منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مبادئ علم الفقه

مبادئ علم الفقه/ د. محمد جعواني

0

مبادئ علم الفقه

د. محمد جعواني

لكلّ علم من العلوم مبادئ أوّلية يتعيّن على طالب العلم ضبطَها والإلمام بها، وهذه المبادئ تساعد على امتلاك تصوّر أوّلي واضح عن العلم المراد تعلّمه تعريفا، ونشأة، وفضلا، وقضايا، وعلاقات…ويتحدث فقهاؤنا الأجلاّء عن مبادئ عشرة لعلم الفقه أحببتُ أن أبدأ بها في هذا المدخل.

قال العلامة محمد بن علي الصبان الشافعي ‑ رحمه الله ‑ (ت1206هـ):

إنّ مبادئَ كـلّ فنّ عشــرة   

الحدّ و الموضوع ثم الثّمـــرة

و نِسْبةٌ و فضلُه و الواضـِـع    

والاسمُ الاستمدادُ حكمُ الشّارع

مسائل و البعضُ بالبعض اكتفى   

و مَنْ دَرَى الجميعَ حازَ الشّرَفـا

وقال أبو العبّاس أحمد بن محمد المقّرِي التِّلمساني ‑رحمه الله‑ (ت1041هـ):

مَـــــن رامَ فنـــاً فلْيُقدّمَ أولا

علماً بحده وموضوعٍ تـــــــلا

وواضــــــعٍ ونِسْبةٍ وما استمدّْ

منه وفضلِه وحكمٍ يُعتمـــــــدْ

واســـــــمٍ وما أفادَ والمسائلْ

فتلك عشرٌ للـمُـنى وســـــائلْ

وبعضُهم منها على البعض اقتصرْ

ومَـــن يكنِ يدري جميعَها انتصرْ

حَدُّه (تعريف علم الفقه):

الفقه في اللغة: العلم بالشيء والفهم له والفطنة، ومنه قوله تعالى:”قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُول”[1] وقوله سبحانه وتعالى:”فَمَا لِهَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا”[2].

وقيل: الفقه هو الفهم العميق و إدراك الأشياء الخفية[3]. قال ابن القيم: “الفقه أخصُّ من الفهم، وهو فهمُ مُراد المتكلم من كلامه، وهذا قدْرٌ زائد على مجرّد وضع اللّفظ في اللّغة”[4].

وقال ابن حجر: “يقال فَقُهَ -بالضمة- إذا صار الفقه له سَجِيّةً، وفَقَه -بالفتح- إذا سبق غيره إلى الفهم، وفَقِهَ -بالكسر- إذا فهم”[5].

وقد وردت مادة “ف، ق، هـ” في القرآن الكريم عشرين مرة في عشرين آية، بمعنى الفهم في أكثرها[6].

أما في الاصطلاح، فله معنيان[7]:

‑ معنى عند المتقدمين[8]: وهو ما نصَّ عليه الإمام أبو حنيفة (ت150هـ) في تعريفه للفقه بأنه:” معرفة النّفْس ما لها وما عليها”. وهذا تعريف للفقه الأكبر الذي يشمل أحكام الشريعة كلها على اختلاف أنواعها.

‑ معنى عند المتأخِّرين: وهو ما رامَه تلامذة الإمام أبي حنيفة عندما أضافوا كلمة “عملا” إلى تعريف إمامهم، في إشارة منهم إلى اقتصار الفقه على الأحكام العملية دون غيرها من أحكام العقيدة والسلوك والوجدان فأصبح التعريف” معرفة النفس ما لها وما عليها عملا “.

ولعلّ أشملَ وأشهر التعاريف العلمية للفقه والمعبرة عن هذا المعنى الثاني هو تعريف الإمام الشافعي- رحمه الله – (ت 204 هـ ) و مفاده أن الفقه هو:  ” العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية”. أو هو”مجموعة الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية[9]

وسأقف قليلا مع هذا التعريف لبيان مشمولاته ومحترزاته.

العلم:

هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا.

والمقصود بالعلم في التعريف هو الإدراك الذي يتناول العلم والظنّ معا[10].

‑ الأحكام الشّرعية العملية:

الأحكام جمع حُكم، ومعناه في اللغة المنع. قال الشاعر:

أبني حنيفة أحكِموا سفهاءكم    إني أخاف عليكم أن أغضبا

ومعناه في الاصطلاح: إثبات أمر لآخر أو نفيُه عنه بواسطة، وأقسامه ثلاثة: عقلي، وعادي، وشرعي.

فالحكم الشّرعي له معنيان، معنىً عند الأصوليين ومعنىً عند الفقهاء.

فهو عند الأصوليّين: “خطابُ الله تعالى المتعلّق بأفعال المكلَّفين بالاقتضاء أو التّخيير أو الوَضْع”. وينقسم إلى قسمين، وهما: الحكم التّكليفي والحكم الوضعي.

‑ الحكم التّكليفي: هو ما اقتضى طلَبَ فِعْلٍ من المكلّف، أو كَفِّه عن فِعْل، أو تخييره بين الفعل والكفّ.

