منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

علم الرجال في الحديث النبوي (الجزء الأول)

علم الرجال في الحديث النبوي (الجزء الأول)/ الدكتور عبد اللطيف بن رحو

0

علم الرجال في الحديث النبوي (الجزء الأول)

الدكتور عبد اللطيف بن رحو

جامعة محمد الأول وجدة

هو العلم الذي يعنى ببيان أحوال الرواة تعديلا وترجيحا وبمعرفة أسمائهم وأنسابهم وألقابهم ومواليدهم ووفياتهم وطبقاتهم وغير ذلك، مما يميز الرواة تمييزا صحيحاً خاصة لمن يشتركون في الأسماء والأنساب أو الأسماء والكنى لدفع الخلط الذي ينجر عنه توثيق الضعيف وتضعيف الثقة.

المطلب الأول: نشأة علم الرجال

الفرع الأول: مرحلة الصحابة

البوادر الأولى لنشأة علم الرجال ترجع إلى العصر النبوي وعهد الصحابة، ففي العهد النبوي نجد الأحاديث التي تحذر من الكذب على رسول الله ﷺ وتوعد الكاذب بأشد العذاب مثل قوله ﷺ “بئس أخو العشيرة” رواه البخاري في صحيحه، أو في شأن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

أما عن الصحابة، فالصحابة الكرام كانوا ينزلون السنة منزلة رفيعة وعندهم اهتمام كبير بها ويحضرون للمجالس النبوية لسماع الأحاديث والتوجيهات النبوية، فكانوا يتناوبون في حضور المجالس النبوية، وقد عقد البخاري بابا سماه باب التناوب في العلم بالإضافة إلى حرصهم على حفظه وصيانته ونقله إلى العشيرة والعمل به شديدي الحرص على نقل الحديث وروايته.

فنقل الحديث قد تعتريه بعض العوارض كالنسيان والخلط والخطأ وهي لا يسلم منها البشر، وهناك العديد من الأمثلة الشاهدة على هذا الأمر، فقد جاءت امرأة إلى أبي بكر رضي الله عنه تلتمس ميراثها فال لها: “لا أجد لك في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ شيئا” فقام المغيرة فقال: “أنا شهدت رسول الله ﷺ يعطيها السدس” فقال أبو بكر: “هل معك أحد؟” فقال المغيرة: محمد بن مسكنة فقال: “أنا شهدت.”

فأعطاها أبو بكر نصيبها. وهذه القصة ذكرها أبو عبد الله الحاكم النيسابوري وقبله الإمام مالك في الموطأ في كتاب الفرائض، وأبو داود والترمذي وغيرهم.

ونقل عن الإمام علي كرم الله وجهه أنه كان يستحلف من ينقل إليه الحديث. وعرف عن السيدة عائشة رضي الله عنها نقدها لبعض روايات الصحابة أمثال عمر وأبو هريرة وغيرهم وكانت تقول: “يرجم الله فلانا أو أبا فلان ما قال رسول الله ﷺ كذا وكذا وإنما قال كذا.”

وقد جمع الزركشي ما انتقدته عائشة رضي الله عنها من الصحابة، في كتابه الإصابة بإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة. وتعرف هذه المرحلة بمحلة نقد المرويات.

وقد ذكر الإمام الحاكم” أن أبا بكر وعمر وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت رضوان الله عليهم أجمعين جرّحوا وعدّلوا وبحثوا عن صحة الروايات وسقيمها، ثم استن بسنتهم واهتدى بهديهم في هذا جماعات من التابعين، ثم من بعدهم على اختلاف مدارسهم ومشاربهم وبلدانهم.”

الفرع الثاني: مرحلة التابعين

بدأت المرحلة مع أحداث الفتنة حين ظهرت عوامل أخرى شكلتها الفرق والمذاهب مثل الخوارج والمرجئة والشيعة، وميز هذه المرحلة الكذب المتعمد المقصود، وكان لابد من مقاومة ذلك، فذهب من كان حيا من الصحابة إلى حمل لواء محاربة الوضع والوضاعين، يروى عن عبد الله بن العباس رضي الله عنهما يسمع يُشَيْر العدوي يقول قال رسول الله ﷺ، فلم يسمع له عبد الله، فقال له يشير أحدث عن رسول الله ﷺ ولا تسمعني، فقال له ابن العباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول قال رسول الله  ﷺ ابتدرته أبصارنا وأصغينا له بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والدلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرفه.

هذا الكلام فيه إشارة إلى بداية انتقال من يروي الحديث، ويحدثنا ابن سيرين عن بداية المطالبة بالإسناد فيقول: “لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم فيعرف عن أهل السنة فيؤخذ حديثهم ويعرف أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم.”

أخرج الإمام مسلم في مقدمة صحيحه، النص فيه أمور مهمة جداً تأريخية لبداية المطالبة بالإسناد وفيه إشارة إلى أن الإسناد لم يكن يطالب في مرحلة الصحابة، أما هذه المرحلة حينما اختلط الأمر وتوهم الكثير، طالب المحدثون بالإسناد وبيان رواة الحديث.

يقول الذهبي: “أما التابعون فكان بعضهم يكذب عمداً ولكن لهم غلط وأوهام فمن ندر غلطوه في جنب ما قد جل احتمل ومن تعدد غلطه وكان من أوعية العلم اغتفر له أيضاً ونقل حديثه وعمل به على تردد بين الأئمة الأثبات في الاحتجاج.”

