، لا يكفي في ذلك الردُّ الارتجاليُّ، بل يحتاجُ الردُّ إلى نَفَسٍ طويلٍ، ونظرٍ عميقٍ، ودراسةٍ متأنيةٍ، حتى تقومَ الحُجَّةُ، ولا يبقى لطاعن محجَّة، وينجلي البرهانُ .

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

من هذا المنطلقِ كان اختياري لهذا الموضوعِ ” الكتب السابقة في القرآن الكريم دراسة موضوعية ” .

وفي السطور التالية أُبِينُ عن أهمية هذا الموضوع وأسباب اختياري له: فأقول وبالله توفيقي:

ثالثا: أهمية الموضوع .

  • لهذا الموضوعِ أهميةٌ بالغةٌ في إبرازِ إخبار القرآنِ الكريمِ عمَّا سبقَه من الكُتُبِ المنزَّلةِ، فالقرآن هو المهيمنُ عليها، والمصدِّقُ بِها، والمبيِّن لها؛ والمنافحُ عنها؛ والمتمِّمُ لها؛ ومِنْ هنا تبرزُ أهميةُ التأمُّلِ في كلامِه عنها .
  • كثرةُ الآيات التي تكلمت عن الكتب السابقة؛ الأمر الذي يستدعي جمعَ هذه الآياتِ، وتدبّرها، وتصنيفها؛ لنقف على موقف القرآن من هذه الكتب .
  • بيانُ منهجِ القرآنِ الكريمِ ومقاصدِهِ في الإخبار عن هذهِ الكُتُبِ، والإفادةُ من هذا المنهجِ الربانيِّ في البحثِ والحوارِ والمناظرةِ مع أهل الكتاب وغيرهم .
  • القرآن الكريم والسنة النبوية المبينة له: طريقُنا للتعرُّف على هذه الكتب، ومعرفة نزولها ومقاصدِها وسماتِها، بل وما تضمَّنته من أحكام وحِكَمٍ، وأمثالٍ وقصَصٍ .
  • من خلال هذه الدراسةِ تتبينُ لنا كثيرٌ من الفروق الجوهرية بين الكتب السابقة المنزلة وبين الكتب الموجودة الآن لدى أهل الكتاب، والتي يزعمون أنها من عند الله، فنعرف وجهَ الحقِّ في هذه الكتب، وموقفَ القرآنِ منها.
  • وقد لمستُ أهميةَ هذا الموضوعِ من خلال حواراتي مع بعض النَّصارى، حيث شاعت لديهم مفاهيمُ وأفكارٌ مسبقةٌ حول موقفِ القرآنِ من الكتبِ السابقةِ، فأثارُوا شبُهَات وشنُّوا هَجَمَاتٍ وأثارُوا تساؤُلات، رأيتُ أنها تحتاجُ لردٍّ علميٍّ رصين، بل لمست منها ما هو جديرٌ بأن أعكف على بحثه ودراسته لأخرج بأجوبة شافيةٍ، وردودٍ وافيةٍ، وإن كان في اعتراضاتهم وشبهاتهم ما لا يستحقُّ الردُّ، ولا يرقى لمستوى النِّقاشِ لتهافتِهِ، مع ما ينمُّ عنه من جهلٍ أو تجاهُلٍ، وما ينطوي عنه من حقدٍ وتحامُل .
  • كذلك من خلالِ إخبار القرآنِ عن هذه الكتبِ نتعرَّفُ على التوراة والزَّبورِ والإنجيلِ الأصليِّ المنزلِ من عند الله تعالى؛ ليكونَ إيمانُنَا بها عن عِلْمٍ وبَصِيرَةٍ، ومحبَّةٍ وتعظيمٍ، ونستطيعُ تمييزَها عن الأسفارِ والأناجيلِ التي التبسَ فيها الحقُّ بالضَّلالِ، واختلطَ فيها النُّورُ السافرُ مَعَ غَبَشِ الأساطير، وغُيُومِ الأباطيلِ .
  • بيانُ موقف أهل الكتاب من التوراة والإنجيل، وإبرازُ المواقف المضيئةِ التي سجَّلها القرآنُ، تخليدًا لذكرها، وتقديرا لمآثرها ومناقبِها، ودعوةً للتأسِّي بها، مع بيانِ المواقفِ المنحرفةِ لأخذِ العِظَةِ والعِبَرِ، والحيطَةِ والحَذَر .
  • الإفادةُ من المنهجِ القرآنِّي الرَّشيدِ في محاوراتِنا ومساجلاتنا مع أهل الكتاب خاصةً، ومع المخالفينَ عمومًا، هذا المنهجُ الهادئُ الهادِفُ البنَّاء الذي يُعلِّمنا كيف ننتصِرُ للحقِّ، كما يَغْرِسُ فينا رُوحَ الإنصافِ، ويدفعُنَا إلى تحرِّي الدقَّة والأمانة، ويدعُونا للصِّدقِ والتجرُّدِ؛ لتكونَ حواراتُنا منصفةً، وبحوثُنا موضوعيةً هادفةً، وكلماتُنا مؤثِّرةً مثمرةً .
  • كتبُ التفسيرِ تُرَاثٌ زَاخِرٌ، وكُنُوزٌ نَفيسةٌ، جمعتْ على تنوُّعِ مَنَاهِجِهَا، وتفنُّنِ طَرَائِقِهَا فَوَائِدَ جليلةً ولطائفَ عجيبةً، حول بيان القرآن عن الكتبِ السابقة، بما هو جديرٌ بالنَّظْرِ في تلك الدقائقِ ورصدِها، والغوص لتلك الدرر وصيدِها، وجنيُ تلك الثَّمراتِ والتفكُّه بها .
  • حاجةُ المكتبةِ الإسلاميةِ للمزيدِ من الدراساتِ القرآنيةِ الموضوعيةِ المقارنةِ، الهادفة والمتعمِّقة التي تُلَبِّي مطالبَ هذا العصرِ، وتواكبُ مُسْتَجَدَّاتِه، وتُقَدِّمُ الإجابةَ العلميَّةَ الشافيةَ عن تساؤلاتٍ طُرِحَتْ في سَاحَاتِ الحوارِ، وتؤصِّلُ للقضايا والموضوعات بما ينيرُ الطريقَ أمام الباحثين والدارسين في شتَّى التخصصُّات .