وأنواعه خمسة، وهي: الواجب، والمندوب، والمحرم، والمكروه، والمباح.

‑ الحكم الوَضْعي: هو ما اقتضى وَضْعَ شيء سببا لشيء، أو شرطا له، أو مانعا منه.

واختلف الأصوليُّون في العزيمة والرُّخصة، فمنهم من جعلهما من أقسام الحكم التكليفي، ومنهم من جعلهما من أقسام الحكم الوضعي.

والعزيمة في المعنى الشّرعي: ما شُرِع ابتداءً على وجه العموم، أوهي بتعبير آخر: الحكم الثّابت من غير مخالفة دليل شرعي. وقد شُرعت أساساً لِتَكون نظاماً عاماً لجميع المكلّفين في جميع الأحوال، مثل الصّلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وغيره من التنظيمات والتشريعات التي تُحقِّق مقاصد الإسلام في صيانة الدِّين، وحفظ النَّفس، والعقل، والنَّسل، والمال…

والرُّخصة: ما شُرع من الأحكام بقصد التّخفيف عن المكلّفين، في أحوال وأعذار خاصة تقع لهم.

وقد يكون الأخذ بالرخصة واجبا كالفطر للمريض الذي لا يستطيع الصيام، والمسح على الجبيرة لمن يخشى تَلَف عضو أو هلاكه، وقد يكون مندوبا كقَصْر الصّلاة للمسافر، وقد يكون مباحا كإبرام العقود التي جاءت على خلاف الأصول كعقد السَّلَم مثلا.

وقد وضع العلماء ضوابط للتّعامل مع الرّخصة الشرعية، ومنها عدم جواز القياس على الرّخص، وعدم جواز التّرخيص للعاصي…

ورُخَصُ الشّرع هي غير رُخَصِ الفقهاء، ولا يجوز تتبُّع رخص الفقهاء واختيار الأهون والأسهل من كلّ مذهب، لأن ذلك يؤدي إلى التحلّل من الشّريعة، ويناقض مقصد الشارع في إخراج المكلّف عن داعية هواه.

أما الفقهاء فالحكم الشّرعي عندهم هو: الأثَرُ المترتّب على خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا، أي: ما يَثبُت لأفعال المكلَّفين من وجوب أو نَدْب، أو حِرمة أو كراهة، أو إباحة، أو صحَّة أو فساد أو بُطلان.

وقُيِّدت الأحكام بكونها شرعيَّة للدّلالة على مصدرها وهو الشرع الحكيم. وهذا القيد يخرج الأحكام العقلية كالعلم بأن الكلَّ أكبرُ من الجزء… والأحكام الحسّية كالنّار مُحرقة… والأحكام العادية كالسمّ قاتِل…، والأحكام اللغوية أو الوضعية كالفاعل مرفوع…

وقيِّدت الأحكام بالعمَليّة للاحتراز عن الأحكام الاعتقادية كالله سبحانه واحد، سميع، عليم…والأحكام الأخلاقية كالعَفْوُ عند المقدرة…

‑ المكتسَبُ من الأدلّة التّفصيلية:

ويُشترَط في العلم بالأحكام الشرعية العملية أن يكون مُكتسبا– أي: مُستفادا مِن الأدلة التفصيليَّة – بطريق النّظر والاستدلال. وبهذا الشرط يخرج العلم غير المكتسب كعِلم الله سبحانه وتعالى وعلم الرّسول صلى الله عليه وسلم والعلم اللّدُني، وكذا علم المُقلِّد، فكل ذلك لا يُعتبَر في الاصطلاح فقهًا، ولا يُسمى صاحبها فقيهًا[11].

والأدلّة التفصيلية: هي الأدلة الجزئية التي يتعلَّق كل منها بمسألة معينة فتخرج الأدلة الإجمالية التي هي مجال النظر الأصولي.

 موضوعه:

هو فِعْلُ المكلَّف من حيثُ ما يَثبُت له مِن الأحكام الشرعية .

ثمرته (فائدته):

امتثال أوامر اللّه واجتناب نواهيه، وهي حقيقة التّقوى، وبها تحصل سعادة الدّارين.

فضله:

تَشرُف العلوم بشَرَف موضوعاتها، ولا شكّ أن معرفة الحلال والحرام، ومعرفة ما تصحُّ وتتِمُّ به العبادة والمعاملة يُعَدّ من أشرف ما ينبغي تعلمه، بعد معرفة الله تعالى وما يجب له من توحيد خالص ، ومعرفة أركان الإيمان ولوازمه التي اختصّ بها علم أصول الدين. وقد دَلّت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة على ذلك.

نسبته:

نسبة علم الفقه إلى العلوم الشرعية، من أصول فقه، ولغة، وحديث وتفسير…هي التّبايُن.

واضعه:

واضع الفقه هو سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الذي علّمه ربّه تعالى ما لم يعلم، ثم علّم أصحابه وأمّته، وأما مُظْهِر الفقه فهم الأئمّة المجتهدون، وأوّل من ألَّف فيه إملاءً هو الإمام زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، ثم ألّف فيه تلميذه الإمام المجتهد أبو حنيفة النعمان(ت150هـ) رحمه اللّه تعالى.

