منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سيكولوجية الحواس كوسائل ادراكية في آي القرآن العظيم «السمع نموذجًا»

حسن محمد أحمد محمد /سيكولوجية الحواس كوسائل ادراكية في آي القرآن العظيم «السمع نموذجًا»

0

سيكولوجية الحواس كوسائل ادراكية

في آي القرآن العظيم

«السمع نموذجًا»

 

 

مستخلص:

المزيد من المشاركات
1 من 5

تناولت الدراسة هذه، بالحديث شبه المستفيض، حاسة السمع؛ وذلك من خلال التكرار والتواتر الذي حظيت به هذه الحاسة في الآيات القرآنية، الأمر الذي يشي بأن تلك الآيات، الكثيرة، التي توالى وتكرر فيها الحديث عن الآذان والسمع تريد أن تلفت الأنظار إلى أهمية هذه الحاسة ودورها في تقويم السلوك الإنساني وتوجيهه التوجيه السليم.

تم تقسيم الدراسة إلى مقدمة وخاتمة بالإضافة إلى مباحث ثلاثة هي لب البحث والدراسة، حيث دار الحديث في المبحث الأول، حول الجهاز السمعي ومكوناته وكفيفية حدوث السمع من الناحية الفسيولوجية. بعد ذلك تطرقت الدراسة في المبحث الثاني، إلى السمع كما تحدث عنه القرآن العظيم في العديد من الآيات الكريمة. وفي المبحث الثالث، تناولت الدراسة حاسة السمع من الناحية السيكولوجية وقوة تأثيرها النفسي في السامع.

تقديم:

ما من أحد إلا وهو يدرك قيمة الحواس الخمسة وأهميتها في مضمار الادراك المعرفي، إلا أن للجهاز السمعي في الكائنات الحية أهمية خاصة، وإلا لما وجد كل هذا الاهتمام والاحتفاء في آي القرآن العظيم الذي أكثر من الحديث عن حاسة السمع ومدى ما لها من قيمة وأهمية ادراكية ترتقي وتسمو بالسلوك الإنساني من الحيوانية البهيمية إلى الروحانية الإنسانية فيترقى الإنسان في سلم العلم والمعرفة إلى الدرجات السمو والعلا؛ يقول تعالى:

 (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) الأنعام: ٨٣.

(وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا) طه: ٧٥.

(رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ)غافر: ١٥.

يقول مصطفى محمود: والإنسان معجزة المخلوقات..، وليس مجرد آلة كاتبة.. ولا أسطوانة ناطقة، وهو أكثر من مجرد آليات جسدية.. هو عقل وروح ووجدان.. وذاته مستودع قوى وأسرار إلهية.. وهو يستطيع أن يتكلم بلا نطق.. ويسمع بلا آذان.. ويرى بلا عيون[1].

تعمل هذه الدراسة على تناول حاسة السمع، كوسيلة ادراكية اتسمت بالكثير من الأهمية، من بين جميع الحواس الخمس الظاهرة الأخرى، وتتبع ما ورد عنها في آي القرآن العظيم من حديث يستحق من القارئ التوقف عنده بشكل متأمل ومتدبر لتلك الآيات والألفاظ التي توالى فيها ذكر ال”سمع” بمترادفاته المتعددة والمختلفة. وتعد حاسة السمع هي الحاسة الوحيدة التي حظيت، في آي القرآن، بهذا الاهتمام العظيم؛ ويتجلى ذلك في التكرار المتكاثف للسمع ومترادفاته في العديد من الآيات، مما يشير إلى أهمية تلك الحاسة ودورها الفاعل في مجالات اكتساب الكثير من المعارف الحسية منها والمعنوية، فالكفيف يرى ويبصر من خلال تلك الأصوات التي تطرق طبلة أذنيه، بينما يعتمد الأصم، في ادراكه للأشياء، من خلال الضوء المنعكس على شبكية عينيه.

كذلك؛ تستهدف هذه الدراسة تحقيق بعض الأهداف التي ارتبطت بحاسة السمع لدى الإنسان واستخداماتها المتعددة المنافع:

  • الحديث عن أهمية حاسة السمع والاحتفاء بها من خلال آي القرآن العظيم.
  • أهمية الحواس، بشكل عام والسمع بشكل خاص، في مجال اكتساب المعارف.
  • المحافظة على الجهاز السمعي من التلوث الضوضائي.

وتعتمد الدراسة، في تحقيقها لأهدافها، على المنهجية البحثية القائمة على بنيوية النص ووحدته؛ وذلك من خلال ايراد الآيات القرآنية المرتبطة بحاسة السمع ومترادفاته، مع التركيز على السياق والمعنى العام في الآيات الكريمة.

* السمع لغة[2]: السَّمْعُ: حِسُّ الأُذن. وفي التنزيل: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) ق: ٣٧. وقال ثعلب: معناه خَلا له فلم يشتغل بغيره؛ وقد سَمِعَه سَمْعاً وسِمْعاً وسَماعاً وسَماعةً وسَماعِيةً. قال اللحياني: وقال بعضهم السَّمْعُ المصدر، والسِّمع: الاسم. والسَّمْعُ أَيضاً: الأُذن، والجمع أَسْماعٌ. ابن السكيت: السَّمْعُ سَمْعُ الإِنسان وغيره، يكون واحداً وجمعاً؛ وأَما قول الهذلي:

فلمَّا رَدَّ سامِعَه إِليه * وجَلَّى عن عَمايَتِه عَماهُ

… (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) النساء: ٤٦؛ فسره ثعلب فقال: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ. (إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ) النمل: ٨١؛ أَي ما تُسمع إِلا من يؤمن بها، وأَراد بالإِسماعِ هنا القبول والعمل بما يسمع، لأِنه إذا لم يقبل ولم يعمل فهو بمنزلة من لم يسمع. وسَمَّعَه الصوت وأَسمَعه: اسْتَمَعَ له. وتسَمَّع إِليه: أَصْغى، فإِذا أَدْغَمْت قلت اسَّمَّعَ إِليه، وقرئ: (لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى) الصافات: ٨؛… لأَنه تعالى قال: (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) فصلت: ٢٦.