رابعا: أسباب اختياري لموضوع البحث .

  • تراودُنِي فكرةُ الكتابة في هذا الموضوع منذ سنواتٍ بَعِيدَةٍ، وأرى الوقتَ قد حان، والأحوالَ صارتْ مواتيةً، والحاجةَ أضحتْ ماسَّةً للكتابةِ في هذا الموضوعِ المهِمِّ، من خلالِ دعمِ عمادة البحث العلمي في الجامعةِ الإسلامية المباركةِ التي شرفتُ بالعملِ بها، والانتسابِ إليها، وفي هذا الجوِّ الرُّوحانيّ، وفي كَنفِ هذه البيئةِ العلميَّةِ الثرَّة، التي تحتضنُ الدَّارسين والباحثينَ في رحاب المدينةِ المنورة، مدينة العلمِ والإيمانِ ومنزلِ الوحيِ وموئلِ الدّعوة .
  • من خلال محاوراتِي ومراسلاتي مع بعضِ النصارى لمستُ حاجةً مُلِحَّةً للكتابةِ في هذا الموضوعِ الذي يعالجُ كثيرا من القضايا المعاصرةِ، ويجيبُ عن كثيرٍ من التساؤلاتِ، ويُفنِّدُ العديدَ من الشُّبُهاتِ التي دَرَجَ أعداءُ الإسلامِ على إثارتِها وتردِيدِهَا، فأرجو أن يغدُو هذا البحثُ زادًا وسلاحًا لي، ولكلِّ الدعاةِ والمحاورينَ، ونبراسًا لكلِّ باحثٍ عن الحقِّ .
  • هذا البحثُ امتدادٌ لدراسةٍ لي سابقةٍ وهي ” المرأة في القصص القرآني ” والتي عقدتُ فيها دراسةً مقارنةً بين القَصَصِ القرآنِيِّ، وقصصِ العهدِ القديمِ والجديدِ، ومكانةِ المرأة في الكتب الثلاث، وقدْ خرجتُ بنتائجَ مهمةٍ، زادت نهمتي إلى مواصلة السير في هذه الدراسات المقارنة التي تضيء الطريق أمام الباحثين عن الحقِّ واليقينِ، وإني لأرجو أن يكون هذا حافزًا ومُعينًا لي على إتمام هذا البحثِ بالصُّورةِ التي أَطْمَحُ لها ..

خامسا: الدراسات السابقة .

لم أجد من خلال تتبُّعِي وبحثِي في الجامعاتِ والمكتباتِ العامَّةِ ودورِ النشر ومواقعِ الشبكةِ دراسةً وافيةً حول هذا الموضوعِ، وإن وجدتُ بعضًا من البحوثِ، التي لها صلةٌ بهذا الموضوعِ، منها:

 

