منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عقوبة المرتد بين أصالة العلماء والانفتاح على الغرب

عقوبة المرتد بين أصالة العلماء والانفتاح على الغرب/ د.عبد الله الجباري

1

عقوبة المرتد

بين أصالة العلماء والانفتاح على الغرب

د.عبد الله الجباري

اشتهر عند كثير من المعاصرين أن عقوبة المرتد هي القتل، وأن ذلك القتل حد من حدود الله التي لا تقبل التعديل والتغيير، وصار هذا الحكم بدهيا مسلّما، بل صار مضرب المثل في الدرس المقاصدي، حيث يذكر العلماء ربط العقوبات بالضروريات الخمس، ويجدون في قتل المرتد خير مثال لضرورة حفظ الدين. وإذا قال باحث أو عالم بأن هذه العقوبة ليست حدا شرعيا، ووجه بأقدح النعوت وأقبح العبارات، فيوصم بالإلحاد أو التَّعَلْمُن أو التأثر بالغرب في إطار قاعدة “المغلوب مولع بتقليد الغالب”.

فهل إنكار حد الردة مما تسرب إلى المثقفين المسلمين بعد الانفتاح على الغرب والتأثر به؟ وهل أجمع علماؤنا الأقدمون على أن قتل المرتد حد من الحدود الشرعية؟

أولا: مفهوم الحدود.

الحد في اللغة هو منتهى الشيء وطرفه، أما الفقهاء، فعرفوه بكونه عقوبة مقدرة رادعة عن المحارم المغلظة، ومن الفقهاء من أضاف إلى التعريف بعض التفاصيل، منها أنها كفارة للفاعل، أو أنها متعلقة بحقوق الله، أو غيرها من الإضافات، لكنهم أجمعوا على أنها “مقدرة شرعا”، مما يعني أن الحدود بإجماعهم غير مرتبطة بالاجتهاد تأصيلا وإنشاءً، وأنها مقدرة بالشرع.

ثانيا: لا حدّ إلا بيقين.

إذا كانت الحدود عقوبات مقدرة، فإن تقديرها ثابت بالنص الشرعي ضرورةً، والنص الشرعي إما قرآن أو سنة، وهما مختلفان في الجملة من حيث الثبوت، فالنص القرآني قطعي الثبوت، بخلاف النص الحديثي الذي في غالبه ظني، فهل يسوغ تأصيل الحدود الشرعية بربطها بالنصين معا، أم بالقطعي منهما فقط؟

لا يختلف اثنان في كون الحدود الشرعية عقوبات قاسية جدا، (قطع الأيدي، قطع الأيدي والأرجل من خلاف، الجلد)، ونظرا لهذه القسوة، فإن الشرع الحنيف ربط تطبيق الحدود بالانعدام الكلي للشبهة، “ادرؤوا الحدود بالشبهات”، ومعنى عدم وجود أدنى شبهة هو ما يمكن تسميته بمبدأ اليقين، وهذا ما راعاه الفقهاء في بعض حيثيات الحدود، وقد تنبه الإمام الشافعي إلى هذا المبدأ في عقوبة شارب الخمر، حيث ذكر بعض التفاصيل الخاصة بالمشروب، وتناول مسألة التأكد من كونه خمرا، وقال: “لأنه إما الحد، وإما أن يكون مباحا، وإما أن يكون مغيَّب المعنى، ومغيبُ المعنى لا يُحدّ فيه أحد ولا يعاقب، إنما يعاقب الناس على اليقين”[1].

وإذا كانت عقوبة الحد مرتبطة باليقين من هذه الزاوية، فإن ربطها باليقين من زاوية التأصيل أولى، فلا نقبل قطع اليد أو الرجل أو الجلد أو القتل أو الرجم بناء على حديث ظني، قد يكون مرويا بالمعنى، وقد تدخله عدة احتمالات، لذا كان ربط الحدود بالنصوص القرآنية أو السنة المتواترة دون سواهما أليق وأحرى، وهذا ما لم يركز عليه الفقه في كثير من متونه.

بتتبع الحدود الشرعية المنصوص عليها في الفقه، نجدها لا تتجاوز الآتي: حد الردة، حد السرقة، حد الزنى، حد القذف، حد الحرابة، حد شرب الخمر، حد السحر، حد اللواط.

