منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الوعد بيـن الخيار والإلزام

الوعد بيـن الخيار والإلزام/ د. محمد جعواني

0

الوعد بيـن الخيار والإلزام

د. محمد جعواني

 

من كتاب “الصيغ التمويلية في البنوك التشاركية، دراسة فقهية تأصيلية”،

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

 

جاء في المادة 11 السابقة: « يمكن أن يسبق عقد المرابحة وعد أحادي بالشراء من طرف العميل ملزم له بمجرد امتلاك المؤسسة للعيـن».

وجاء في المادة 14: «لا يجوز أن يقترن الوعد الأحادي بالشراء الصادر عن العميل بوعد ملزم بالبيع صادر عن المؤسسة لفائدة العميل».[1]

المزيد من المشاركات
1 من 18

من الأدلة التي استدل بها المانعون لبيع المرابحة للآمر بالشراء كونه تضمن وعدا ملزما للمتعامل، والوعد لا إلزام فيه قضاءً.

واختار المشرع المغربي القول بالوعد الأحادي الملزم بالشراء في حق العميل بمجرد تملك المؤسسة للمبيع، بيـنما اختار عدم الإلزام بالبيع في حق المؤسسة (البنك) بعد التملك. وذلك حذرا من الوقوع في المواعدة الملزمة من الطرفيـن، والتي تتنزل منزلة العقد فتؤدي إلى بطلانه لعلة عدم تملك البنك للعيـن أثناء المواعدة.

وسنقف في هذه المسألة مع الوعد، بيانا لمفهومه وأحكامه.

مفهوم الوعد وأحكامه:

مفهوم الوعد: الوعد في اللغة:[2] مصدر، من وَعد يعِد عِدةً ووَعداً، ويطلق على العهد. وفي الاصطلاح: إخبار عن إنشاء المخبر معروفا في المستقبل.[3]

حكم الوعد: اختلف الفقهاء في حكم الوعد (العدة) على ثلاثة أقوال، وهي:

  • الأول: لجمهور الفقهاء، ومفاده أن الوفاء بالوعد مطلوب ديانة لا قضاء.
مقالات أخرى للكاتب
1 من 14

قال ابن عبد البر: «وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي وعبيد الله بن الحسيـن وسائر الفقهاء: أما العدة فلا يلزمه فيها شيء لأنها منافع لم يقبضها في العارية لأنها طارئة، وفي غيـر العارية أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض، ولصاحبها الرجوع فيها».[4]

ودليلهم: أنَّ الالتزام بالعهد من مكارم الأخلاق، وأن الخُلف بالعهد من صفات المنافقيـن لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان».[5]

وللتحذيـر من الوقوع في الخلف بالعهد في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّها الذيـن آمَنُوا لِمَ تقُولونَ ما لا تفعلُون كَبُر مقْتًا عِند اللهِ أَن تقولُوا ما لا تفعَلُون﴾[الصف،2-3[.

  • الثاني: لفقهاء المالكية، حيث اعتبـروا الوعد ملزما قضاءً إذا ذُكر فيه سبب ودخل الموعود تحت التزام مالي بمباشرة ذلك السبب.[6]

قال سحنون: الذي يلزم من الوعد، قوله: اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبني به، أو أخرج إلى الحج وأنا أسلفك، أو اشتر سلعة، أو تزوج امرأة، وأنا أسلفك، لأنك أدخلته بوعدك في ذلك، أما مجرد الوعد فلا يلزم الوفاء به، بل الوفاء به من مكارم الأخلاق. وقال أصبغ: يقضى عليك به تزوج الموعود أم لا، وكذا أسلفني لأشتري سلعة كذا لزمك، تسبب في ذلك أم لا. والذي لا يلزم من ذلك أن تعده من غيـر ذكر سبب، فيقول لك أسلفني كذا فتقول نعم…وإن وعدت غريمك بتأخر الديـن لزمك، لأنه إسقاط لازم للحق سواء قلت له أؤخرك أو أخرتك، وإذا أسلفته فعليك تأخيـره مدة تصلح لذلك».[7]

وقال القرافي موجها للأدلة: [8]» وجه الجمع بيـن الأدلة المتقدمة التي يقتضي بعضها الوفاء به، وبعضها عدم الوفاء به، أنه إن أدخله في سبب يلزم بوعده لزم كما قال مالك وابن القاسم وسحنون، أو وعده مقرونا بذكر السبب كما قاله أصبغ لتأكد العزم على الدفع حيـنئذ، ويحمل عدم اللزوم على خلاف ذلك». والمعتمد في مذهب الأحناف أن الوعد إذا كان مُعَلَّقَا على شرط يصبح لازم الوفاء به، فالقاعدة الفقهية عندهم: «المواعيد بصورة التعاليق تكون لازمة».[9]

  • القول الثالث: لجمع من أهل العلم، منهم الصحابي الجليل سمرة بن جندب والإمام الحسن البصري، والخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، والقاضي ابن الأشوع والفقيه ابن شبرمة، وغيـرهم. ومفاد هذا القول وجوب الوفاء بالوعد مطلقا.[10]

وترجم الإمام البخاري في كتاب الشهادات من الصحيح «باب من أمر بإنجاز الوعد» وذكر منهم بعضا ممن ذَكرنا، ثم أورد أربعة أحاديث في الباب.[11]

وقال ابن شبرمة: « الوعد كله لازم، ويقضى به على الواعد ويجبر».[12]

وقال ابن الشاط معقبا على قول القرافي في الفروق: «الصحيح عندي: القول بلزوم الوفاء بالوعد مطلقا، فيتعيـن تأويل ما يـناقض ذلك».[13]

هذا عن الوعد الأحادي التبـرعي (العِدَة)، الذي خصّه الفقهاء بـ»إنشاء معروف في المستقبل».

