منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(3) مقصد إثبات الأموال| سلسلة مقالات؛ المقاصد الشرعية من تداول الأموال

  (3) مقصد إثبات الأموال| سلسلة مقالات؛ المقاصد الشرعية من تداول الأموال/ الدكتور أحمد الإدريـــسي

0

  (3) مقصد إثبات الأموال

سلسلة مقالات؛ المقاصد الشرعية من تداول الأموال

بقلم: الدكتور أحمد الإدريـــسي

 

يعتبر حفظ الحقوق من أسمى مقاصد الشريعة الإسلامية، بعد تحقيق العبودية لله عز وجل، ومن أهم وسائل تحقيق ذلك وضوح المعاملات وتوثيقها وإثبات الحقوق المالية لأصحابها؛ لذلك رغب الله في حفظ المال في أطول آية في القرآن الكريم؛ “آية المداينة”، حيث أمر بالكتابة والإشهاد والرهن… قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ…”(البقرة: 282). وجاء تنظيم المعاملات في آيات وأحاديث كثيرة، عناية بها، وحرصًا على المصالح، ومنعا للمنازعات والخصومات بسبب كثرة تداول الأموال وتشعب المعاملات.

أولا: مقصد إثبات الأموال؛

من مقاصد الشرع الحكيم؛ إثبات الأموال، ومعناه أن تكون ملكيتها ثابتة لأصحابها بوجه صحيح وسليم دون منازعة، وأن تتقرر لأصحابها بوجه لا خطر فيه ولا يفضي إلى خصومة. وأن يتصرف فيها بحرية، ما لم يخالف شرع الله والقوانين المنظمة، وألا يتعارض تصرفه مع مصالح الآخرين.

ومقصد الشريعة من إثبات التملك والاكتساب:

1- حرية مالك المال في التصرّف فيه تصرفاً لا اعتداء فيه على أحكام الشريعة، لا ضرر فيه على الغير.

2- ألا ينتزع المال من مالكه بدون رضاه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس لعرق ظالم حق)[1].

3- اختصاص المالك بما تملكه بوجه صحيح ولذلك شرع الإشهاد، وعلى ذلك بُـنيت أحكام صحة العقود وحملها على الصحة والوفاء بالشرط وفسخ ما تطرق إليه الفساد.

ثانيا: وسائل إثبات المال؛

شرع الإسلام طرق الإثبات عموما، ووسائل إثبات المال خاصة، ونظم القانون طرق إثبات الحقوق، ومنها:

1- الإقرار:

يعرف الإقرار بأنه اعتراف شخصي بادعاء يوجهه إليه شخص آخر. وأنه: “اعتراف الخصم أمام القضاء بواقعة قانونية مدعى بها عليه، وذلك أثناء السير في الدعوى المتعلقة بها الواقعة”.

2- البينة الشفهية أو شهادة الشهود:

قبل اكتشاف الكتابة كانت البينة الشفهية تحتل الصدارة في مجال الإثبات، عن طريق شهادة الشهود، وهي التصريح الذي يدلي به الشخص أمام القضاء بواقعة صدرت من غيره وترتب عليها حق لهذا الغير، ويجب أن تكون هذه الواقعة المصرح بها وصلت إلى علم الشاهد بسمعه أو بصره، كأن يسمع تعاقدا بين طرفين فيشهد بما سمع أو رأى.

وقيل هي إخبار من شخص ليس خصما في مجلس القضاء بإجراءات معينة منها حلف اليمين بما رآه أو سمعه، أو أدركه بحاسة من حواس الإدراك.

ويشترط في الشاهد أن يكون راشدا متمتعا بكامل الأهلية، كما تقبل شهادة المميز وتسمع شهادته بدون يمين وتكون على سبيل الاستدلال، كما يشترط في الشاهد ألا يكون محكوما عليه بعقوبة جنائية لم تنقض مدتها بعد، وتسمع منه على سبيل الاستدلال.

وتوجد حالات يجوز فيها الإثبات بشهادة الشهود، والتي اختص بها القانون التجاري.

3- الكتابة: وتتضمن المحررات.

مع اكتشاف الكتابة تضاءل دور البينة خاصة في زمان الناس هذا، والذي يمنحها القوة الثبوتية المطلقة، لذلك قالوا: “الكتابة تبقى والكلمات تزول”، وتعود أهمية الكتابة إلى وضوحها كدليل إثبات مع ديمومتها، حيث تبقى بعد وفاة من حررها أو من وقع عليها، كما أن الكتابة تتفادى عيوب البينة الشفهية كخطر النسيان أو الكذب أو شهادة الزور.