المبحث الأول: السمع الفسيلوجي

حدوث السمع:

تدخل موجات الصوت إلى قناة السمع الخارجية وترتطم بطبلة الأذن فتجعلها تهتز وتحدث ذبذبات تنتقل من الطبلة إلى عظيمات الأذن الوسطى، وتهتز الصفيحة القاعدية للركاب داخل النافذة البيضية التي تقع بين الأذن الوسطى، والأذن الداخلية محدثة موجات في سائل أنابيب القوقعة. وإذا تضرر الجهاز السمعي في أي من أجزائه تجد المصاب يعاني من طَنين الأُذُن وهو الإحساس بسماع أصوات تبدو صادرة من الدماغ. يسمع معظم الأفراد المصابين بطنين الأذن الطنين والأزيز والهسهسة، أما بعضهم الآخر فيسمع أصواتًا مثل قرض صرصار الليل أو هدير البحر، ويمكن أن تستمر هذه الأصوات أو تكون على نحو متقطع. كما يمكن أن تُسمع في واحدة من الأذنين أو كلتيهما. ويمكن أن يحدث طنين الأذن صرف الانتباه، وفي بعض الحالات تكون مرتفعة بشكل كاف لإيقاظ الفرد، ويصاب العديد من الضحايا بفقدان بعض السمع، وآلام الأذن أو الدوار[3]. وللصوت خواص ثلاثة، هي[4]:

شدة الصوت وسعة الموجة.

التردد أو ما يعرف بطول الموجة.

درجة التركيب الصوتي، والتي تميز الأنغام المختلفة للدلالات المتنوعة.

الأذن ومكوناتها:

تتكون الأذن من:

  1. الأذن الخارجية (الصيوان وقناة السمع).
  2. الأذن الوسطى (العظيمات الثلاثة: المطرقة والسندان والركاب).
  3. الأذن الداخلية (الدهليز والقنوات شبه الداخلية والقوقعة).

وهي تمثل العضو الحسي الذي بواسطته يتم السمع، والذي هو أحد أهم الحواس، فنحن نتواصل، غالبًا، بالأصوات، وهذا يعتمد على السمع بشكل رئيس، وعلى الرغم من وجود مركز اللغة في الدماغ إلا أن السمع هو وسيلة الأطفال للاكتساب اللغة، فإذا أُصيب الطفل بإعاقة سمعية فغالباً ما تؤدي إلى صعوبة في الكلام. ويفيدنا السمع بأنه يحذرنا من الأخطار…، كما يمنحنا السمع المتعة عند الاستماع للأصوات الجميلة، والسمع عملية معقدة، فكل شيء يتحرك يحدث صوتًا، ويتكون الصوت من اهتزازات لجزيئات الهواء التى تنتقل في موجات، ثم تدخل هذه الموجات إلى الأذن، حيث تتحول إلى إشارات عصبية ترسل إلى الدماغ الذي يترجمها إلى معاني ومدركات، وللأذن وظيفة في غاية الأهمية تتمثل في الحفاظ على توازن الجسم، حيث تحتوي الأذن على أعضاء خاصة تستجيب لحركات الرأس فتعطي الدماغ معلومات عن أي تغيرات في وضع الرأس، فيقوم الدماغ ببعث رسائل إلى مختلف العضلات التي تحفظ توازن الإنسان. والصوت هو ذبذبات تسير في موجات عبر الهواء أو الأرض أو مواد وأسطح أخرى، وتختلف الأصوات من حيث التردد والشدة، والتردد هو عدد الذبذبات التي تحدث كل ثانية وتقاس بالهرتز، ويساوي الهرتز ذبذبة/ثانية. والصوت ذو التردد العالي ترتفع نغمته، وبالمقابل فإن الصوت ذا التردد المنخفض نغمته منخفضة، ويتراوح مدى السمع الطبيعيّ للإنسان ما بين 20 إلى 20,000 هرتز، وبتقدم سنوات العمر تقل قدرة الإنسان على سماع الأصوات ذات التردد العالي. وتقاس شدة الصوت بالديسيبل أي كمية الطاقة في الموجة، ويصعب على الإنسان سماع الأصواتً الأقل من خمسة ديسيبل، والأصوات الأعلى من 140 ديسيبل تسبب للأذن ألمًا وضررًا بشكل خطير[5].

ومن المتعارف عليه، عند الأطباء، أن المواليد لا يستطعون التحكم في حركات العينين، إلا أنهم يميزون بين الظلام والنور، ويرون الأشياء التي تمر أمام العينين مباشرة، أما من حيث الإدراك السمعي فإن الوليد يكون قادرًا على السمع من الوهلة الأولى، بل إن بعض الدراسات قد أكدت أن حركة الجينين داخل الرحم تشير إلى اكتمال حاسة السمع لديه قبل أن يولد، وربما يظلّ السمع، لدى المواليد، ضعيفًا لعدة أيام بعد الولادة؛ وذلك بسبب وجود سائل في الأذنين، إلا أن هذا السائل ما يلبث أن يخرج ويعود السمع إلى طبيعته[6]، وتمثل هذه الظاهرة حكمة ربانية تعمل على مساعدة الوليد على نوم لفتراة طويلة حتى يتعود على العالم الجديد بشكل تدريجي.

وتعد حاسة السمع من أهم الحواس الرئيسة في الإنسان وهي تقوم بالدور الأساسي في تنمية مداركه وتوسعة آفاقه المعرفية والعقلية من حيث الفهم والاستيعاب والوعي الادراكي..، الأمر الذي يترتب عليه حسن السلوك وقوة الشخصية.

وحاسة السمع، عند جميع الكائنات، ترتبط بالحركة التي تحدثها الأصوات التنبيهية، حيث يتوجه تركيز الكائن إلى مصدر الصوت بعد إدراكه وتفسيره من خلال مراكز التنبيه الدماغية، ومن ثم يتخذ الكائن ردة الفعل أو الوضعية المناسبة التي تتلاءم والصوت المسموع، إذ يمكنه أن يضع عقله في رجليه ويولي الفرار، أو أن يستعد للعراك والقتال، وقد يشل الخوف حركته فيصبح عاجزًا عن الحركة.. إلى غير ذلك من ردود الأفعال.

المبحث الثاني: حاسة السمع في القرآن العظيم

سبقت الإشارة إلى أن حاسة السمع تكتمل في الجنين قبل ميلاد الطفل أي قبل خروجه إلى الدنيا، وكذلك، حاسة السمع، هي آخر الحواس التي تغادر الجسد، فقد ورد في الأثر ما يشير إلى أن حاسة السمع هي الحاسة الوحيدة، من بين الحواس، التي تظل تؤدي وظيفتها حتى بعد الموت؛ وروى المسلمون أن الميت يسمع كلام أهله وبكاهم عليه وأنه يسأل في قبره وهو يسمع خفق النعال[7]، أما إذا توجهنا إلى آي القرآن العظيم فسنجد الكثير من الآيات التي تؤكد على أن حاسة السمع هي أول الحواس التي تؤدي وظيفتها في لحظة البعث والنشور؛ يقول تعالى:

(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) الزمر: ٦٨.

(فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ) المدثر: ٨ – ٩.

(الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ) القارعة: ١ – ٤.

(فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ) عبس: ٣٣.

تؤكد جميع الآيات الآنفة، وغيرها كثير، العلاقة التي تجمع بين حاسة السمع وذبذبات الصوت، لاسيما العالية والصاعقة منها، وإذا كانت الآيات السابقة قد حدثت عن ما سيحدث، في المستقبل البعيد، أي في يوم البعث والنشور فإن هناك آيات أخر تحدثت عن أحداث كان لها وقع كبير وصدى ضخم في تاريخ البشرية، حيث دمر الله، تعالى، قوم ثمود بالصيحة؛ يقول تعالى:

(وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) هود: ٦٧.

وفي التفسير: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي في اليوم الرابع صيح بهم فماتوا؛ وذكر لأن الصيحة والصياح واحد. قيل: صيحة جبريل. وقيل: صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة؛ وصوت كل شيء في الأرض، فتقطعت قلوبهم وماتوا[8].

والناس يخشون أصوات الرعود العالية خشية على آذانهم وأسماعهم من تلكم الأصوات التي يمكن أن تتسبب لهم في فقدان حاسة السمع؛ يقول تعالى:

(أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) البقرة: ١٩.

ومن الناس من يصم آذانه عن سماع صوت دعوة الحق، كقوم نوح الذين لبث فيهم نوح العديد من القرون وهو يكرر دعوته لهم ولكن دون ما فائدة ترتجى منهم؛ يقول تعالى:

(وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) نوح: ٧.

ولا فرق عند رب العزة، تبارك وتعالى، بين الجهر بالقول والإسرار به، فكلاهما سواء لأنه، تعالى، لا حدود تحول أو تقف دون علمه وادراكه لكل صغيرة ناهيك بالكبيرة؛ يقول تعالى:

(وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) طه: ٧.

(يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) غافر: ١٩.

  • أهمية حاسة السمع:

نسبة لأهمية الحواس الإدراكية، لاسيما السمع، عند الإنسان فقد أولى القرآن العظيم هذه الحاسة الكثير من العناية والتركيز وربط بينها وبين حاسة البصر، كما ربط بينها وبين العلم والمعرفة في الكثير من الآيات، فقد تكرر ذكر لفظ سميع 21 مرة، في آيات القرآن العظيم، ارتبطت معظمها بالعلم وهي 16موضعًا، نورد بعضًا منها؛ يقول تعالى:

(وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) البقرة: ٢٢٤.

(وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) البقرة: ٢٢٧.

(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) البقرة: ٢٤٤.

(ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) آل عمران: ٣٤.

كذلك تكرر لفظ السميع في تسعة عشر موضعًا ارتبطت جميعها بالعلم (العليم)، ما عدا في أربعة مواضع ارتبطت بالبصر (البصير)، وهو أيضًا من الحواس الادراكية الشديدة الأهمية؛ يقول تعالى:

(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) البقرة: ١٢٧.

 (فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) البقرة: ١٣٧.

(إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) آل عمران: ٣٥.

(إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) غافر: ٥٦.

إلا أن الملاحظة الملفته هي أن حاسة السمع كانت، على الدوام، هي المختصة بالتقدم اللفظي في جميع الآيات، بل وحتى من حيث التكرار العددي، فلفظ السمع أكثر تكرارًا، في آي القرآن العظيم، من لفظ البصر فقد تكرر لفظ السمع في أحد عشر موضعًا بينما تكرر لفظ البصر في خمس مواضع فقط؛ يقول تعالى:

(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الإسراء: ١.

(رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الدخان: ٦.

(وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) الصافات: ١٧٩.

(قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) طه: ٤٦.

ومن المؤكد، الذي لا ريب فيه، أن أمثال هذه الآيات وغيرها تحمل في طياتها رسالات وإشارات تنبيهية تريد أن تلفت أنظارنا وترشدنا إلى أهمية هذه الحاسة وضرورة الانتباه إليها كوسيلة إدراكية عالية القيمة، وهناك الكثير من الشواهد والدلالات التي تؤكد على أنه لا يوجد رسول أو نبي قد أصيب في سمعه ولكن هناك، من الرسل، من ابتلي في بصره كسيدنا يعقوب بن اسحاق، ومنهم من أبتلي في جسده كسيدنا أيوب، عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، يقول تعالى:

(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) ٨٤.

(قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ) يوسف: ٨٥.

(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) ص: ٤١.

والسمع أو الجهاز السمعي بكامله هو وسيلة اتصال فعالة بين الفرد والعالم الخارجي، بشرط أن يحسن الإنسان كيفية استخدامه، وإلا كان حسرة ووبالاً عليه، مثله في ذلك مثل غيره من الأجهزة التي زود الله تعالى بها الجسد البشري، والتي تخضع، جميعها، للقوة العقلية في مراكز الدماغ، عند العلماء الفسيولجيين، أو في القلب عند الكثير من الفقهاء وعلماء التصوف؛ يقول تعالى:

(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) الأعراف: ١٧٩.

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج: ٤٦.

(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) الأنعام: ٢٥.

(وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا) الإسراء: ٤٦.

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدً) الكهف: ٥٧.

المبحث الثالث: سيكولوجية الادراك السمعي

تمثل حاسة السمع وسيلة فعالة في مجال الأمن والادراك، ويتمثل ذلك في دقة الأذن فهي أدق تحليلاً وانفذ تمييزًا للمكيفات (المثيرات) الصوتية من العين للمكيفات الضوئية، حيث بإمكان الأذن أن تعمل على تحليل الأنغام المركبة، فتميز الأذن بين النغم الأساسي والأنعام التوافقية

  • سيكولوجية الحواس:

إن احساسنا وادراكنا للمؤثرات الخارجية يعتمد على سلامة وكفاءة أجهزة الحواس الخمس، ودرجة استقبالها لهذه المؤثرات وليس على الواقع والحقيقة التي كثيرًا ما تعجز الحواس عن التقاطها، ومن هنا يختلف عالم الحس بين الإنسان والحيوان، فالأول يعتمد، في ادراكه، على حاستي السمع والبصر أكثر مما يعتمد على حاسة الشم وبقية الحواس التي يركز عليها الحيوان بشكل أكبر[9].