  1. القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم للدكتور موريس بوكاي ط دار المعارف بمصر . وهو كتابٌ قيِّمٌ، يُعْنَى ببيانِ موقفِ القُرآنِ والتوراةِ والإنجيلِ من العلمِ الحديثِ؛ ليبرزَ من خلال ذلك إعجازَ القرآن الكريم، ويبرهن على أن الكتب الأخرى قد حرفت .
  2. التوراة والإنجيل والقرآن في سورة آل عمران، للأستاذ عبد الحميد طهماز ط دار القلم: والكتاب دراسة موضوعية لهذه السورة الكريمة، ضمن سلسلة الدراسات الموضوعية للعديد من سور القرآن الكريم والتي قام بها الباحث الكريم، لكنها لا تتَّسِمُ بالعُمقِ والتأصيلِ والشمول، وإن كانت مفيدةً نافعةً .
  3. الشرائع السابقة ومدى حجِّيتها للدكتور عبد الرحمن درويش، ط مكتبة العبيكان، وقد عُني بمعالجة تلك القضيةِ الأصوليةِ؛ حيث إنَّ شرع من قبلنا من الأدلة المختلف فيها، وقد فصَّل الباحث في ذلك .
  4. المدخل لدراسة العهد القديم والجديد، محمد علي البار، ط دار القلم، وهذا الكتابُ مع أهميَّتِهِ وقيمتِه العلميةِ إلا أنه لم يُعنَ ببيانِ موقفِ القرآنِ من هذه الكتبِ .
  5. قراءة في الكتاب المقدس، للدكتور صابر طعيمة، ط دار الزمان: وفيه تحدَّث عن تاريخ الأناجيل: تدوينها وتحريفها وتناقضها، دون أن يتعرض لموقف القرآن منها إلا نذرا يسيرا .
  6. موقف القرآن من التوراة، للأستاذة انشراح قرارة، ط دار خضر بيروت، وهذه الدراسة يغلب عليها الطابع الوصفي التاريخي، حيث لم تُعْن بالدراسة الموضوعية للآيات القرآنية، إلا في مواطن محدودة، ولم ترجع كثيرا لأقوال المفسرين، كما أنها لم تتعرض للبيان القرآني عن الإنجيل والزبور وصحف إبراهيم عليه السلام .
  7. حديث القرآن عن التوراة، للدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي، كتابه الأول ضمن سلسلة دراسات يهودية نشر دار العلوم، عمان الأردن، 1425 هـ ويقع الكتاب في 190 صفحة من الحجم المتوسط، وفيه تحدث عن الإيمان بالرسل والإيمان بالكتب ونزول التوراة وأوصافها ومضمونها، وتحريفها وبعض جرائم الأحبار، وتصديق القرآن للتوراة الحقيقية وتكذيبه بالتوراة المحرفة، وقد استوعب بحثي بتوسُّع هذه المسائل التي ذكرها الدكتور الخالدي، وتناول موضوعات كثيرة لم يتناولها الباحث منها ما يتعلق بالتوراة وموقف أهل الكتاب منها فضلا عن الحديث عن صحف إبراهيم والإنجيل والزبور .
  8. علاقة القرآن الكريم بالكتب الإلهية السابقة، للباحثة عايدة سليمان أبو حاكمة ط دار الفكر عمَّان 1430 هـ، ويقع في 286 صفحة وفيه بينت الباحثة منزلة القرآن ومكانته بين الكتب السابقة، وقارنت بين القرآن والتوراة والإنجيل، مبينة أوجه الاتفاق والاختلاف في ضوء القرآن الكريم، وما آلت إليه الكتب السابقة، مع استطرادات عديدة .

ولقد اطلعت على هذه الكتب والدراسات السابقة واستفدت منها، وما رسالتي إلا امتدادٌ لها وتتمةٌ لما قطعته من أشواطٍ في هذا الطريق، وما وضعتْه من لبناتٍ في ذلك البناء الوثيق، آمل أن يرى القارئ جديدا في الأفكار والطرح والأسلوب والتحليل والمقارنة والاستنباطات، ولقد اطلعت على الدراسات الست الأولى قبل وأثناء البحث، وعثرت على الدراستين الأُخريين بعد تمامه فاطلعت عليهما واستفدت منهما، وهذا دأبي دائما وحرصي على استيفاء كلِّ ما كُتِبَ في موضوع بحثي بقدر ما أستطيع، واطلاعي على هذه الدراسات القيمة والجهود السابقة لم يغيِّر من قناعتي الأولى بأن هذا الموضوع لا يزالُ في حاجةٍ لبحثٍ ودراسةٍ، وقد وفقني الله لذلك .

 سادسا: أهداف البحث.

