منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

برهان التربية

0

يكون التصدي للشأن العام مع فراغ القلب مغامرة كبرى لكل مدَّعٍ أنه ينصر الدين، وعلى قدر الصفاء الروحي يكون الموقف السياسي.

-وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتخوف على صحابته من أن تفتح لهم الدنيا أبوابها وهم من هم: علوَّ منزلة، ورفعةَ قدر، وسمو همة. فكيف الحال بمن تصبح عبادته عادة، وقلبه مواتا.

– وما الطريق الصحيح والمنهج السليم إلا التذكير المثابر والدائم أن القلب إذا صلح صلح الأمر كله، وإذا فسد فسد الأمر كله، وإلا تحول الاشتغال بالشأن العام مقصدا في ذاته، وبوابة نحو الغنائم الدنيوية.

– نأخذ العبرة في هذا الباب من الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، الذي ولي القضاء بعد امتناع شديد، وعزل نفسه غير ما مرة ثم يعاد، وكان من جلال قدره أن “حضر مرة عند السلطان لاجين، فقام إليه السلطان، وقبل يده؛ فلم يزد على قوله: أرجوها لك بين يدي الله”، وقف مليا عند هذه الواقعة لترى كيف كان العلماء وأين صاروا !

– وكان رحمه الله يتعهد نوابه بالوعظ والمراقبة، وقد كتب إلى أحدهم رسالة طويلة نقتطف منها قوله: “والمقتضى لإصدارها –أي الرسالة– ما لمحناه من الغفلة المستحكِمة في القلوب، ومن تقاعد الهمم مما يجب للرب على المربوب … فاتق الله الذي يراك حين تقوم، واقصر أملك عليه فإن المحروم من فضله غير مرحوم، وما أنا وإياكم أيها النفر إلا كما قال حبيب العجمي وقد قال له قائل: ليتنا لم نخلق! قال: قد وقعتم فاحتالوا! …

– إيه. قال الفاروق: ليت أم عمر لم تلده! وقال علي والخزائن مملوءة ذهبا وفضة: من يشتري سيفي هذا؛ ولو وجدت ما أشتري به رداء ما بعتُه. وقطع الخوف نياط قلب عمر بن عبد العزيز فمات في خشية العرض، وعلق بعض السلف سوطا يؤدب به نفسه إذا فتر.

– فترى ذلك سدى! أم نحن المقربون وهم البعداء!
فهذه أحوال لا تؤخذ من كتاب السلم، والإجارة، والجنايات، وإنما تنال بالخضوع والخشوع، وأن تظمأ وتجوع”.

– فهذه أحوال لا تؤخذ من كتب الفقه، وإنما تنال بالمجاهدة القلبية وبالإمساك بخناق النفس وتذكيرها: هذا برهان التربية من رجال التربية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.