اسمه:

علم الفقه، أو علم الأحكام الشرعية، أو علم الحلال والحرام، أو الفقه الأصغر، أو فروع الدين.

 استمداده:

من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وغيرها من مصادر التشريع المعتبرة. 

حكم الشارع فيه:

الوجوب العَيْنِي: في القَدْرِ الذي تتوقف عليه صحة العبادة كالطهارة والصلاة والصيام، وصحة المعاملة كالبيع والنكاح.

الوجوب الكِفائِي: في ما زاد على ذلك إلى بلوغ مرتبة الفتوى.

النّدب: فيما زاد على مرتبة الفتوى.

 مسائله:

هي قضاياه التي يبحث فيها وهي كثيرة، وبعضهم حصرها في أربع، وهي: العبادات، والمعاملات، والمناكحات، والجنايات. وعلل ذلك بقوله:” ووجه الحصر: أن المقصود من بعثة الرّسل انتظام أحوال العباد في المبدأ والمعاد، ولا يتم ذلك إلا بتمام قواهم النُّطقية، أي: القوّة العاقلة، والشَّهوية، والغضبية، ولا تتم تلك القوى إلا ببيان الأحكام المتعلقة بها، فالأحكام المتعلقة بالقوة النطقية هي العبادات، والأحكام المتعلقة بالقوة الشهوية إن كانت شهوة فَرْج فهي المناكحات، وإن كانت شهوة بطن فهي المعاملات، والأحكام المتعلقة بالقوة الغضبية فهي الجنايات”[12].


[1] سورة هود، الآية:91

[2] سورة النساء، الآية: 77

 [3]انظر: محمد ابن منظور، لسان العرب مادة (فقه)، الطبعة الأولى 1410، مطبعة صادر- بيروت.

[4] ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين 1/219، تحقيق طه سعد، دار الجيل- بيروت 1973م

[5] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري 1/164- 165، دار المعرفة – بيروت، 1379هـ

[6] انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ص 525

[7] انظر: الغزالي، المستصفى ص5، تحقيق محمد عبد السلام، دار الكتب، العلمية، ط1، 1413هـ. الشوكاني، إرشاد الفحول ص 17 تحقيق محمد البدري، دار الفكر – بيروت، ط1، 1412هـ. ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام 5/119 دار الحديث، القاهرة، ط1، 1404هـ

[8] انظر: البخاري، كشف الأسرار1/11، تحقيق عبد الله عمر، دار الكتب العلمية ط1، 1418هـ

[9] انظر: السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج 1/28، تحقيق جماعة من العلماء، دار الكتب العلمية ط1، 1404هـ ، وانظر: الجرجاني، التعريفات ص216، دار الكتاب العربي،ط1 1405هـ

[10] مراتب الإدراك ستٌّ، وهي: العلم، والجهل البسيط، والجهل المركّب، والوهم، والشكّ، والظنّ.

فإدراك الشيء إدراكا جازما يسمّى علما، وعدم الإدراك بالكلية يسمّى جهلا بسيطا، وإدراك الشّيء على وجه يُخالف ما هو عليه يسمّى جهلا مركّبا، و إدراك الشيء مع احتمال ضدٍّ راجِح يسمّى وَهْمًا، وإدراك الشيء مع احتمال ضدٍّ مُساوٍ يسمّى شكًّا، وإدراك الشيء مع احتمال ضدٍّ مرجوح يسمّى ظنًّا.

[11] فالفقيه أصالة هو المجتهد، لكن شاع عند الفقهاء اعتبار من يحفظ أقوال الفقهاء ويحسن فهما فقيها أيضا.

[12] انظر: علي رجب الصالحي، تحقيق مبادئ العلوم الأحد عشر، ص 94‑ 95، تحقيق إلياس قبلان، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى 2009م

وهناك من يفصل في مسائل الفقه فيعد منها سبعة أبواب، وهي كالتالي:

– أحكام العبادات: الأحكام المتعلِّقة بالشعائر الدينيَّة من صلاة، وصيام، وزكاة، وحجٍّ.

-أحكام الأسرة: مِن نكاح، وطلاق، ونسَب، ونفقة، وميراث، ووصايا.

-أحكام المعاملات: الأحكام المتعلِّقة بأفعال الناس وتعاملهم في الأموال والحقوق وفصْل المنازعات.

– السياسة الشرعية: الأحكام المُتعلِّقة بالحاكم و الرعية، وبالحقوق والواجبات المتقابلة بينهما.

– أحكام الجنايات: الأحكام المتعلِّقة بعقاب المجرمين، وضبط النظام الداخلي بين الناس.

-أحكام العلاقات الدولية: الأحكام التي تُنَظِّم علاقة الدولة بالدول المُجاورة في حالتي السلم والحرب، وتسمى في كتب الفقه بالسِّيَر.

-أحكام الآداب: الأحكام المتعلِّقة بالحِشمة، والأخلاق، ومحاسِن الخِلال ومساوئها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.