  1. رِفْدُ المكتبة الإسلامية بدراسةٍ جامعةٍ في التفسير الموضوعي حول الكتب السابقة تكون مرجِعا للباحثين والدارسين في العلوم الشرعية بوجهٍ عامٍّ، وفي الدراسات القرآنية على وجه الخصوص، وفي مقارنة الأديان كذلك .
  2. تلبيةُ الحاجةِ الضروريةِ لتحقيقِ وتحريرِ كثيرٍ من المصطلحات، والإجابة عن كثير من التساؤلات انطلاقا من النظرةِ الجامعةِ لآياتِ القرآنِ، وأنَّى يتسنَّى ذلك إلا من خلالِ دراسةٍ موضوعيَّةٍ موسَّعةٍ متعمِّقة ؟
  3. إبراز الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم؛ في ضوء النظرة الفاحصة لهذا الموضوع وبيان اتساق عناصره وتكاملها وتآلفها .
  4. ومن خلال هذه الدراسة نتعرف على روعة المنهج القرآني. ورفعته، وبيانه، ودقته وموضوعيته، كما نقف على وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم؛ وذلك من خلال بيانه الدّقيق للكتب السابقة .
  5. إبرازُ محاسن القرآنِ وإنصافِه، ودِقّته ومصداقيَّته، وبيان سماحة الإسلام وشموله وعالميته .
  6. بيانُ أوجه التوافق بين القرآن والكتب السابقة، مع إبراز جملةٍ من خصائص القرآن ومقاصده مقارنةً بالكتب السابقة .
  7. كما أرجو أن يساهم هذا الكتاب في تصحيح كثيرٍ من المفاهيم الخاطئة، والتصوُّرَاتِ القاصرة لدى كثيرٍ من علماء أهل الكتاب وعوامِّهم، سيَّما ما يتعلق منها بالقرآن الكريم .
  8. أرجو أن يكون هذا الكتابُ ذخيرةً للباحثين وعُدَّةً للمحاورين والمناظرين لأهل الكتابِ، سيَّما وقد تفتَّحت أبوابُ الحوار، وكثُرَتْ قنواتُه واتسعت ميادينُه وتيسَّرت وسائلُه، وذُلِّلت سبلُه، مع مسيسِ الحاجةِ إليهِ؛ فهو الطريقُ الآمنُ والأسلوبُ الحكيم للتعارُفِ والتفاهمِ، ومدِّ جسور اللقاء ودعم روابط التواصلِ، وإتاحة فرص التعاونِ بين المسلمين وغيرهم .

سابعا: منهج البحث .

  • يجمعُ هذا البحثُ بين المناهجِ الآتية: الاستقرائِيِّ، التحليليِّ، الاستنباطيِّ، الوصفيِّ، التاريخِيِّ، والمقارنِ، حيثُ التأمُّلُ والتدبُّرُ والاستنتاجُ والاستخلاصُ، والاستنباطُ، مع الاستدلال القائمِ على الحجةِ والبرهانِ، كما يجمعُ البحثُ بين الأصالةِ والمعاصرةِ في مصادره وأسلوبه .
  • مراعاةُ النظرةِ الكليةِ للآياتِ، والتي تبدأُ بتدبُّرها، والنظرِ في سياقِها، والجَمْعِ بين نظائِرِهَا، واستخلاص المعانِي، واستنباط الفوائدِ .
  • يقوم الباحثُ بجمعِ الآياتِ وترتيبِها وفقا للخطةِ الموضوعةِ، ويرجعُ إلى ما أمكنهُ الرُّجُوعُ إليهِ من كُتُبِ التفسيرِ؛ للإفادةِ منها، واستخراجِ دُررها، مع توثيقِ النقلِ، والتعقيبِ على ما يحتاجُ لتعقيبٍ والجمع بين الأقوالِ أو الترجيح بينها إذا لم يمكن الجمعُ .
  • يُعنى الباحث بأقوال المفسرين التي لها صلةٌ بالموضوع، دون إسرافٍ في النقلِ، إلا بقدر ما تقتضيه طبيعةُ البحث .
  • الرُّجوعُ إلى العهدينِ القديمِ والجديدِ للموازنة بينهما وبين ما ورد في القرآن، والمقارنة بين الكتب المنزلة التي أخبر عنها القرآنُ، وبين الكُتُبِ الموجودة في أيدي اليهود والنصارى، كذلك يتطرّقُ البحثُ إلى الحديث عن تاريخ الأسفار والأناجيل .
  • لا يتوسَّعُ البحث في عرض القراءات، ولا يستطرد للحديث عن الاشتقاق والإعراب، إلا بقدر ما يعينُ على فهمِ المعانِي واستنباطِ الأحكامِ .
  • العنايةُ بإيراد الأحاديث والآثار التي تتعلَّقُ بهذا الموضوع، مع تخريجها من مصادرِها، وبيان درجاتِها في ضوء كلام المحدثين، فإذا لم أجد لهم حكمًا اجتهدت في الحكم عليها من خلال دراسة الأسانيد والمتون، كذلك عزوُ ما يردُ من قراءاتٍ مع توجيهِها وبيانها .
  • الآيات القرآنية منسوخةٌ برسم المصحف العثماني، مع بيان اسم السورة ورقم الآية.
  • الالتزام بالأحاديث الصحاح والحسان في التفسير وأسباب النزول وغيرها .
  • ضبطُ الأحاديث والآثارِ مع تخريجِهَا، وبيانِ غَرِيبِهَا .
  • ضبطُ الأشعار وعزوُها إلى من قالها مع بيانِ مَوْضِعِ الشاهِدِ منها إذا احتَاجَ إِلى بيانٍ .
  • ما أقتبسه من نقولٍ سأضعها بين علامتي تنصيص ” ” لتحديدِ أولِ النقلِ وآخرِه وتمييزِ كلامِي من كلامِ غيري، والآياتُ القرآنيةُ: بين قوسينِ مزخرفينِ، أما الأحاديثُ النبويةُ فبين قوسَينِ هلاليين ( ) .
  • أذكرُ في الخاتمةِ خلاصةَ البحثِ ونتائجَه وتوصياتِه، ومراجِعَهُ وفهرسَ موضوعاتِه .
  • أكتفي بالترجمة لغير المشاهير اختصارا، وحتى لا أثقل الحواشي .

