منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أرض الميعاد التوراتية ـ بداية نهاية الكذبة الصهيونية ـ

الدكتور مصطفى العلام

0

تقديم

في نهاية شهر رمضان من سنة 1442ه، عادت قضية فلسطين المحتلة إلى واجهة الأحداث، بداية بمحاولة تهجير سكان حي الشيخ جراح والاقتحامات المتكررة للصهاينة لباحات المسجد الأقصى المبارك، وانتهاء بحرب شنها جيش الاحتلال الصهيوني على غزة المحاصرة لأزيد من أربعة عشر سنة، استشهد خلالها أطفال ونساء، وخلفت دمارا هائلا في البنيات التحتية والصحية والإعلامية وغيرها،وخرجت منها المقاومة الفلسطينة مرفوعة الرأس ومحققة نصرا مبينا على الصهاينة المحتلين لأرض فلسطين. كل هذه الأحداث جعلت بعض الصهاينة يتساءلون عن حقيقة وجودهم في هذه الأرض الفلسطينية، وبدأ البعض منهم يدرك أنهم كانوا ضحية كذبة صهيونية كبرى بدأت المقاومة بفضحها أمام مرآى ومسمع العالم كله.

فما حقيقة أرض الميعاد التوراتية؟ وماهي حدودها؟ ومامدى ارتباطها في الفكر الديني اليهودي بمملكة يهوذا الضائعة؟ وكيف استغلت الحركة الصهيونية النصوص الدينية التوراتية لتحقيق مشروع احتلالها لأرض فلسطين؟ وهل بدأت فعلا نهاية هذه الكذبة الصهيونية الكبرى لأرض الميعاد التوراتية؟

1ـ مصطلحات أرض الميعاد التوراتية:

وقد استخدم اليهود عدة مصطلحات للدلالة على أرض الميعاد مثل:

المزيد من المشاركات
1 من 31

ـ “ارتس يسرائيل” The Land(Eretz): أي أرض إسرائيل. »فالأرض : هي المقابل العربي لكلمة”ارتس” العبرية التي ترد عادة في صيغة” إرتس يسرائيل ” أي ” أرض إسرائيل” »  [1]

 ـ” أرض التوراة “: على اعتبار أنها الأرض التي نزلت فيها التوراة، لكن بعض الباحثين يرون التوراة نزلت باليمن وغيرها من الأماكن الأخرى التي لاتشملها أرض الميعاد المزعومة.

ـ “أرض الرب”: أي الأرض المقدسة التي يقطن بها الرب (فَقَالُوا لَهُ: «مِنْ أَرْضٍ بَعِيدَةٍ جِدًّا جَاءَ عَبِيدُكَ عَلَى اسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ) [2].

ومن خلال هذه المصطلحات لم تعد أرض الميعاد التوراتية أرضا عادية كباقي الأراضي الأخرى. وإنما أصبحت فكرة لاهوتية سكنت العقيدة اليهودية الأصولية ولم تعد تفارقها، فهي منحة من الله حسب هذا الاعتقاد ( لأنها منحة من الله وردت في التوراة، وليست منحة من أحد ) [3].

2 ـ أرض الميعاد التوراتية:عهد بين الرب وإبراهيم عليه السلام ونسله من بعده:

وهي عهد بين الله وإبراهيم ـ عليه السلام ـ ونسله من بعده، تنتقل بموجب هذا العهد إلى إسحاق ويعقوب والأسباط وموسى …( وَالأَرْضُ الَّتِي أَعْطَيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ، لَكَ أُعْطِيهَا، وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أُعْطِي الأَرْضَ». ) [4]. ويلاحظ إقصاء سيدنا إسماعيل عليه السلام ونسله من بعده من مسألة إرث وبركة أرض الميعاد، على اعتبار أن النظرة العنصرية اليهودية ترى أنه خرج هو وأمه هاجر مطرودا منها فلاحق لهم فيها، وأن الإرث كله من حق إسحاق عليه السلام فقط.