يمكن للحواس الظاهرة، (السمع؛ البصر؛ الشم؛ الذوق؛ اللمس)؛ أن تعمل أكثر من عمل في وقت واحد، فمثلاً، هي تؤدي وظيفتها الحسية المنوطة بها وفي ذات الآن تقوم بوظيفة أخرى ألا وهي خدمة الذاكرة من خلال ما تقدمه للعقل من صور ذهنية مختلفة، وما تجسده له من أشكال رمزية متعددة يراها الفرد حتى بعد ذهاب الشكل واختفاء الصورة، وهو ما يعرف، لدى علماء النفس، بالصور أو الأشكال الذهنية. ويقصد بالصور الذهنية ذلك الأثر أو الشعور والاحساس النفسي الذي يتبقى بعد زوال واختفاء تلكم المؤثرات الخارجية، يقول بوسيه[10]: “ليذهب الشئ الذي أنظر إليه، ولتهدأ الضجة التي أسمعها، ولانقطع عن تجرع الشراب الذي أحدث اللذة،…، فأنا أتصور هذا اللون وهاتيك الضجة”[11]. تعمل الحواس الخمس في تناغم وتناسق إيقاعي منسجم ومتكامل، وينبني عمل الحواس الادراكية الخمس على توفر شروط ثلاثة أساسيةهي: فيزيائة. فسيولوجية. نفسية. وهذه الشروط نفسها تحتاج إلى توفر ثلاثة عوامل نفسية لكي تتمكن من أداء وظيفتها التنبيهية للحواس، وهي:

  • حالة الشخص من حيث النوم واليقظة والتعب والإفرهاق والتركيز والانتباه..
  • تختلف درجة الشعور والاحساس بالمنبه باختلاف البيئة والمكان والمثيرات المصاحبة.
  • المثيرات المتكررة برتابة تقل درجة تنبيهها للحواس (الجهاز العصبي).

إذ إن المنبه أو المثير لا يشكل سوى أنه منشط ومحفز للطاقة والاحساس الداخلي، ووظيفة الجهاز العصبي هي تحويل المنبه إلى مثير ذي عتبة حسية، وهو ما يعرف بالعتبة الفارقة[12].

إن تلك الصور أو الأشكال هي أشبه شئ بالشعور المستنسخ من الذاكرة، ولا ينحصر ذلك الشعور المستنسخ في المجال البصري والسمعي فقط بل يتصل التصور بجميع الحواس الأخرى، فمن الصور ما هو شمي وآخر ذوقي وثالث حسي لمسي، وإذا دققنا النظر وأنعمنا التفحص لوجدنا نمطًا آخر من الصور وهو ما يعرف بالصور الباطنية، وهي تتولد عن الحس الباطني المخزون في ذاكرة اللا شعور لدى الفرد..

وتلك الأنماط من الصور الذهنية والأشكال والرموز، وغيرها، هي التي تتحكم في أنماط وأساليب التفكير لدى كل إنسان؛ يقول الفرد بينيه[13]، متحدثًا عن النمط السمعي،: إن أفراد هذا النوع يتمثلون كل أفكارهم وذكرياتهم بلغة الأصوات، فإذا أرادوا حفظ قطعة نثرية لم ينقشوا في أذهانهم صور الكلمات والعبارات المكتوبة، وإنما ينقشون عليها صور ورموز الأصوات السماعية؛ الأمر الذي يجعل الاستدلال عندهم صوتي سمعي، أي أن ذاكتهم تعتمد على السماع الصوتي. فإن أراد أولئك النفر، السماعيون، جمع بعض الأرقام، جمعًا ذهنيًا، كرروا أسماءها وجمعوا أصواتها دون أن يتصوروا أشكالها ورموزها الخطية،…، ويقول أحد الكتاب المسرحيين: أنا أسمع، عند كتابة مشهد من مشاهد الرواية، أصوات الأشخاص الذين يتكلمون فيها…، وقد تمكن موزارت[14] من حفظ أنغام (مزامير الرحمة)، بعد ترديدها، في كنيسة الفاتيكان، لمرتين فقط، وأبرز نموذج على الذاكرة السمعية الموسيقي الألماني بيتهوفن[15]؛ الذي تمكن من تأليف العديد من المقطوعات الموسيقية برغم من اصابته بالصمم.

لقد انصب الاهتمام هنا على الذاكرة السماعية وتم التركيز على الصور والرموز الذهنية لها، دون سواها من الأنواع الأخرى للذاكرة، وذلك لارتباط الدراسة بسيكولوجية حاسة السمع، من هذا الباب مثلت حاسة السمع الصورة الأهم والأبرز واستحقت منا هذا الجهد أكثر من غيرها باعتبارها مدخلاً رئيسًا من مداخل الفكر والتأمل الذهني والادراكي، فالادراك فعل نفسي مركب من عنصرين أساسيين أحدهما يرجع إلى العالم الخارجي (مؤثر خارجي)، والآخر منشأه نفسي داخلي، أي أنه يأتي من الذاكرة والانتباه والحكم والاستدلال، غير أن هذا الفعل لا يبدو للفرد المدرك باعتباره مركبًا، وإنما يبدو فعلاً بسيطًا، وكنموذج بسيط، على ذلك، نجد أن ادراك الألفاظ يحتاج إلى الجمع بين الأصوات والمعاني. من هنا يمكن القول بأن الذكريات تدخل في الادراك، والعواطف تؤثر في الاعتقاد، ونحن نستشعر العواطف وندرك المعاني، ونحكم، ونفكر، ونريد..؛ يقول ماخ[16]: إن للظواهر التي يتركب منها جسدي دورًا خاصًا بين الأجسام التي تؤثر فيَّ؛ لأن حركة جسدي تبدل أوضاع الأشياء الخرجية بالنسبة إليَّ، فلا أرى العالم إلا من وراء حجاب الجسد. ويقول روسو[17]: تبدلنا حواسنا وأعضاؤنا دائمًا، فنحمل من غير أن نشعرآثار هذه التبدلات في أفكارنا وعواطفنا وأفعالنا. فالأقاليم والفصول والأصوات…، والضجة والحركة والسكون، كل ذلك يؤثر في احساسنا كما يؤثر في نفوسنا[18]. وينبغي أن ندرك أهمية وقوة العلاقة بين الحواس ووظيفة الإتزان الحيوي للجسم، فالحواس قد تفقد الإنسان اتزانه وتوازنه وذلك من خلال الكلمة الساحرة والرؤية المبهرة، بجانب الروائح النفاذة والذوق المميز واللمسة الرقيقة..[19]

إن الفصل بين الفرد، ككتلة جسدية، وما يصدر عنه من سلوك وأفعال أمر مستحيل، إذ إن النفس والجسد نسيج متحد لا ينفكان عن بعضهما حتى في حالات النوم، ويحدثنا التاريخ بأن أبقراط[20] قد تمكن من علاج برديكاس، ملك مقدونيا، من علته الجسدية؛ من خلال تحليل أحلامه.