وفي ختام مقدمتي لا يسعني إلا أن أقدم عاطر الشكر والتقدير لعمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية على دعمها لهذا البحث، ولإدارة الجامعة على تعاونها وحسن تعاملها، ولأساتذتي وزملائي بهذه الجامعة المباركة على تلك الأيام الطيبة، وتلك النقاشات العلمية التي تعلمنا منها الكثير، واللهَ تعالى أسأل أن يكتب لي التوفيق والسَّداد والقبول، وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه المأمول، وأن يجزي كل من ساهم في دعمه ونشره خير الجزاء، وأن يجزي زوجتي الغالية أم محمد على مساندتها لي، وأن يغفر لولدي عبد الرحمن ويرحمه على ما كان يبذله من وقتٍ وجهدٍ في مساعدتي بالكتابة على الحاسوب، وما كان يبديه من ملاحظاتٍ جيدة، أسأل الله أن يرفع مقامه في عليين . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

الخاتمة

خلاصةُ البحث ونتائجه:

  • تكلم القرآن الكريم عن الكتب السابقة كلاما وافيا في ما يربو على أربعين سورة، معظمها مكي، وفي قرابة مئة وستين آية .
  • اتسم البيان القرآني للكتب السابقة بالدقة والوضوح، والعمق والإنصاف، والشمول والكمال، والروعة والرفعة، والموضوعية، والاتساق والبلاغة .
  • نزلتْ الكتبُ وتعاقبتِ الرُّسُلُ لهدايةِ الإنسانِ وإصلاحِه، وبيان عَلاقَتهِ بهذا الكونِ، وتبصيرِهِ بحقيقةِ الدنيا والآخرةِ، وبيانِ خَطَرِ المسئوليةِ والجزاءِ، وإقامةِ موازينِ العدلِ في رُبُوعِ الكونِ .
  • أجابت الكتبُ الإلهيةُ عن الأسئلة التي طالما حيَّرت الفلاسفة والحكماء، وقصُرت عقولُهمْ وكلَّت أنظارُهم عن إدراكِها والإجابةِ عنها: وهي أصلُ الإنسانِ ونشأتُهُ، حياتُه ومعاشُه، شرعتُه ومنهاجُه، مصيرُهُ ومعادُهُ، لماذا خُلِقَ ؟ وما هي رسالتُهُ المنشودةُ في هذهِ الحياةِ ؟ وما هو المنهاجُ القويمُ الذي ينبغِي عليه أن يسلكَهُ ؟ وما هو مصيرُه المحتومُ الذي ينتظرُهُ ؟ وما جزاءُ من سار على منهجِ الله ؟ وما عاقبةُ من طغى ؟
  • تعظيمُ القرآن للكتب الإلهية كلِّها، ودعوتُه للإيمان بها، وبيانُه لخصائصِها ومقاصدِها ولُبابِها وثمراتِها، وربطُ الكتبِ السابقةِ بالقرآن، وبيانُ موافقته لها وتصديقه بها، فكتب الله تعالى جميعها خرجت من مشكاة واحدة .
  • بلاغة القرآن الكريم وإعجازه في بيانه لتلك الكتب، ودلالة ذلك على صدق القرآن والنبيِّ الأميِّ r الذي لا سبيل له لتلقي تلك العلوم والمعارف والأخبار إلا عن طريقٍ واحدٍ هو طريق الوحي .
  • حكمةُ اقترانِ: التوراة والإنجيل والقرآن في مواضعَ كثيرةٍ من كتاب الله تعالى، لكونها يُصدِّقُ بعضُها بعضا، ويُكمِلُ سابقَهَا لاحقُهَا، وهي كلُّها كلامُ ربِّ العالمين، فضلا عن توافقِها وتناسُبِهَا وتشابُهها . وقد لفت نظري أن جميع المواضع التي اقترن فيها ذكر التوراة والإنجيل تنمُّ عن فضائلهما وما اشتملا عليه من معانٍ سامية ومقاصد عظيمة
  • أخبرنا القرآن عن توراتينِ وإنجيلين، التوراةُ المنزَّلةُ من عند الله تعالى، والتوراةُ الموجودةُ في أيدي اليهود والتي فيها ما فيها من تحريفٍ وزيفٍ، لكنها لا تزالُ حُجَّةً عليهم بما بقي فيها من حقائقَ ثابتةٍ، تُعضِّدُ ما جاء به القرآنُ، وتنقضُ ما هم عليه من أباطيلَ، كذلك أخبرنا عن الإنجيل الحقيقي .
  • التوراةُ التي في أيدي أهل الكتاب مع ما اعترى الأصلَ من ضياعٍ ونسيانٍ، وما وقع فيها من تحريفٍ وتبديلٍ، ومع اختلافهم حولها، لكنَّها لا تزالُ تحوِي حقائقَ وأحكامًا شرعيَّةً، يعصَى على اليهودِ والنصارى تحريفُها وإخفاؤُها بعد أن شاعَ خبرُها؛ من هنا فحكمُ الله في التوراةِ ليس على إطلاقه، وإنما ما تبقَّى فيها من أحكامٍ شرعيةٍ من بينها حدُّ الرجم .
  • بينما تقول روايات العهد القديم أن موسى تعمَّد كسر الألواح، لم يثبت في الكتاب والسنة إلا أنه ألقاها غيرةً لله تعالى ولم يتعمَّد كسرها، ولم يثبت في كتب السنة أنه كسرها .