3 ـ حدود أرض الميعاد التوراتية:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 19

ـ أرض الميعاد التوراتية سكن فيها الكنعانيون والفلسطينيون قبل اليهود:

إن القارئ لأسفار العهد القديم  ليلفت انتباهه المساحة الكبيرة المخصصة للأرض. فحسب هذه الأسفار فإن سيدنا إبراهيم خرج من موطنه وموطن وعشيرته ليملك أرض كنعان بصفة دائمة ، وكل هذا تنفيذا لعهد ووصية الرب . وحسب مزاعم التوراة، فإن  إبراهيم عليه السلام وأبنائه من بعده كان همهم الأكبر هو الحصول على الأرض وامتلاكها. ولكن الحقيقة أن هذه المزاعم لا تعدو أن تكون مجرد ادعاءات وافتراءات لا تقوم على أساس متين.

كما أن معظم المراجع التاريخية تشير إلى أن الكنعانيين والفلسطينيين كانوا يسكنون أرض كنعان قبل دخول اليهود إليها بقرون، أما اليهود فقد دخلوا هذه الأرض في ( زمن ” تل العمارنة ” أي حوالي 1400 ق.م. وجاء في رسالة إلى الفرعون “اخناتون” على فلسطين ، المسمى” عبيدي خيبا” ما يلي:أخذ الفلسطينيون يهاجرون رعبا من فضائح بدو” الخابيري ” ) [5].

ـ ادعاء أن أرض الميعاد التوراتية من نهر مصر الكبير إلى نهر الفرات:

يعد ابن حزم ـ رحمه الله ـ من بين أهم نقاد التوراة تاريخيا المطلعين على خفاياها ، بما عرضه في كتابه ” الفصل في الملل والأهواء والنحل” من نقد فاحص لأسفارها، وعرضها على الحقائق والسجلات التاريخية فتبين له من خلالها بطلانها وعدم توافقها.

ـ ومثال ذلك ما جاء في سفر التكوين الإصحاح ( 15 الآية 18- 19 ) من أن نسل إبراهيم يملكون من النيل إلى الفرات (( فِي ذلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلًا: «لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ.)).

فيقول ابن حزم ناقدا: « وهذا كذب وشهرة من الشهر، لأنه إن كان عنى بني إسرائيل، وهكذا يزعمون فما ملكوا قط نهر مصر، وعلى نحو عشرة أيام منه شبرا مما فوقه، وذلك من موقع النيل إلى قرب بيت المقدس، وفي هذه المسافة الصحارى المشهورة الممتدة، والحضار، ثم ” رفح ” و”غزة ” و” عسقلان ” و “جبال الشراة ” التي لم تزل تحاربهم طول مدة دولتهم، وتذيقهم الأمرين إلى انقضاء دولتهم، ولا ملكوا قط من الفرات ولا عشرات أيام منه، بل بين آخر حرز بني إسرائيل إلى أقرب مكان من الفرات إليهم نحو تسعين فرسخا فيها ” قنسرين ” و ” حمص ” لم يقربوا منها قط، ثم ” دمشق ” و ” صور ” و ” صيدا ” التي يزال أهلها يحاربونهم، ويسومونهم الخسف طول مدة دولتهم بإقرارهم ونصوص كتبهم، وحاشى لله عز وجل أن يخلف وعده في قدر دقيقة من سرابه فكيف في تسعين فرسخا في الشمال ونحوها في الجنوب.» [6]. ففي مسألة إعطاء نسل إبراهيم من النيل إلى الفرات ملكا أبديا كما جاء في سفر التكوين الإصحاح 15 الآية: 18 – 19، ومدى موافقته للحقائق التاريخية يصح أحد أمرين: إما أن الله قد وعد بني إسرائيل حقا وخلف وعده وهذا محال في حق الله تعالى، أو أن مؤلف التوراة قد ألف هذا السفر تبعا لأمانيه وأطماعه في امتلاك هذه الأرض ومنحه لنفسه المشروعية في حيازتها والاستحواذ عليها؟ǃ.

ومن الأحزاب الإسرائيلية التي تتبنى فكرة أن أرض الميعاد التوراتية ممتد من النيل إلى الفرات، نجد حزب المفدال( الحزب القومي الديني) الذي يعتبر « من أهم الأحزاب الإسرائيلية التي تنادي بما يسمى “وحدة التوراة والشعب والأرض”. ويتمسك بالمبدأ الأساسي للصهيونية الدينية وهو” أرض إسرائيل لشعب إسرائيل في ضوء التوراة”. وفي إطار هذه الإديولوجية المتطرفة يرفض حزب المفدال فكرة قيام الدولة الفلسطينية».[7] ولذلك فإن هذا الحزب وغيره من الأحزاب الدينية والصهيونية تتبنى سياسة الاستيطان لأنها السياسة الوحيدة التي تؤدي إلى تحقيق فكرة أرض الميعاد التوراتية.