ونخلص من هذا القول إلى أن الفصل بين الجسم والعقل لا معنى له أساسَا، لأنه من الخطأ الفصل بين العقل والجسم…، كما يرى كل من برتراند رسل[21] وجون ديوي[22].

  • تأثير الكلمة وسحرها:

تمثل الكلمة سلاحًا، دفاعيًا وهجوميًا، قويًا، وهي لا تقل ضراوة وفتكًا عن الأسلحة النارية في قوة تأثيرها وتدميرها؛ يقول الشاعر الأموي[23]:

 

أرى خللَ الرمادِ وميضَ نارٍ * ويوشكُ أن يكونَ لها ضرامُ

فإنّ النارَ بالعودينَ تُذكى * وإنّ الحربَ يبدؤها الكلام

فقلت من التعجّبِ ليت شعري * أ أيقاظٌ أميّةُ أم نيامُ

 ونظرًا لقوة التأثير السمعي فقد اعتمدت الكتب السماوية على الكلمة في تبليغ رسالتها وأداء وظيفتها التبليغية، فقد جاء في التوراة (في البدء كانت الكلمة)[24]، ومن المعروف أن الكتب السماوية، ما خلا القرآن العظيم، قد اعتمدت على حاستي السمع والبصر للتأكيد على مصداقية أصحاب الرسالات، ولكن القرآن العظيم، انفرد من بين جميع الكتب السماوية، بالاعتماد على قوة الكلمة وتأثيرها السمعي والعقلي فقط، دون تدعيمها بقوة البصر؛ مما يشير إلى أن حاسة السمع تملك من قوة التأثير النفسي والعقلي ما يمكنها من حمل الرسالة الخاتمة، ومن هنا كان للكلمة فعل السحر في النفوس، ويمكن أن نشهد ذلك التأثير الفعال ونلمسه في تلك الشعوب التي تمسكت وتشبثت بالعقيدة الإسلامية، حتى بعد أن انحسرت قوة الدولة الإسلامية، بل صارت تلك الشعوب هي القوة المدافعة والمنافحة عن العقيدة الإسلامية أكثر من العرب الذين حملوا الرسالة عند بدء اتشارها.

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ) إبراهيم: ٢٤-26.

ويرى علماء النفس والتربية أن الحواس الخمس الظاهرة، عند الإنسان، تشكل وسائل ادراكية ومعرفية، يستعين بها على اكتساب العلم والمعرفة، ويعينه على ذلك ما يعرف بالذاكرة التي تعمل على تخزين وتنظيم البيانات الواردة إليها في صورة مثيرات وتنبيهات سمعية وبصرية وغيرها من الحواس الأخرى؛ يقول تعالى:

(وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) الإسراء: ٣٦.

أما الفلاسفة فهم يرون أن النغمَ فضلُ بقيَ (تبقى) من المنطق لم يقدر اللسان على استخراجه، فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع لا على التقطيع، فلما ظهر عشقته النفس، وحن إليه الروح؛ ولذلك قال أفلاطون: لا ينبغي أن تمنع النفس من معاشقة بعضها بعضا، ألا ترى أن أهل الصناعات كلها إذا خافوا الملالة والفتور على أبدانهم ترنموا بالألحان فاستراحت لها أنفسهم. وليس من أحد كائنا من كان إلا وهو يطرب من صوت نفسه، ويعجبه طنين رأسه، ولو لم يكن من فضل الصوت إلا أنه ليس في الأرض لذة تكتسب من مأكل أو ملبس أو مشرب أو نكاح أو صيد، إلا وفيها معاناة على البدن وتعب على الجوارح، ما خلا السماع؛ فإنه لا معاناة فيه على البدن ولا تعب على الجوارح وقد يتوصل بالألحان الحسان إلى خير الدنيا والآخرة[25].

وقد لعب المذياع (الإزاعة) دورًا في غاية الأهمية في تشكيل السلوك الإنساني والاجتماعي، وقد أصبحت الأصوات، لدى المستمعين، أشبه شئ بالوجوه عند الناظرين والمبصرين لشاشات التلفزة، فالمستمع يتفاعل مع أصوات المذيعين، المحتجبين عنه، بأذنيه التي تسعفه وتساعده على معرفة مشاعر وانفعالات المذيع: الغضب، الفرح والسرور، الخوف، مشاعر الإحباط، الخوف، الحياء، الحيرة واليأس،.. بل ويدرك المستمع التعابير والمفاهيم الفكرية، كالاحساس بالنصر أو الهزيمة، كذلك هناك نقل الصور المكانية ورسمها في المخيلة بحسب الصوت..، كما يمكن للصوت أن يبين للمستمع النوعية من حيث الذكورية والأنثوية، ومفهوم الطبيقة الاجتماعية: العامل البسيط، المثقف، المهندس، التاجر، الطالب، ربة المنزل..، وغير ذلك كثير من الأفكار الفلسفية والمفاهيم المعنوية العميقة الغور التي تحتاج إلى اعمال العقل والتفكير، وتدق فكرة الصوت وترق حتى تتخلل الأحاسيس الوجدانية والنفسية المعبرة عن خلجات النفس الدقيقة؛ فتحيلها من صورة ذهنية متخيلة إلى صورة حسية تكاد تكون أقرب ما تكون إلى الصورة المحسوسة والملموسة والمدركة بحاسة اللمس والبصر[26].

ولا يقف التأثير السمعي للكلمة على المخلوق الإنسي فقط بل إن تأثير الكلمة السحري ومفعولها الإيماني قد انتقل إلى غيره من الكائنات الأخرى، ففقد طرقت آيات القرآن العظيم آذان الجن فتركت فيها أثرًا إيمانيًا روحانيًا نورانيًا..؛ يقول تعالى:

(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) الجن: ١ – ٢.

وعلى الرغم من أن للكلمة القرآنية مفعولها الأخاذ والآخذ بمجامع القلوب والنفوس؛ إلا أن من الإنس من صم أذنيه عن سماع صوت الهدى وضل عن اتباع سبيل الحق في الحياة الدنيا، أما في الحياة الآخرة فالأمر يختلف عما كان عليه في السابق من حيث قوة الحواس، لاسيما السمع والبصر؛ يقول تعالى:

(أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) مريم: ٣٨.

(أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) بهم صيغة تعجب بمعنى ما أسمعهم وما أبصرهم (يَوْمَ يَأْتُونَنَا) في الآخرة (لَكِنِ الظَّالِمُونَ) من إقامة الظاهر مقام المضمر (الْيَوْمَ) أي في الدنيا (الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أي بين به صموا عن سماع الحق وعموا عن إبصاره أي إعجب منهم يا مخاطب في سمعهم وإبصارهم في الآخرة بعد أن كانوا في الدنيا صما عمي[27].

قد يتساوى الناس في سلامة الجهاز السمعي إلا أن هذا لا يعني أنهم متساوون من حيث الاستيعاب والإدارك والفهم..، فالجهاز السمعي في حاجة ماسة لوجود شئ آخر، غير السماع، ألا وهو التأمل التدبر والتفكر العقلي، وإلا استوى الإنسان العاقل السوي والحيوان الأبكم الأعجمي في امتلاك الجهاز السمعي؛ يقول تعالى:

(إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ) النمل: ٨٠ – ٨١.

والكفار لا ينكرون سماع آيات القرآن العظيم، أو أنهم لا يستطيعون فهمها وإنما على العكس من ذلك فهم يستسهلونها ويستبسطونها؛ وذلك لعدم قدرتهم على ادراك المعاني السامية التي تضمنتها تلكم الآيات التي تهدي إلى الحق وتنجي من عذاب يوم عظيم؛ يقول تعالى:

(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) الأنفال: ٣١.

أما مع اليهود، وهم أكثر كفرًا وعنادًا، فآيات القرآن العظيم تستخدم معهم صيغة المبالغة في السماع، فهم سماعون أي أنهم يكثرون من السماع للكذب، وهو من السمات الذميمة في الإنسان، يقول تعالى:

(وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ) المائدة: ٤١.

(وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا) أعداء الإسلام وأهله, وهؤلاء كلهم (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) أي مستجيبون له, منفعلون عنه, (سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ) أي يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون مجلسك يا محمد, وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام وينهونه إلى قوم آخرين ممن لا يحضر عندك من أعدائك[28].

وقد لج اليهود، منذ القدم، في كفرهم برسالة محمد، صلوات الله وسلامه عليه، وفي خصومتهم للإسلام والمسلمين؛ فهم قوم قد توارثوا شدة المحاججة واللجاجة والعناد الشديد، فمهما قدم لهم من براهين سطاعة وأدلة قاطعة فهم لا يلتفتون إليها بل ويطلبون المزيد منها، ويبدلون الكلم بعد سماعهم إياه، وغير ذلك كثير مما اتصف به اليهود وسواهم من الكفار؛ يقول تعالى:

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) البقرة: ٩٣.

(فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) البقرة: ١٨١.

(وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) الأنفال: ٢٣.

(وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) الملك: ١٠.

(وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) الأعراف: ١٩٨.

(إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) فاطر: ١٤.

وإن كان اليهود، الذين قالوا سمعنا وعصينا، لم يفيدوا شيئًا من سماعهم؛ فهناك من هم على النقيض منهم وهم المؤمنون الذين قالوا سمعنا وأطعنا، واتبعوا ذلك بطلب المغفرة لأن مصيرهم إلى الله تعالى؛ يقول تعالى:

(آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) البقرة: ٢٨٥.

وقد اتصف المؤمنون بالعديد من السمات التي تشي بقوة إيمانهم وتنبئ عن عمق يقينهم بحقيقة الرسالة المحمدية، بعد أن سمعت آذانهم آيات القرآن العظيم، وصدقت بها قلوبهم؛ يقول تعالى:

(وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) المائدة: ٨٣.

(وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) القصص: ٥٥.

  • خولة بنت ثعلبة:

هي خولة بنت ثعلبة بنت مالك بن ثعلبة، صحابية جليلة نزل في شأنها أول سورة المجادلة، عندما ذهبت تشتكي زوجها أوس بن الصامت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم،…، فقال لها رسول الله: (ما أراك إلا قد حرمت عليه) فكانت تجادله وتقول: يارسول الله: ما طلقني ولكنه ظاهر مني، فيرد عليها قوله السابق. ثم قالت: اللهم أشكو إليك، فاستجاب الله دعاءها وفرج كربتها إذ نزلت الآيات توضح أنه يمين يستحق الكفارة وأنها لا تحل له حتى يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، أو يطعم ستين مسكينًا، فقام أوس بن الصامت بإطعام ستين مسكينًا وكفّر عن يمينه وحلت له زوجه؛ يقول تعالى:

(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) المجادلة: ١.

ويروى عن عائشة أنها قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم, وهي تقول يا رسول الله أكل مالي وأفنى شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك, قالت فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الاَية (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)، قالت: وزوجها أوس بن الصامت,…: وكان أوس امرءاً به لمم, فكان إذا أخذه لممه واشتد به يظاهر من امرأته, وإذا ذهب لم يقل شيئاً فأتت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تستفتيه في ذلك وتشتكي إلى الله, فأنزل الله (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) الاَية. وعن أبي يزيد قال: لقيت امرأة عمرَ يقال لها: خولة بنت ثعلبة, وهو يسير مع الناس فاستوقفته فوقف لها ودنا منها وأصغى إليها رأسه ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت, فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبست رجالات قريش على هذه العجوز, قال ويحك وتدري من هذه؟ قال: لا. قال هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات, هذه خولة بنت ثعلبة, والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت عنها حتى تقضي حاجتها إلا أن تحضر صلاة فأصليها ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها[29].

وقد رويت ذات الواقعة: عن قتادة قال: خرج عمر، رضي الله عنه، من المسجد ومعه الجارود العبدي فإذا بامرأَة برزة على ظهر الطريق، فسلم عليها عمرُ، رضي الله عنه، فردَت عليه، أَو سلَمت عليه، فرد عليها، ثم قالت: هيه يا عمر، عهدتك وأَنت تسمى عُمَيرًا في سوق عُكَاظ تُصَارع الصبيان، فلم تذهب الأَيام والليالي حتى سميت عُمَر، ثم لم تذهب الأَيام حتى سميت أَمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أَنه من خاف الوعيد قرب منه البعيد، ومن خاف الموت خشي الفوت، فبكى عمر، رضي الله عنه، فقال الجارود: هيه، فقد أكَثرت وأَبكيت أَمير المؤمنين، قال له عُمَرُ، رضي الله عنه وعنها، أَوما تعرف هذه؟ هذه خولة بنت حكيم امرأَة عُبَادَة بن الصامت التي سمع الله قولها من سمائه، فَعُمَرُ والله أَجدَرُ أَن يسمع لها[30].