  • لم تردْ كلمةُ التوراة في العهد القديم إلا في سبع مواضع، ولم يرد في أي موضع من هذه المواضع أدنى إشارة إلى تعظيم التوراة أو بيان أوصافها، أو التلميح بمقاصدها أو التلويح بفضائلها أو التنويه لنزولها من عند الله ! أو إبراز المواقف المضيئة للنبيين والربانيين والأحبار وعامة المؤمنين نحوها؛ بينما تكلم القرآنُ عن التوراة في قرابة سبعين موضعا، وعن الإنجيل في اثني عشر موضعا يُبَيِّنُ عظمتَهُما، ويُنَوِّهُ بنزولهما وكتابتِهما، ويُبرزُ أوصافَهما، ويُصرِّحُ بمقاصدهما، ويُقدِّمُ خلاصتهما وكذلك الشأن بالنسبة للإنجيل .
  • أبرز القرآنُ لنا جملةً مما ورد في التوراة والإنجيل من أحكامٍ ومعانٍ لتكتمل صورتهما في أذهاننا، ونزداد إيمانا بهما، ونقتبس من أنوارهما، ونميِّز بين صحيحهما والدخيل عليهما، كذلك تكلم القرآن عنهما لتعظيمهما، والذَّبِّ عنهما، وبيان اتفاقهما وتقريرهما لمعاني القرآن، وأن القرآن نزل مهيمنا عليهما، وأن نزولهما دليلٌ على نزول القرآن، فجاء خبر القرآن عنهما احتجاجا على أهل الكتاب، وتذكيرا لهما .
  • التوراة والإنجيل الموجودان بأيدي اليهود والنصارى على اختلافهم فيهما قد اشتملا على جزء من الحقيقة، ولكنهما ضمَّا إلى ذلك كثيرا من الأوهام والأساطير، بسبب ما أصابهما من تحريفٍ وتبديلٍ، وما اعترى حفظتَهما من نسيانٍ وتضييعٍ؛ فأين ذلك النورُ الربانيُّ السَّاَفرُ من أسفارٍ وأناجيل لعب فيها الخيال دورا واسعا ! وتصرَّفت فيها أقلامُ الكَتَبَةِ !
  • فضَّل الله داود u بالزبور ذلك الكتاب العظيم، وفي تكرارِ ذكره تقريرٌ له، وتذكيرٌ به، وبيانٌ لفضل داودَ u، ودليلٌ على التفاضل بين الأنبياء، وبرهانٌ على وحي الله لأنبيائه، وقد اشتمل الزبور على بشارات عظيمة .
  • ورد ذكرُ الإنجيل اثنتي عشرة مرة في اثني عشر موضعا من كتاب الله تعالى، وفي هذا أعظمُ دليلٍ على مزيَّته، سيَّما إذا قارنا ذلك بعدد ورود الإنجيل في الأناجيل الأربعة، حيث لم ترد كلمة الإنجيل إلا في سبعة مواضع ليس فيها بيانٌ لفضائله أو لمصدره أو مقاصد نزولِه، أو الدعوة إلى تحكيمه، أو انتظامه في سلكِ ما سبقهُ من كُتبٍ .
  • لا ريب في أن التوراة الأصيلة والإنجيل الحقَّ لا يمكنُ تعارضُهما، بل بينهما توافقٌ وتطابقٌ، لأن الإنجيل نزل مصدِّقًا للتوراةِ، مطابقا لها، ومتى وقع التناقضُ بين الأسفار والأناجيل، أدركنا يقينًا بوقوع تحريفٍ؛ فكلامُ اللهِ تعالى لا يُعَارِضُ بعضُه بعضًا .
  • تأتي الكتبُ السابقةُ تارة مجموعة باعتبار الأصل، وتارة مفردة؛ وذلك باعتبارِ أنها كتابٌ واحدٌ، خرجتْ جميعُها من مشكاةٍ واحدةٍ، ونزلت كلُّها لغاية واحدة هي توحيد الله تعالى وعبادته، وإقامة موازين القسط، فأفردها مع كثرتها، لكونها بمثابة كتاب واحد لاتحاد مصدرها وغايتها ومضمونها .
  • تصديقُ القرآن بما ورد في الكتب المتقدمة المنزلة من عقيدةٍ وأحكامٍ وآدابٍ وقصصٍ وأمثالٍ بشاراتٍ، أما الكتب المحرفة فقد جاء مصدقا بما تبقى فيها من حقائق لم تتبدّل .
  • من مقتضيات هيمنة القرآن على الكتب السابقة: الرجوعُ إليه فَهُوَ المَرَدُّ عند الاختلافِ، وهو الفَصْلُ فيما اشتَبَه أو التبسَ، والفرقانُ بينَ الحقِّ والباطلِ، والهُدى والضلالِ، والميزانُ الدقيقُ لدراسةِ الكتبِ السابقةِ، وتمييزِ ما فيها من حقائقَ وأباطيلَ؛ فالقرآن الكريمُ مصدرٌ مُهِمٌّ ومُوثَّقٌ في دراسة الكتب السابقةِ، لا يمكنُ دراستُها بعيدًا عنه، ولا قيمةَ لتلك الدراسات التي لا تحتكم إليه وتصدرُ عنهُ .
  • هيمنة القرآن الكريم تقضي بصدارة أمة الإسلام وريادتها وقيادتها لسائر الأمم، نحو الخير والفضيلة والحق والهدى .