4 ـ أرض الميعاد التوراتية ارتبطت بضياع مملكة إسرائيل

ارتبطت أرض الميعاد في الفكر الديني الأصولي اليهودي بموضوع الملك والمملكة خاصة بعد السبي البابلي ، عندما هدم الهيكل وضاعت المملكة التي أسسها داود وسليمان عليهما السلام . وأصبح ضياع الملك والمملكة ينظر إليه على أنه نتيجة حتمية لغضب الرب عليهم، ومن ثم جندت الأصولية اليهودية نفسها لاستعادة الملك الضائع، لأن في ذلك استعادة لرضا الرب عليهم.

وقد احتل موضوع المملكة مكانا مميزا داخل نصوص الكتاب المقدس ، حيث نجد فيه تفاصيل كثيرة عن المراحل التاريخية التي قطعتها منذ تأسيسها مع داود وبناء هيكلها مع سليمان . كما نجد في الكتاب المقدس أيضا أن أنبياء بني إسرائيل هم ملوك هذه المملكة ومهمتهم الدفاع عن وجودها ضد أعدائها من الممالك المجاورة وملوكها الجبابرة. كل هذا يجعلنا نفهم النبوءات المستقبلية للأصولية اليهودية والتي تتحدث عن مستقبل المملكة في الزمن الأخير ، و تبشر بعودة ملك اليهود الذي يعيد الملك ويسترد المملكة الضائعة ، ويعاقب أعداء بني إسرائيل في المعركة الفاصلة، حيث لن يبقى بعدها عدو لهم ، يمكن أن يأخذ منهم مملكتهم ” مملكة إسرائيل” .

استغلت الحركة الصهيونية مفاهيم الارتباط بأرض الميعاد لتعطي مشروعها ( طبقة من القداسة والتعميم والشرعية ) [8]، وبذلك اكتسب موضوع أرض الميعاد في العقلية الأصولية الصهيونية ( دلالة دينية مقدسة) [9]. وتبعا لذلك دفعت الصهيونية يهود الشتات إلى الهجرة إلى أرض فلسطين والاستيطان فيها بدعوى أن ( العيش والعمل في الأرض المقدسة ، بمثابة “ميتسفا”، أي فريضة إلهية ، تعادل في قيمتها الفرائض الدينية الأخرى كلها مجتمعة ) [10].

5 ـ أرض الميعاد التوراتية: ـ بداية نهاية الكذبة الصهيونية ـ

إن حلم العودة إلى أرض الميعاد التوراتية الذي روجت له الحركة الصهيونية من أجل احتلال أرض فلسطين بدأ يتحطم على صخرة المقاومة الفلسطينية، وبدأت إسرائيل” تلفظ أنفاسها الأخيرة”: تحت هذا العنوان نشرت صحيفة “هآرتس” العبرية مقالاً للكاتب الصهيوني الشهير (آري شبيت) يقول فيه : « يبدو أننا نواجه أصعب شعب عرفه التاريخ ، ولا حل معهم سوى الاعتراف بحقوقهم وإنهاء الاحتلال..

بدأ “شبيت” مقاله بالقول : يبدو أننا إجتزنا نقطة اللا عودة ، ويمكن أنه لم يعد بإمكان “اسرائيل” إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان وتحقيق السلام، ويبدو أنه لم يعد بالإمكان إعادة إصلاح الصهيونية وإنقاذ الديمقراطية وتقسيم الناس في هذه الدولة .

وأضاف، إذاً كان الوضع كذلك، فإنه لا طعم للعيش في هذه البلاد، وليس هناك طعم للكتابة في “هآرتس” ، ولا طعم لقراءة “هآرتس”. يجب فعل ما اقترحه (روغل ألفر) قبل عامين، وهو مغادرة البلاد. إذا كانت “الإسرائيلية” واليهودية ليستا عاملاً حيوياً في الهوية، وإذا كان هناك جواز سفر أجنبي لدى كل مواطن “إسرائيلي” ، ليس فقط بالمعنى التقني، بل بالمعنى النفسي أيضاً، فقد انتهى الأمر. يجب توديع الأصدقاء والانتقال إلى سان فرانسيسكو أو برلين أو باريس .