أما الوعد التجاري أو الوعد في المعاوضات- وهو المقصود في «المرابحة»- فيعبر عنه الفقهاء بـ»المواعدة» تمييزا له عن الوعد الخيـري الأحادي.

قال العلامة الحطاب: «المواعدة أن يعد كل واحد منهما صاحبه بالتزويج فهي مفاعلة، لا تكون إلا من اثنيـن، فَإِنْ وعد أحدهما دون الآخر، فهذه العدةُ».[14]

ولم يـنقل عن الفقهاء القول بالإلزام في المواعدة، بيـنما نجد المعاصريـن اختلفوا في حملها على الخيار أو حملها على الإلزام، واستصحبوا الخلاف الذي سبق إيـراده في الوعد الخيـري التبـرعي (العدة).

فمجمع الفقه الإسلامي رجّح رأي المالكية، فقرر أن الوعد يكون ملزما للواعد ديانة إلا لعذر، وهو ملزم قضاء إذا كان معلقا على سبب ودخل الموعود في كلفة نتيجة الوعد. ويكون الإلزام إما بتنفيذ الوعد وإما بالتعويض عن الضرر الفعلي[15]

واختارت معاييـر «الأيوفي» الرأي نفسه حيث اعتبـرت الوعد خارجا عن لوازم المرابحة والاتفاق العام، وأن «المواعدة» بيـن الطرفيـن يـنبغي أن لا تكون ملزمة، ويشترط فيها الخيار لهما أو لأحدهما.[16]

لكن إذا ارتبط الوعد بسبب ودخل الموعود في كلفة نتيجة ذلك الوعد يصبح ملزما قضاءً، ومن ذلك وَعْدُ الآمر بالشراء في المرابحة.[17]

الخلاصة:

اختار المشرع المغربي في مسألة الوعد الأخذ بالرأي القائل بالإلزام في حق المتعامل بعد تملك البنك للعيـن، تقليلا للمخاطر وجبرا للضرر الواقع، واستئناسا بقول المالكية القائل بالإلزام عند دخول الموعود في التكلفة بسبب الوعد، والذي رجحه المجمع الفقهي. كما أن المشرع اعتبـر الوعد من المؤسسة غيـر ملزم، احتياطا من الوقوع في المواعدة الملزمة من الطرفيـن، والتي تعدّ بمثابة العقد، فيؤول الأمر إلى بطلان المعاملة لتضمنها بيع ما لا يملك.

لكن، عندما نتأمل المادة 12 نجدها تتحدث عن التزام ناشئ عن الوعد، وأنه يحق للمتعامل في حال عدم الوفاء من المؤسسة مطالبتها بالتعويض عن الضرر الذي لحق به بشرط إثباته.[18] فهو إذن «التزام» وإن لم يُصرَّح باعتباره وعدا ملزما.

ولذلك، رأى د. نزيه حماد أن التكييف الدقيق والصحيح للمرابحة هو أنها مواعدة ملزمة للطرفيـن بشرط تملك المؤسسة للعيـن. فهي بيع معلق بشرط.[19]

من كتاب “الصيغ التمويلية في البنوك التشاركية، دراسة فقهية تأصيلية”،

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي


[1]–  انظر: منشور والي بنك المغرب، الجريدة الرسمية، عدد 6548، ص584

[2]–  انظر: القاموس المحيط، مادة (وعد)، مختار الصحاح مادة (وعد).

[3]–  انظر: حدود ابن عرفة مع شرح الرصاع 2/560

[4]–  التمهيد 3/209، وانظر: المحلى لابن حزم 8/28، تحريـر الكلام للحطاب ص 154

[5]–  رواه البخاري في الصحيح، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق.ح(33)، ورواه مسلم في الصحيح، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق.ح(59)

[6]–  في المذهب أقوال أربعة. مشهورها ما ذكرته. انظر: فتاوي عليش 1/239-242

[7]–  انظر: الفروق 4/1141 – 1142

[8]–  خص الإمام القرافي المسألة بفرق خاص. انظر: الفروق 4/1138- 1142.كما تناول العلامة عليش المسألة بتفصيل في فتاويه. انظر: فتاوى عليش 1/239- 242

[9]–  انظر: درر الحُكَّام شرح مجلة الأحكام ص 87

[10]–  انظر: تحريـر الكلام في مسائل الالتزام للحطاب ص 154

[11]–  انظر: فتح الباري 5/290

[12]–  انظر: المحلى لابن حزم 8/28

[13]–  انظر: إدرار الشروق على أنواء الفروق، مطبوع بهامش الفروق 3/57

[14]–  مواهب الجليل 3/413

[15]–  انظر: مجلة المجمع، العدد الخامس، الجزء الثاني ص 753 و ص965

[16]–  المعاييـر الشرعية ص 205 – 206

[17]–  المعاييـر الشرعية ص 1190 – 1191- 1194

[18]–  انظر: منشور والي بنك المغرب، ص 5، الجريدة الرسمية، عدد 6548

[19]–  انظر بحثه القيم «التعليق بالشرط في عقدي البيع والهبة وأثره في تطويـر منظومتي المرابحة للآمر بالشراء والإجارة المنتهية بالتمليك» ص 35-36، المقدم لمؤتمر شورى الفقهي2017.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.