  • امرأة العزيز:

زليخة، هي امرأة عزيز مصر الذي كان قد اشترى لها يوسف، عليه السلام، فصار أثيرًا عنده؛ إذ جعله صاحب أمره ونهيه، والمتصرف في كل شيء في بيته، وقد أحسن الله، تعالى، تربية يوسف وتنشئته بالهداية والتوفيق، وعلَّمه من لدنه علمًا عظيمًا. ولكن وما كاد يوســف يخلد إلى حــياة هادئة في منزل العزيز حتى جاءته محنة أخرى؛ ذلك أن امرأة العزيز نظرت إلى يوسف، فشغفها جمال صورته وجميل خَلْقِهِ، إلى أن جاء يوم دعته فيه إلى نفسها، وهي على ماهي عليه من الجمال والمال والمنصب والشباب، فأبى وامتنع عنها إيمانًا منه بالله تعالى الذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، من جهة، واعترافاً بنعمة سيده عليه وحفظًا لأمانته، من جهة أخرى، فأرادت به كيدًا، ولكن تخطيطها قد مني بالفشل، وذاع أمرها وتسامعت به النساء وشاع الخبر بين الناس وتناقلته الألسن، إلا أنها، برغم ذلك، كانت شديدة الإصرار متأججة الشهوة لا شئ يصدها عن تحقيق ما عزمت عليه من اشباع شهوتها وتحقيق رغباتها؛ يقول تعالى:

(فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) يوسف: ٣١.

وليست من شك في أن تناقل الأخبر وتداوله أي ما يسمى بالنميمة، وهي سمة ذميمة، من طبع المجتمعات البشرية منذ الأزل وإلى أن تقوم الساعة، وهي سمة نهى الإسلام عنها في الآيات القرآنية وفي الأحاديث النبوية؛ يقول تعالى:

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) المجادلة: ٨ – ٩.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) الحجرات: ١٢.

وقد ورد في الأثر الشريف؛ عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: “لا تباشر المرأة المرأة وتنعتها لزوجها، كأنه ينظر إليها، ولا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يحزنه”[31].

كلمة أخيرة:

إن الحديث عن حاسة السمع ومدى ما اتسم به السماع من أهمية؛ باب واسع والحديث فيه مستفيض ومتشعب ولا يمكن للباحث الإلمام به، في هذه العجالة، من كل جوانبه؛ الطبية الفسيولوجية، والسيكولوجية، العلمية المعرفية، والأدبية الفلسفية،..، إلا أن الحديث عن حاسة السمع من خلال ورودها في آي القرآن العظيم يعد من الأهمية بمكان نظرًا للعظمة التي تحف آيات القرآن والتناول المتعدد والمتنوع الذي حظيت به هذه الحاسة أكثر من سواها من الحواس.

الاستنتاج:

  • تعتبر الحواس، سواء أكانت الحواس الخمس الظاهرة أو غير الظاهرة، هي الأساس الذي ينبني عليه التعلم واكتساب العلم والخبرات المعرفية في شتى ضروب الحياة التي يتفيأ ظلالها الإنسان منذ لحظة الميلاد وحتى آخر لحظات الموت.
  • حظيت الحواس، لاسيما حاسة السمع، بالكثير من التكرار الاحتفائي في آيات القرآن العظيم، وفي هذا دلالات وإشارات تنبيهية تحث الإنسان على النظر والتدبر، بعين العقل، في الفلسفة والحكمة التي أدت إلى التركيز على هذه الحاسة أكثر من بقية الحواس الادراكية الأخرى.
  • تلعب الحواس الظاهرة، لاسيما حاسة السمع، الدور الأبرز والأكثر أهمية في تشكيل سلوك الإنسان بشكل عام، وسلوك الإنسان المؤمن بشكل خاص؛ وذلك من خلال النظر في الآيات الكونية، السماع المتأمل والمتدبر لكل حركة وسكنة تحدث في هذا الوجود.

مصادر الدراسة ومراجعها:

  • القرآن العظيم.
  • ابن عبد ربه، أحمد بن محمد بن عبد ربه: العقد الفريد arpoetry.com..
  • ابن منظور، جمال الدين أبو الفضل بن منظور الإفريقي: لسان العرب arpoetry.com.
  • إسماعيل بن عمر بن كثير: تفسير ابن كثير ج3، دار الفكر (بيروت) 1401هـ.
  • تفسير الجلالين، جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلي، مطبوعات دار مروان – دار العربية 1373هـ.
  • الزجاجي، عبد الرحمن الزجاجي: أخبار العباس وولده arpoetry.com..
  • زيد بن عبيدة (ابن شبة): تاريخ المدينة المنورةarpoetry.com.
  • القرطبي، شمس الدين، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الخزرجي: الجامع لآحكام القرآن الكريم.
  • الكتاب المقدس، سفر التكوين: اصحاح الأول 1.
  • سيريل بيرت: علم النفس الديني، منشورات دار الآفاق الجديدة (بيروت)، 1985م.
  • مالك، مالك بن أنس ابن مالك بن عامر الأصبحي المدني: موطأ الإمام مالك arpoetry.com.
  • مصطفى محمود: الروح والجسد، ص: 7، دار المعارف (القاهرة) ط7.
  • مطهر بن طاهر المقدسي: البدء والتاريخ arpoetry.com..
  • موسوعة الشعر العربي الاصدار الأول 2009م arpoetry.com.
  • الموسوعة العربية العالمية، اصدار الأول 2004م Entaaj.com.

[1]/ مصطفى محمود: الروح والجسد، ص: 7، دار المعارف (القاهرة) ط7.

[2] / ابن منظور، جمال الدين أبو الفضل بن منظور الإفريقي: لسان العرب، مادة: (س م ع).

[3] / الموسوعة العربية العالمية الاصدار الأول 2009م.

[4]/ عباس الزين عمارة: مدخل إلى الطب النفسي، ص: 129، دار الثقافة (بيروت) 1986م.

[5] / الموسوعة العربية العالمية، اصدار 2004م.

[6] / نفس المصدر.

[7] / مطهر بن طاهر المقدسي: البدء والتاريخ، ص: 187.

[8] / القرطبي، شمس الدين، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الخزرجي: الجامع لآحكام القرآن الكريم.

[9]/ عباس الزين عمارة: مدخل إلى الطب النفسي، ص: 115، دار الثقافة (بيروت) 1986م.