من هناك، من بلاد القومية المتطرفة الألمانية الجديدة، أو بلاد القومية المتطرفة الأميركية الجديدة، يجب النظر بهدوء ومشاهدة “دولة إسرائيل” وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة. يجب أن نخطو ثلاث خطوات إلى الوراء، لنشاهد الدولة اليهودية الديمقراطية وهي تغرق. يمكن أن تكون المسألة لم توضع بعد.

ويمكن أننا لم نجتز نقطة اللا عودة بعد. ويمكن أنه ما زال بالإمكان إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان وإعادة إصلاح الصهيونية وإنقاذ الديمقراطية وتقسيم البلاد.

وتابع الكاتب، أضع اصبعي في عين نتنياهو وليبرمان والنازيين الجدد ، لأوقظهم من هذيانهم الصهيوني، أن ترامب وكوشنير وبايدن وباراك أوباما وهيلاري كلينتون ليسوا هم الذين سينهون الاحتلال.

وليست الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي هما اللذان سيوقفان الاستيطان. القوة الوحيدة في العالم القادرة على إنقاذ “إسرائيل” من نفسها، هم “الإسرائيليون” أنفسهم، وذلك بابتداع لغة سياسية جديدة، تعترف بالواقع، وبأن الفلسطينيين متجذرون في هذه الأرض. وأحث على البحث عن الطريق الثالث من أجل البقاء على قيد الحياة هنا وعدم الموت.

ويؤكد الكاتب في صحيفة هآرتس : أن “الإسرائيليين” منذ أن جاؤوا إلى فلسطين ، يدركون أنهم حصيلة كذبة ابتدعتها الحركة الصهيونية، استخدمت خلالها كل المكر في الشخصية اليهودية عبر التاريخ.

ومن خلال استغلال ما سمي المحرقة على يد هتلر «الهولوكوست» وتضخيمها، استطاعت الحركة أن تقنع العالم بأن فلسطين هي “أرض الميعاد”» [11]

خاتمة:

وخلاصة القول أن أرض الميعاد التوراتية كذبة كبرى ابتدعتها الحركة الصهيونية لاحتلال أرض فلسطين، وادعت الأصولية اليهودية أن حدود أرض الميعاد التوراتية من النيل إلى الفرات وليست الأرض التي في حدود 1967م أوغيرها. أما الصراع على هذه الأرض فهو صراع ديني عند الأصولية اليهودية وحليفتها الصهيونية العالمية، وواهم من يدعي غير ذلك، ووقائع الحرب الأخيرة على غزة تؤكد أن منطلقنا نحن المسلمين أن هذه الأرض هي أرض مباركة لاحق لليهود فيها وأن الله تعالى كتب على بني إسرائيل الشتات في الأرض، وأن اجتماعهم في أرض فلسطين ماهو إلا تحقيق لوعد الآخرة الوارد في سورة الإسراء الآية 103 يقول الحق سبحانه وتعالى ﴿ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ .


 الهوامش

[1] سامي بن عبد الله بن أحمد المغلوث: أطلس أديان، العبيكان للنشر ـ الرياض ـ الطبعة الأولى 2007م، ص: 72.

[2] – سفر يوشع الإصحاح 9: 9.

[3] ـ فيربلوفسكي زيفي: من الفكر الصهيوني المعاصر، مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية-بيروت-1950م.

،ص304

[4] سفر التكوين:الإصحاح35  :12

[5] علي الشوك:الأساطير بين المعتقدات القديمة والتوراة،شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع،الرباط،1989م ص13

[6] الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم الأندلسي، الجزء الأول، ص 217 – 218.

[7] محمد خليفة حسن: البعد الديني للصراع العربي الإسرائيلي، مركز الدراسات الشرقية ـ جامعة القاهرة ـ الطبعة الثانية 2005، ص:27

[8] – عبد الوهاب المسيري:الإيديولوجية الصهيونية،دراسة في علم اجتماع المعرفة، الكويت1982م،2/223

[9] أبكار البقاق:إسرائيل وعقيدة الأرض الموعودة،الطبعة الأولى،عالم الكتب، القاهرة1967م،ص45

[10] – أيان لوستيك:الأصولية اليهودية في إسرائيل،مركز الدراسات الفلسطينية،بيروت 1991م ص41

[11] ـ الكاتب : آري شبيت: صحيفة هآرتس العبرية، التاريخ 14 ماي 2021.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.