تستمر هذه العناية بالحديث النبوي وبالكلام في الرواة وبيان أحوالهم، أو ما يساعد على ذلك من بداية التصنيف في كتب الحديث، فقد ظهر بما يعرف بالمسانيد المعللة أي الكتب التي تضم الحديث المصحوب بملاحظات وأقوال تتعلق بالرواة تعديلا وتصريحا أو بيانا لاسم، أو كنية، أو نسب، أو غير ذلك.

ثم الجيل الذي جاء بعد التابعين أكثر فأكثر فيظهر أعلام كبار نقل عنهم تعديل وتجريح، أمثال الإمام محمد بن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد القطان، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد، وسفيان الثوري، والإمام مالك ومن في طبقتهم.

ومن الأسماء البارزة في هذه المرحلة أيوب السختيارني من النقاد الأوائل ثم يحيى بن سعيد الذي قيل عنه أنه أول من جمع كلامه في الجرح والتعديل، ومثله أيضاً سليمان بن مهران المعروف بالأعمش وهو من الأعلام البارزة محدث وراوٍ وناقد في هذه المرحلة الأولى وقد عرف عنه تشدده في الجرح والتعديل. ومنهم أيضاً شعبة بن الحجاج الواسطي الوردي من مدينة واسط نشأ في البصرة وأصبح من شيوخها الكبار، كان حافظا ناقداً في علم الجرح والتعديل حتى لقب بأمير المؤمنين في الحديث.

الفرع الثالث: مرحلة التأسيس

1-شعبة بن الحجاج

عرف عن شعبة موقف صارم من المدلسين، إذ لم يكن يتساهل في هذا أبداً، فكان يجعل التدليس أشد من بعض الموبقات وكـأنه كان ينظر إلى التدليس صنو الكذب عن رسول الله ﷺ، والتدليس أشد من الزنا، يقول شعبة: “لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أقول زعم فلان ولم أسمع ذلك الحديث منه.”

وعرف عنه أنه كان يخصص بعض المجالس للكلام في الرواة، وهذا الأمر هو الجديد المميز في هذه المرحلة التي بدأت تلوح بوادها في معرفة الأسانيد والكلام في الرواة ودراسة أحوالهم.

يقول زيد الأنصاري: “أتينا شعبة يوما ممطرا فقال ليس هذا يوم حديث اليوم يوم غيبة تعلوا نغتاب الكذابين.”

هذه الغيبة غيبة مستثنية غير المحرمة لأنها تبين أحوال الرواة الناقلين للحديث النبوي.

2-الإمام مالك بن أنس

كان الإمام مالك ناقدا كبيرا بل من الرواد الأوائل الذين ازدهروا على أيديهم هذا العلم، وفي هذا الباب ننقل نصا الذي ينوه به ويميز مكانته في هذا الأمر. قال سفيان بن عيينة: “ما كان أشد انتقاد مالك للرجال وأعلمهم بشأنهم.” [التمهيد ج/1 ص:65] [تقدمة المعرفة ص:23]

يقول ابن عبد البر الأندلسي: “ومن اقتصر على الحديث مالك رحمه الله فقد كني تعب التفتيش والبحث ووضع يده من ذلك.” [التمهيد ج/1 ص:60]

3-الإمام وكيع بن الجراح

يعد أحد أعمدة النقاد في هذه المرحلة المبكرة والمؤسسة، ساهم في نقد الرواة، ورد الكثير من الرواة الذين كذبوا في الحديث النبوي، وكان يقول: “هذه بضاعة لا يرتفع فيها إلا صادق.” [أنظر تقدمة المعرفة ص:244]

4-عبد الله بن المبارك

إمام من الأئمة الكبار حافظ وعلامة في مختلف الفنون وناقد كبير من الرعيل الأول وهو صاحب الكلمة المشهورة “يعيش لها الجهابذة” فصارت مثلا منذ أن قالها، وهي تشير إلى الجهود الكبيرة التي بدلها علماء الحديث لمقاومة الوضع والوضاعين، وكان يقول: “ليست جودة الحديث قرب الإسناد فجودة الحديث صحة الرجال.” [تذكرة الحفاظ للذهبي ج/1 ص:277.]

ويذكر الإمام سالم في مقدمة صحيحه أشياء عن عبد الله بن المبارك تبرز مكانته في نقد الرواة ومدى مساهمته في هذا العلم.

5-يحيى بن سعيد القطان

يعتبر خير خلف بخير سلف كان حجة في الحديث عاش في البصرة، قال الإمام أحمد: ” ما رأينا مثل يحيى بن سعيد في هذا الشأن.”

كان يحيى بن سعيد يقول: ” ينبغي لصاحب الحديث أن يكون عارفا بالأخذ، ويفهم ما يقال له ويبصر الرجال ثم يتهاد ذلك، لا يأخذ إلا عن الثقاة ويتعاهد على ذلك.”

مما لا شك فيه أن أخذ الحديث ودقة ناقله تتطلب مجهودا ومعرفة دقيقة بعالم الرواة وأحوالهم، ولعل المرحلة التي جاءت بعد مرحلة التأسيس اعتبرت مرحلة دقيقة خصوصا مرحلة القرن الثالث الهجري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.