  • لا سبيلَ للوصولِ إلى التوراةِ المنزَّلةِ والإنجيلِ المنزَّلِ بعيدا عن طريق القرآن؛ فقد استوعب مقاصدها ولُبابَها .
  • بيَّن القرآنُ الكريم كثيرا مما أخفاهُ أهلُ الكتاب من الحقائقِ والوقائعِ، وكَشفَ عن كثير من الحوادث التي طمسوها أو تناسوها، أو اختلط فيها الحقُّ بالباطل، فبيّن وجه الحقِّ فيما اختلفوا فيه .
  • جاء القرآنُ الكريمُ مقرِّرًا لكثيرٍ من الأحكامِ التي وردتْ في الكتبِ المنزلةِ قبلَهُ، فالشرائعُ الإلهية متفقةٌ في أصولِها ومصدرِها ومقاصِدِها، وإن اختلفتْ في بعضِ الفروعِ؛ مراعاةً لاختلافِ الزمانِ والمكانِ وتغيُّرِ الأحوالِ .
  • ضرب القرآنُ الكريمُ أروعَ الأمثلة وسطَّر صفحاتٍ من نورٍ لمن كان قبلنا من الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، والربانيِّين والرِّبيِّين، الذين آمنوا بكتبِ اللهِ، وصدَّقُوا بكلماته، واستمسكوا بوحيِه، فأصلحُوا وأفلحُوا .
  • التمسُّكُ بالكتبِ السابقةِ ( التوراة والإنجيل والزبور ): مما يدعو إلى التمسُّك بالقرآنِ، كذلك التمسُّكُ بآخرِ الكتبِ يتضَمَّنُ الإيمانَ بما سَبَقَهُ مِنْ كُتُبٍ دَعَا إِليهِا وَصَدَّقَ بِهِا .
  • من مواقف أهل الكتاب المخزية: الإيمانُ ببعض الكتاب والكفرُ ببعض، والنسيان، والتحريف، والإخفاء، والكتمان، ولبسُ الحقِّ بالباطِلِ، ونبذُها وراء ظهورهم، والإعراض عنها، وترك الانتفاع بها، والتحاكم إليها، والاختلاف فيها مع بيانها،، والاتجار بها، والتحايلُ على أحكامها، وشغل العوامِّ بالأمانيّ والأوهام .
  • دَرَسَتْ كثيرٌ من آياتِ التوراةِ والإنجيلِ، وحُرِّفا وصُحِّفا، وانقطعَ السَّنَدُ وانفرطَ العقدُ، وضاعت الأصولُ، واندثرت الأسفارُ والأناجيلُ، ودُسَّت الأباطيل، بينما جاء القرآنُ ليمحِّصَ الحقائقَ ويُجلِّيها، ويزيلَ الأوهامَ ويبددَ ظلامَ الشُّبُهَاتِ ويبطِلَها، فهو المرجعُ وهو الحَكَمُ، وهو المهيمنُ على ما قبله من كُتُبٍ ورسالاتٍ، تعهَّد اللهُ بحفظِه، وبيانِه .
  • أثار عديدٌ من أهلِ الكتابِ شبهاتٍ كثيرةً حولَ القرآنِ الكريمِ وعَلاقتِهِ بالتوراةِ والإنجيلِ، واستندُوا بفهم خاطئ لبعضِ الآياتِ القرآنيةِ، ولقد عرضنا نُتَفًا من تلك الشبهات، وضربنا الذكر صفحا عن كثيرٍ من الشُّبه التي لا تستحق الردَّ لتهافتها وتساقطها، وما تكشفه عن جهالة قائليها وضلالة مروِّجِيها، فعرضنا لتلك الشُّبه، وكان ردُّنا عليها بإسهابٍ؛ حتى لا يبقى للطاعنين مقالٌ، ولا تقومَ لهم حجةٌ .
  • الملاحظ على تلك الشُّبه التي روَّجها أعداءُ القرآن أنها تنمُّ عن جهلٍ وقصورٍ، وسوء نيةٍ، وخلطٍ وتلبيس، وتلفيقٍ وتدليس؛ فقد نقلوها وردّدوها بدون وعيٍ أو تمحيصٍ .
  • لا بد من التفريق بين الكتب المنزلة وبين الكتب المحرَّفة التي كتبها أهلُ الكتاب بأيديهم، فأخذوا من هنا ومن هناك، بعدما نسُوا وضيَّعُوا وأخفُوا وكتمُوا، فجمعت بين الغثِّ والسمين، ومزجت بين الحقِّ المبين، وبين الأباطيل والأوهام، ومن ثمَّ فإننا نؤمنُ بما وافقَ الحقَّ والصوابَ، ونردُّ ما سواه مما يخالفُ الحقَّ، ويجافِي الصَّوابَ، ويضادُّ العقلَ، ويُناقِضُ التاريخَ، ويعارضُ السُنَنَ والواقِعَ .
  • لا تزالُ كتبُ أهل الكتاب تشهدُ بصدق رسالةِ الإسلامِ، وتقرِّرُ الحقائقَ التي جاء بها القرآنُ، ولا يزال علماؤهم المتبحِّرون على علمٍ ويقينٍ بأن هذا النبيَّ العربيَّ الأميَّ هو خاتم النبيين وإمام المرسلين ورحمة الله للعالمين، والقرآنُ يدعوهم إلى البحثِ والنظر لتصحيح مسارهم، وتقويم مسلكهم، وإقامةِ كُتُبهم .
  • يُلاحظ على منهج القرآن الكريم أنه يقوم في الأساس على العرض، كما يردُّ على أقاويل أهل الكتاب وتساؤلاتهم، كما ينتقد ما هم عليه من بعد عن الحقِّ، فقد جمع القرآن بين العرض والردِّ والنقد وإن كان العرض هو الأساس، لكن ذلك كله يندرج في البيان القرآني .

