منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هل يعيد من عليه سجود السهو التشهد؟

الشيخ عبد الله بنطاهر السوسي التناني / هل يعيد من عليه سجود السهو التشهد؟

0

هل يعيد من عليه سجود السهو التشهد؟

للشيخ عبد الله بنطاهر السوسي التناني

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه ورشده.
وبعد؛ فقد سألني أحد الإخوة فقال: وقع لي سهو في الصلاة، فسجدت قبل السلام، وقرأت التحيات قبل أن أسلم منه؛ فأنكر عليَّ أحدهم قائلا: إنكم تزيدون في الدين بدعا ليست منه من عند أنفسكم؛ ولهذا سألتكم هذا السؤال: هل يعيد من عليه سجود السهو التشهد أم لا؟

الجواب والله الموفق للصواب:
من أخطر ما يخرب الدين التسرع بالإنكار دون التأكد من المنكر، ومن أخطر البدع توزيع التبديع على الناس بغير علم؛ فهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، ومن القواعد المشهورة: “لا إنكار في مسائل الخلاف”، ولها في المذهب المالكي ثلاث حالات: التشهد قبل سجود السهو وبعده، والتشهد قبله فقط، والتشهد بعده فقط.

أولا: المشهور والمعتمد عند المالكية أن التشهد قبل سجود السهو وبعده -كما فعل صاحب السؤال-؛ قال الشيخ خليل: “وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ”؛ أي: استنانا، وقيل: ندبا(1) ليقع السلام عقب التشهد، وهو اختيار ابن القاسم(2)؛ وحجته ثلاثة أحاديث:
1) ما روى أبوداود والترمذي والحاكم وصححه، عن عمران بن حصين -رضي الله عنه-: «أن النبيﷺ صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهَّد، ثم سلَّم»(3)، ضعفه البيهقي وابن عبد البر(4).
2) ما روى أبو داود والنسائي عن ابن مسعود -رضي الله عنه-: أن رسول اللهﷺ قال: «إذا كنتَ في صلاة فشككتَ في ثلاث أو أربع، وأكبر ظنك على أربع تَشَهَّدْتَ، ثم سجدْتَ سجدتَيْن وأنت جالس قبل أن تسلم، ثم تَشَهَّدْتَ أيضا، ثم تسلم»(5)؛ قال البيهقي: “حديث مختلَف في رفعه ومتنه.. غير قوي.. ومرسل”(6)، وضعفه ابن حجر(7).
3) ما روى البيهقي والطبراني عن المغيرة بنِ شعبة -رضي الله عنه-: «أن النبىﷺ تَشَهَّدَ بعد أن رفع رأسه من سجدتَى السهو»(8)؛ قال البيهقي: “هذا يتفرد به محمد ابن عبد الرحمنِ بنِ أبى ليلى عن الشعبِي ولا يُفرَحُ بما يتفرد به”(9)، وقال أيضا: “ولا حجة فيما ينفرد به لسوء حفظه وكثرة خطئه”(10)، وضعفه ابن حجر أيضا(11).
قال ابن المنذر: “فأما التشهد في سجدتي السهوِ فقد رُوِيَ فيها أخبار ثلاثة، فتكلم أهل العلم فيها كلها، وأحسنها إسنادا حديث عمران بن حصين”(12).
وقال ابن حجر: “قد يقال: إِن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن، …وليس ذلك ببعيد وقد صح ذلك عن ابن مسعود من قوله: «يتشهد فيهما» أخرجه بن أبي شيبة(13)”(14)، وسُئِل محمد بن سيرين، عن سجدَتَيِ الوَهْم فيهما تشهد؟ قال: «أحب إليَّ أن يتشهد فيهما»(15).

