منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مواكب المصلين

مواكب المصلين/ د.عبد الصمد رضى

1

مواكب المصلين

د.عبد الصمد رضى

 

سجَّل فجر الوجود المشهد الأزلي لبدء التكريم والاصطفاء، مشهد السجود الملائكي للمخلوق من طين في أحسن تقويم، المنطوي على نفخة روحية ربانية طاهرة، والدنا الأول آدم عليه السلام.

حاز  والدنا الكبير شرف التكريم عند الله تعالى، إذ خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، واسجد له ملائكته(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا( (الكهف 50(.

فاز أبونا عليه السلام بحسن الإقامة مع زوجه أمنا حواء في الجنة حيث الرغد والمدد، حيث العطاء والمزيد، رب كريم، وزوج مصون، ومقام مكين، ذاك هو العطاء المبين، قال الحق سبحانه:(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ(البقرة35.

تنزيل كتاب وأقم الصلاة لذكري للدكتور عبد الصمد الرضى

انبثق فجر الزمان عن قبول التوبة بعد الزلة، زلة الأكل من الشجرة المحرمة، وتوبة المولى الرحيم، توبة أولها المَنُّ الرباني بإلهام كلماتها، يقول سبحانه:(فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(البقرة37.

والدنا الأول آدم عليه السلام لما ألح بالدعاء والصلاة بما علمه المولى الكريم، هو وزوجُه؛ الأم الحنون، أن يقبل التوبة ويعفو عن الزلة، تبسمت له آمال الانعتاق من أسر الذنوب، وقيود الهبوط، فانطلق لسانهما بالكلمات الربانية بكل خشوع وخضوع، قال جل وعلا (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) الأعراف23

آمال الانعتاق من أسر الذنوب اقتضت زيادة من الكريم الوهاب، الذي كلما تقرب إليه العبد شبرا، تقرب أليه ذراعا تكرما منه وتفضلا. فكان التشريف ببناء أول مسجد يُصلى فيه ويُتعبد فيه، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: ” المسجد الحرام ” قلت: ثم أي؟ قال:” المسجد الأقصى”. قلت: كم بينهما؟ قال : ” أربعون سنة “. قلت: ثم أي ؟ قال: ثم حيث أدركت الصلاة فصلِّ، فكلها مسجد [1]

انبثق فجر الزمان عن الانطلاقة الأولى لمواكب المصلين بأوبة والدينا الكريمين إلى الله تعالى، وبقبول المولى منهما والرضى عنهما، ثم كانت منهما الحسنة الجارية الدائمة بناء المسجد الأول للصلاة لتنطلق، مواكب المصلين عبر الزمان إلى البعثة العظمى، بعثة أشرف المخلوقين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لتعم بركة البناء الأول فتصير الأرض كلها مسجدا وطهورا تفرح لسجود المواكب الطائعة الراكعة، مواكب المنعم عليهم، مواكب المصلين.

الصلاة بالنسبة للمواكب النورانية هدية ربانية، ومسؤولية بشرية، من أهم وظائف النبوة إقامتها والدعوة إليها، والتوصية بها، يورثها السابقون للاحقين وبها يوصون، يدعون في خلواتهم وجلواتهم ببقائها في الزمن، ولذلك يسعون.

هذا نبي الله تعالى سيدنا ابراهيم عليه السلام يرفع القواعد التي اندرَست من أول مكان يصلَّى فيه، وهو يتضرع للمولى الكريم أن يجعل من ذريته من يحافظ على الصلاة يبقيها في الدنيا قائمة )الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ) ابراهيم39  (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ)  ابراهيم 40

وها هو سيدنا موسى عليه السلام يتلقى الخطاب الرباني بإقامة الصلاة إحياء لذكر المولى المجيد ( إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)  طه14

وهذا الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل يعلن إقامة الصلاة  بندا هاما من بنوده، (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ  ). البقرة83

قص علينا الله تعالى قصصهم في القرآن الكريم، سيدنا إدريس، ونوح، وهود، وصالح، ولوط، وإبراهيم، وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وشعيب، وأيوب، وذا الكفل ويونس، وموسى بن عمران، وهارون، وإلياس، واليسع، وداود، وسليمان، وزكريا، ويحيى، وعيسى بن مريم، عليهم سلام الله جميعا.

ومن غيرهم كثير لم يقصص علينا خبرهم، مدحهم سبحانه وتعالى:(أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) مريم 58.

ومن ضيع هذه الأمانة العطِية، المسؤولية الهدية، فقد محا اسمه من لائحة المواكب النورانية، مواكب المصلين، قال تعالى:(فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) مريم 59.

ولقد ربط الله تعالى بين المبشرات العظيمة وبين الصلاة في كثير من القصص.

مريم العذراء الطاهرة العفيف عنوان شرف النساء في القرآن الكريم، أوتيت الرزق الوفير، وهي في محراب الصلاة تناجي ربها الوهاب، قال جل شأنه:(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)آل عمران37.

استثمر النبي زكريا عليه السلام الحال الرباني ليتضرع للمولى الوهاب راجيا الذرية الطيبة فكانت البِشَارة في المحراب، قال تعالى:( فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) آل عمران 39.

توارثت مواكب المصلين هذه العطية الهدية جيلا بعد جيل، رجالا ونساء، فرادى وجماعات، منهم من بنى مساجد ومصليات، ومنهم من أعلن صلاته، ومنهم من أخفاها، كلٌّ وما تيسر الله.

والأرض على ذلك شاهدة والسماء، والمولى الكريم لا يضيع أجر المحسنين، حتى جاء الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، ليعلن الأرض مسجدا وطهورا، ولتصبح الشعيرة العظيمة محتضنة من الأصل الذي جاء منهم المصلون، تبكي لانقطاع صلاتهم فوقها هي والسماء، وتفرح بهم حين الرجوع إليها فتضمهم ضم الأم الحنون لوليدها كما السماء تفرح بصعود أعمالهم الطيبة (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) فاطر10، ولا تبكي لا هي ولا السماء على غير المصلين:(فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ) الدخان29.

كل ذلك ولمَّا تفرض الصلوات الخمس على الهيئة المعروفة[2] بعدُ. إنما كانت الصلوات الخمس على ما هي عليه اليومَ بعد الإسراء والمعراج، فسبحان الذي أسرى بعبده، وصلى الله وسلم على من ناداه مولاه:( كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب) العلق19


[1] تفسير القرآن العظيم لابن كثير

 [2] قال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: «ذَهَبَ جَمَاعَة إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْل الإِسْرَاء صَلاة مَفْرُوضَة إِلاَّ مَا كَانَ وَقَعَ الأَمْر بِهِ مِنْ صَلاة اللَّيْل مِنْ غَيْر تَحْدِيد، وَذَهَبَ الْحَرْبِيُّ إِلَى أَنَّ الصَّلاة كَانَتْ مَفْرُوضَة رَكْعَتَيْنِ بِالْغَدَاةِ وَرَكْعَتَيْنِ بِالْعَشِيِّ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيّ عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّ صَلاة اللَّيْل كَانَتْ مَفْرُوضَة ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى” (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)، فَصَارَ الْفَرْض قِيَام بَعْض اللَّيْل، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْس»  ج2 ص45

تعليق 1
  1. ابراهيم يقول

    ماشاء الله جزاكم الله خيرا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.