توصيات:

  • أرجو أن يستفيد المتصدِّرون للدعوة من منهج القرآن الكريم في الحوار، ومخاطبة أهل الكتاب، وإقامة الحجة عليهم في دعوتهم ومخاطبتهم.
  • أهميةُ الدراسات الموضوعية، سيَّما التي تتعلقُ بالقضايا المستجدَّةِ أو تجيب عن تساؤلاتٍ مهمة أو تبرزُ إعجاز القرآن الكريم .
  • حاجة الدعاة إلى دراسة الكتب السابقة ليبيِّنوا وجه الحق فيها، وموقف القرآن منها .
  • حاجة الذين يتصدَّرون للحوار مع النصارى من غير المتخصصين أو من المبتئدين إلى دورات تدريبية علمية ومنهجية في أدب الحوار ومادته وأساليبه .
  • إبراز الحقائق التي لا تزال باقية في العهدين القديم والجديد والاحتجاج بها على أهل الكتاب.

وبعد فقد وصل البحثُ إلى محطّته الأخيرة، ومهما اغترفنا من كتاب الله فنحن أمام بحر زاخر ومعين لا ينضب، فأسأل الله تعالى التوفيق والسداد والقبول، وأن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتي وميزان حسنات كل من قرأه وأبدى توجيهاته، وكل من ساهم في نشره .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


Sharkawe2000@yahoo.com

[1] – عِصَامُ القِرْبَةِ رباطُها الذي تُسَدُّ به ثم تُعَلَّقُ . وأعني بقولي أن القرآن عصام الكتب السابقة لأنه يحفظها ويفصل في شأنها ويقضي في اختلاف أهلها فيها، وإنما جررتُ الكلمة ” وعِصَامِها ” على المجاورة، وله شواهدٌ في اللغة منها قولهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَربٍ، فخفضوا خَرِباً: على الجوار للضب، وهو في الحقيقة نعتٌ للمرفوعِ . لسان العرب لابن منظور (3 / 150 ) .

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.