المزيد من المشاركات
1 من 93

ثانيا: في المسألة أقوال أخرى منها:
أ) داخل المذهب قولان هما: قيل: التشهد قبل سجود السهو فقط ولا تعاد(16)؛ ووجهه: “أن سنة الجلوسِ الواحد لا يتكرر فيه التشهد مرتين”(17). وقيل: التشهد بعده فقط؛ واستظهر الشيخ علي الأجهوري “أنه لو سجد للسهو قبل تشهده للفريضة واكتفى بتشهد الفريضة لصحت صلاته بالأولى من ترك إعادته”(18).
ب) خارج المذهب؛ حكى ابن المنذر في سجود السهو ستة أقوال وهي: لا تسليم فيه ولا تشهد، فيه التسليم والتشهد، فيه التشهد من غير تسليم، فيه التسليم من غير تشهد، إن شاء تشهد وسلَّم وإن شاء لم يفعل، إن سجد قبل السلام لم يتشهد وإن سجد بعد السلامِ تشهد(19).

ثالثا: من المواضع التي لا يُطْلَب في تشهدها الدعاء ما يلي:
1) مسألتنا هذه سجود السهو؛ يكتفي فيه بالتشهد فقط من غير إعادة الدعاء.
2) مَنْ أقيمت عليه الصلاة وهو في النافلة؛ بل ولو في الفريضة؛ فعليه أن يخفف ليلتحق بالإمام؛ لقول النبيﷺ: «إذا أُقيمتِ الصلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبةَ»(20).
3) مَنْ سها عن التشهد حتى سلم الإمام؛ فإنه يتشهد من غير دعاء ويسلم؛ لأجل المحافظة على واجب متابعة الإمام.
4) مَنْ خرج عليه خطيب الجمعة وهو في تشهد النافلة؛ فإنه يتشهد ولا يدعو؛ لأجل وجوب الإنصات للخطبة؛ ومن لغا فلا جمعة له(21).

● الخلاصة والنتيجة: يُسَنُّ على المشهور من المذهب المالكي في حق مَن عليه سجود السهو أن يعيد التشهد مطلقا؛ سواء في السجود القبلي، أو البعدى؛ كما يُسَنُّ له إعادة السلام في السجود البعدي؛ خروجا من الخلاف؛ ولكن لا يعيد الدعاء بعد التشهد.
والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب.

 

الهامــــــــــش:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي: (1/274).
(2) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل للحطاب: (2/17).
(3) سنن أبي داود: كتاب الصلاة: باب سجدتي السهو فيهما تشهد وتسليم: (رقم 1039)، وسنن الترمذي: كتاب الصلاة: باب ما جاء في التشهد في سجدتي السهو: (رقم 395)، والمستدرك للحاكم: (1/469): (رقم 1207).
(4) السنن الكبرى للبيهقي: (4/570): (رقم3954)، وفتح الباري لابن حجر: (3/98 و99).
(5) سنن أبي داود: كتاب الصلاة: باب مَنْ قال: يُتِمُّ علَى أكبر ظنه: (رقم1028)، والسنن الكبرى: كتاب السهو: باب التشهد بعد سجدتيِ السهوِ: (رقم608).
(6) معرفة السنن والآثار للبيهقي: (3/282)، ونيل الأوطار للشوكاني: (3/146).
(7) فتح الباري لابن حجر: (3/99).
(8) المعجم الأوسط للطبراني: (8/111): (رقم8124)، والسنن الكبرى للبيهقي: (4/572): (رقم3957).
(9) السنن الكبرى للبيهقي: (4/572).
(10) معرفة السنن والآثار للبيهقي: (3/281).
(11) فتح الباري لابن حجر: (3/99).
(12) الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف لابن المنذر: (3/316).
(13) مصنف ابن أبي شيبة: (1/388): (رقم 4458 و4459).
(14) فتح الباري لابن حجر: (3/99).
(15) مصنف ابن أبي شيبة: (1/388): (رقم 4461).
(16) النوادر والزيادات لابن أبي زيد: (1/364)، والتبصرة للخمي: (2/528).
(17) مواهب الجليل للحطاب: (2/17)، وكفاية الطالب الرباني شرح الرسالة لأبي الحسن: (1/316).
(18) الفواكه الدواني على الرسالة للنفراوي: (1/ 217)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني: (1/316).
(19) الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف لابن المنذر: (3/314 -317).
(20) صحيح مسلم: كتاب صلاة المسافرين: باب كراهية الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن: (رقم (710).
(21) مواهب الجليل للحطاب: (2/18)، والشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي: (1/274).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.