والمحررات نوعان:

– المحررات الرسمية: وهي: “العقد الرسمي عقد يثبت فيه موظف أو ضابط عمومي أو شخص مكلف بخدمة عامة وفق ما تم لديه أو تلقاه من ذوي الشأن وذلك طبقا للأشكال القانونية وفي حدود سلطته واختصاصه”.

– المحررات العرفية: ويقصد بها كل ورقة مكتوبة يحررها أطراف عاديون دون تدخل أطراف رسمية، وتنقسم بدورها إلى محررات عرفية معدة للإثبات، ومحررات عرفية غير معدة للإثبات، فأما المعدة للإثبات فهي التي لابد فيها من توفر شرطين لانعقاد المحرر العرفي المعد للإثبات وهما: شرط الكتابة وشرط التوقيع.

أما المحررات العرفية غير المعدة للإثبات، فتتمثل في: الرسائل، البرقيات، الدفاتر التجارية، والأوراق المنزلية، وكل ما يفيد التأشير على سند الدين وبما يفيد براءة ذمة المدين.

4- اليمين:

وتسمى  أيضا اليمين الحاسمة لأنها تحسم النزاع، وهي اليمين التي توجه من أحد الخصمين للآخر بقصد حسم النزاع، حيث يجوز لكل من الخصمين أن يوجه اليمين الحاسمة إلى الخصم الآخر. وقد حذر الإسلام من اليمين الغموس، وشدد النبي ﷺ الوعيد فيها، قال عليه السلام: (من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم بغير حق، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة)[2]. لأنها يمين كاذبة يقتطع بها الإنسان حق أخيه من غير موجب شرعي.

5- اعتبار القرائن:

القرينة هي ما يستخلصه القاضي أو المشرع من أمر معلوم الدلالة على أمر مجهول، وبذلك تعتبر القرائن أدلة غير مباشرة، حيث لا ينص الإثبات فيه مباشرة على الواقعة محل التعدي، وإنما على واقعة أخرى بديلة. وتنقسم القرائن إلى قرائن قضائية وأخرى قانونية:

– القرائن القانونية وهي التي يستنبطها المشرع من حالات يغلب وقوعها، والقرينة القانونية تغني من تقررت لمصلحته عن أية طريقة أخرى من طرق الإثبات، ومعنى ذلك أن القرينة إذا وجدت في صالح المدعي فإنها تعفيه من عبء الإثبات المباشر الذي كان مكلفا به.

– القرائن القضائية: يترك لتقدير القاضي استنباط كل قرينة لم يقررها القانون.

6- المعاينة:

يقصد بالمعاينة انتقال القاضي أو من يكلفه من أعوان القضاء كالمحضرين إلى مكان النزاع لمعاينته بنفسه أو بموجب أمر صادر عنه، ويعتبر المشرع المعاينة طريقةً من طرق الإثبات يلجأ إليها القاضي من تلقاء نفسه أو بطلب من أحد الخصوم لإثبات واقعة مادية تستوجب معاينتها للفصل في النزاع.

7- الخبرة القضائية:

أصبحت الخبرة طريقا من طرق الإثبات لاسيما في بعض المسائل الفنية الدقيقة، أو القضايا العلمية التي يصعب على القاضي إدراكها والوقوف على حقيقتها دون الاستعانة بخبير أخصائي، فالخبرة هي وسيلة للتحري في جميع فروع القضاء سواء منها المدني أو التجاري أو الإداري أو الجنائي.

الخبرة أنواع؛ منها الخبرة للمرة الأولى، الخبرة المضادة، الخبرة الجديدة، الخبرة التكميلية.

خلاصة:

إذا كان المقصد العام من التشريع المالي –كما يقول الطاهر بن عاشور- هو إثراء الأمة، أفرادا ومجتمعات ودولا،، لأجل القيام بدور الخلافة على منهج العبادة. فإنه يجب أن تكون ملكيتها ثابتة لأصحابها بوجه صحيح دون منازعة، وأن يتمكنوا من التصرف فيها بحرية، ما لم يخالف أحد شرع الله والقوانين المنظمة، أو تتعارض تصرفاته مع مصلحة الأمة، أو مع مصالح الآخرين.

والحمد لله رب العالمين.


[1] – رواه أبو داود في سننه، حديث رقم: 3073,

[2] – رواه الإمام مسلم في صحيحه، عن أبي أمامة. حديث رقم: 137.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.