[10]/ جاك بوسيه مؤرخًا وراهبًا من رهبان الروم الكاثوليك، وقد عُرف بصلواته التي كان يعقدها والتي برع في تقديمها بطريقة تحرك المشاعر.

[11]/ جميل صليبا: علم النفس، ص: 340، دار الكتاب اللبناني، 1984م.

[12]/ عباس الزين عمارة: مدخل إلى الطب النفسي، ص: 116، دار الثقافة (بيروت) 1986م.

[13]/ ألفرد بينيه من مواليد مدينة نيس الفنسية، (1857-1911م)، وهو عالم نفس فرنسي عمل كثيرًا من أجل الاهتمام بالدراسات النفسية للأطفال. وكلفته الحكومة الفرنسية بوضع منهاج يُمكِّن من اكتشاف الأطفال الذين يعانون الضعف العقلي من أجل أن تقدّم لهم تعليمًا مدرسيًا خاصًا. وطور مع ثيودور سايمون مجموعة الاختبارات التي أطلق عليها اختبارات بينيه ـ سايمون لقياس الذكاء، وقد كانت أولى الطرق لقياس الذكاء ولتحديد العمر العقلي، وهي تمكن المصلحين من اكتشاف الأطفال الموهوبين والأطفال ذوي الذكاء دون العادي. تُعد قياسات الذكاء المعاصرة تحسينات لاختبارات بينيه ـ سايمون الأساسية.

[14]/ موزارت، فولفغانغ أماديوس (1756 – 1791م). مؤلف موسيقي نمساوي يعتبر من أشهر العباقرة المبدعين في تاريخ الموسيقى. شهد له المؤلف الموسيقي الشهير جوزيف هايدن بأنه رائد الأسلوب الكلاسيكي في التأليف الموسيقي في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي. مات قبل بلوغ السادسة والثلاثين تاركًا ما يربو على 600 عمل فنيً، رغم قصر حياته.

[15]/ لودفيغ فان بيتهوفن ألّف بعض أشهر المقطوعات الموسيقية. وعرف أيضًا بأنه عازف بيانو موهوب. بيتهـوفن، لودفيغ فان (1770 ـ 1827م). أحد أشهر المؤلفين الموسيقيين في التاريخ. ولد بيتهوفن في بون بألمانيا. وتعلم العزف على الكمان والبيانو على يد والده المغني. وفي عام 1792م أرسله اكم كولونيا إلى فيينا. وهناك لم يعامل كأجير مثل غيره من الملحنين الآخرين. بالرغم من أنه كان يتقاضى أجرًا نظير أعماله، إلا أنه كان يحوز إعجاب الأثرياء والأسرة الملكية بوصفه صديقًا أكثر من كونه مؤلفا موسيقيًا. وفي نهاية عام 1826م أصيب بيتهوفن بنزلة برد خطيرة تطورت إلى التهاب رئوي، كما أصيب بالاستسقاء وتوفي إثر ذلك.

[16]/ ماخ، إرنست (1838 – 1916م). فيزيائي وعالم نفسي نمساوي درس حركة الأجسام بسرعتها القصوى خلال الغازات، وطوَّر طريقة دقيقة لقياس سرعتها معبرًا عنها بسرعة الصوت. وتعتبر هذه الطريقة مهمة خاصة في مشاكل الطيران الأسرع من الصوت.

[17]/ جان جاك روسو (1712 – 1778م). فيلسوف فرنسي، كان أهم كاتب في عصر العقل. وهو فترة من التاريخ الأوروبي، امتدت من أواخر القرن السابع عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلاديين. ساعدت فلسفة روسو في تشكيل الأحداث السياسية، التي أدت إلى قيام الثورة الفرنسية. حيث أثرت أعماله في ا لتعليم والأدب والسياسة.

[18]/ جميل صليبا: علم النفس، ص: 374.

[19]/ عباس الزين عمارة: مدخل إلى الطب النفسي، ص: 130، دار الثقافة (بيروت) 1986م.

[20]/ (460-380ق م) طبيب إغريقي قديم مشهور، زاول الطب في جزيرة كوس اليونانية. ظلَّ، لمدة طويلة بعد موته، أكثر الأطباء شهرة في الطب القديم. وتأتي شهرته على الأرجح نتيجة ما يقرب من 80 مؤلَّفًا طبيًا مجهولة المؤلف، صارت جزءًا من مكتبة الإسكندرية بعد عام 200 قبل الميلاد تقريبًا. وقد نسبت هذه الأعمال إلى أبقراط، وصارت تعرف بين الباحثين باسم المجموعة الأبقراطية الكاملة. ومع ذلك لا يمكن إثبات أن أي مؤلَّف من هذه المؤلفات الأبقراطية قد كتبه أبقراط بالفعل.

[21]/ برتراند راسل (1872 – 1970م). فيلسوف وعالم رياضيات بريطاني، يعدّ من أشهر فلاسفة القرن العشرين، كما وُصِف بأنه أهم علماء المنطق الذين ظهروا منذ عصر الفيلسوف الإغريقي أرسطو.

[22]/ ديوي، جون (1859 – 1952م). فيلسوف وعالم تربية أمريكي، كان أحد الفلاسفة الأوائل الذين تأثروا بعلم النفس وبنظرية التطور التي وضعها عالم الطبيعيات البريطاني تشارلز داروين. وكان ديوي أحد رواد الحركة المعروفة بالذرائعية. من بين الأمور الأخرى، اعتقد بأننا نستخدم الذكاء لنتغلب على صراع أو تحد وأن التجربة أمر حيوي من أجل الحياة.

[23] / عبد الرحمن الزجاجي: أخبار العباس وولده، ص: 221.

[24] / سفر التكوين: اصحاح الأول 1.

[25] / أحمد بن محمد بن عبد ربه: العقد الفريد، ص: 2436.

[26]/ سيريل بيرت: علم النفس الديني، ص: 37، منشورات دار الآفاق الجديدة (بيروت)، 1985م.

[27] / تفسير الجلالين، جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلي، مطبوعات دار مروان – دار العربية 1373هـ.

[28] / إسماعيل بن عمر بن كثير: تفسير ابن كثير ج3، دار الفكر (بيروت) 1401هـ.

[29] / إسماعيل بن عمر بن كثير: تفسير ابن كثير ج3، دار الفكر (بيروت) 1401هـ.

[30] / زيد بن عبيدة (ابن شبة): تاريخ المدينة المنورة، ص: 293

[31] / مالك بن أنس ابن مالك بن عامر الأصبحي المدني: موطأ الإمام مالك، ص: 297.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.