منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القضايا الجزئية في الانتصار (1)  تاريخ تدوين الحديث النبوي

القضايا الجزئية في الانتصار (1)  تاريخ تدوين الحديث النبوي| يحي زركيط

0

القضايا الجزئية في الانتصار (1)  تاريخ تدوين الحديث النبوي

بقلم: يحي زركيط

يتشبث الطاعنون في السنة النبوية بشبهة تأخر تدوينها وعدم كتابتها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد الصحابة ولا في عهد التابعين، حتى قام الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله (ت101ه) بالدعوة إلى جمع الحديث النبوي وتدوينه في كتب خاصة، مما جعلهم يعتقدون أنها تعرضت للضياع والزيادة والتبديل، فلم يكتب لها الحفظ كما حُفظ القرآن الكريم.

فالمستشرقون وعلى رأسهم “جولدتسيهر” و”شاخت”، يزعمون أن أكثر الأحاديث تم اختراعها نتيجة التطور الديني والسياسي والاجتماعي للإسلام في القرنين الأول والثاني من الهجرة، وأنه من الصعوبة أن يُعدَّ واحد من الأحاديث الفقهية صحيحا، وأنها وُضعت للتداول بين الناس منذ نصف القرن الثاني وما بعده.[1]

أما خصوم السنة ممّن ينتسبون للإسلام، فيشككون في صحة نسبة الأحاديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الصحابة لم يهتموا بكتابتها كما اهتموا بجمع القرآن وكتابته، ولم يشرع المسلمون في التدوين إلا بعد أن فشا الوضع والكذب.

يقول أبو رية: “لما تُركت أحاديث الرسول صلوات الله عليه بغير تدوين في عهده ولم ينهض الصحابة من بعده لكتابتها كما كتبوا القرآن، اتسعت أبواب الرواية عن رسول الله لكل ذي هوى زائغ، أو دخلة سيئة، من غير خوف من ضمير ولا وازع من دين، فرووا ما شاءوا أن يرووا…من أجل ذلك كان الوصول إلى معرفة الأحاديث الصحيحة شاقّا، والبحث عن معرفة حقيقة ضمائر الرواة أشق. وإذا عُلم ذلك كله بَدا – ولا ريب- أن تأخير التدوين كان له ضرر بالغ، إذ كان سببا في اتساع آفاق الرواية واختلاط الصحيح بالموضوع وتعذر التمييز بينهما على مر الدهور.”[2]

هكذا يجزم المشككون في السنة بتعذر تمييز صحيح الحديث من سقيمه، ليس فقط بسبب تأخر تدوينها، بل كذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة شيء غير القرآن، ولكثرة الوضاعين في زمن الصحابة والتابعين، ولخضوع المحدثين لتأثير السلطة والتمذهب السياسي وغيرها من الشبهات. والنتيجة التي يريدون إقناع الجمهور بها، هي أن لا مكانة للسنة في التشريع، ولا حاجة لنا بها لفهم مراد الله.

لكن أنّى لهم أن يهدموا بناء شامخا ثابتا أصله بنفخ الأفواه، وقد قيّض الله له رجالا يحمون حماه في كل الدهور، ويردّون عنه سهام كل حاقد متطاول جسور.

يقول الدكتور محمد عجاج الخطيب: “ولما كانت السنة مُبيِّنة للقرآن الكريم، ولا يمكن الاستغناء عنها، ولما كان الواقع في حفظ السُنَّة يخالف ما ادعاه المغرضون، كان لا بد من تناول السُنَّة بدراستها وبحث تاريخها، وقد بيَّن الأصوليون وبعض المُحدِّثين مكانة السُنَّة من التشريع الإسلامي، وبقي أن تُبيِّن الحقيقة التاريخية للسُنَّة وكيف اعتنى السلف الصالح بها وحفظها ونقلها قبل أن تصلنا في كتبها المشهورة.”[3]

فكانت الدراسات المعاصرة التي عكف عليها علماء أفذاذ وبذلوا لها أوقاتا من أعمارهم، بلسما يطرد الشكّ ويزيل الوهم، ويصحح بالأدلة المقنعة سطحية الفهم. ناقشوا فيها جميع شبهات المستشرقين ومغالطات من اغتر بهم من المثقفين.

وهذه أبرز المباحث التي طالها التحقيق والتحليل في قضية تأخر تدوين الحديث:

  • بيان الفرق بين مصطلحات “الكتابة” و”التدوين” والتصنيف”.
  • موقف النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من كتابة الحديث.
  • ذكر من اشتهر بكتابة الحديث زمن الصحابة والتابعين .
  • جهود الصحابة والتابعين وأتباعهم في مقاومة الوضع.
  • بداية التدوين الرسمي للحديث النبوي وأسبابه.
  • استعراض شبهات المستشرقين وأصحاب الأهواء والرد عليها.

ومن أشهر الكتابات التي اختصت بموضوع بدايات تدوين الحديث:

  1. “ابتداء التدوين في صدر الإسلام” محمد عبد الحي الكتاني، المطبعة الوطنية بالرباط ط. 1346ه.
  2. “السنة النبوية قبل التدوين” لمحمد عجاج الخطيب، مكتبة وهبة القاهرة ط. الأولى 1383ه.
  3. “بحوث في تاريخ السنة المشرفة” أكرم ضياء العمري، مطبعة الإرشاد بغداد ط. الأولى 1387ه.
  4. “دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه” محمد مصطفى الأعظمي، جامعة الرياض السعودية ط. 1396ه.
  5. “لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث” عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية في حلب سوريا ط. الأولى 1404ه.
  6. “تدوين السنة النبوية نشأته وتطوره من القرن الأول إلى نهاية القرن التاسع الهجري” محمد بن مطر بن عثمان آل مطر الزهراني، دار الهجرة السعودية ط. الأولى 1417ه.
  7. “تاريخ تدوين السنة وشبهات المستشرقين” د. حاكم عبيسان المطيري، لجنة التأليف والتعريب والنشر – جامعة الكويت ط. الأولى 2002م.

[1]  دراسات محمدية ، إجناس جولدتسيهر ص179-180. وأصول الفقه المحمدي، جوزيف شاخت. ترجمة رياض الميلادي- وسيم كمون، دار المدار الإسلامي بيروت ط. الأولى 2018م. ج2/392-393.

[2]  أضواء على السنة المحمدية ص 241-244.

[3]  السنة قبل التدوين، محمد عجاج الخطيب، ص 3.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.