وبالتعرف على التأصيل الشرعي لهذه الحدود، نجد حدود الردة والسحر واللواط وشرب الخمر مؤسّسَة على أحاديث ضعيفة، أو على أحاديث آحاد لا ترقى إلى التواتر المفيد للقطع، إضافة إلى ما يكتنف بعضها من التأويل والاحتمال في المعاني، وهذا ما يجعلنا نتحفظ على نسبة عقوبات شديدة وقاسية إلى الشرع، ونؤكد على أن الحدود إن كانت “عقوبات مقدرة”، فتقديرها لا يكون إلا بالقطع واليقين، وأي ظن يداخله فهو من الشبهات التي أمرنا بدرء الحدود بسببها. كما أن الاختلاف الفقهي حول تلك الحدود الأربعة يعد شبهة أيضا تدرأ بها الحدود، وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام القرطبي بقوله: “ظَهْرُ (جَلد) المؤمن حمىً لا يستباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف”[2].

ثالثا: حد الردة وإشكالية اليقين.

1ـ من المشهور أن الأحناف لا يعدّون عقوبة المرتد من الحدود الشرعية، ومن مقرراتهم أن المرتد يُقتل، والمرتدة لا تُقتل، ولو كان قتل المرتد حدا شرعيا لما وقع التمييز في تطبيقه بين الأنوثة والذكورة، لذا قالوا بقتل المرتد حرابة، لأن الردة عند المتقدمين كانت لها لوازم متعددة، منها اللحاق بدار الحرب، أو مساعدة المحارب من الداخل بالتجسس أو غيره، وهذا من أعمال الرجال غالبا، لذا قصروا العقوبة عليهم دون النساء.

ومن الشافعية من لا يرى عقوبة المرتد حدا، وقد حكى الجويني هذا القول عن بعضهم لأن “المرتد وإن لحق بالحدود فليس في معناها”[3].

وهذا الاختلاف وحده دال على أن “حد الردة” فاقد لشرط اليقين الجنائي، وأنه شبهة يصعب إغفالها، بل لابد من درء الحد بها، بناء على القاعدة المقررة.

2ـ أقوى أدلة القائلين بأن قتل المرتد حد شرعي، حديث “لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث”، ومنها: “المارق من الدين التارك للجماعة”[4]، وهذا الحديث رواه ثلاثة من الصحابة: عثمان بن عفان وعائشة وعبد الله بن مسعود، وروي بألفاظ متعددة ومختلفة، منها: “ورجل كفر بعد إسلامه”، ومنها: “التارك للجماعة المفارق للإسلام”، ومنها: “ورجل خرج محاربا لله ورسوله، فإنه يقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض”.

بعد تتبع ألفاظ هذا الحديث، تبين لنا أنه حديث واحد، وقع الاختلاف في ألفاظه عند الأداء، ومن غير المعقول أن نقصر نظرنا عند العبارات الدالة على الردة المجردة، ونهمل العبارات الأخرى الدالة على أن حكم القتل مرتبط بالحرابة واللحاق بالمحاربين أعداء الأمة.

وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهة، فإن الاختلاف في روايات هذا الحديث يعد شبهة قوية تحول دون إثبات هذا الحد ونسبته إلى الشرع، والذي يعضد ما ذهبنا إليه حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه”[5]. وهذا الحديث يفسر الألفاظ المجملة في الحديث السابق، لأنه ورد بصيغة الحصر: “لا يحل دم امرئ مسلم إلا …”، وإذا كان أحد الثلاثة في الحديث الأول هو الردة البسيطة، كان هذا الحديث مضيفا حالة رابعة، فلا يبقى لأسلوب الحصر معنى.

3ـ ومن أقوى أدلة القائلين بحد الردة، حديث “من بدل دينه فاقتلوه”[6]، وهذا الحديث يكاد يكون نصا في الموضوع، لولا ما يحيط به من ملابسات، فابن عباس رواه بعدما بلغه إحراق علي بن أبي طالب لجماعة، مع ما ثبت من ممارسات أفرادها، حيث وُصفوا بكونهم زنادقة معهم كتب، ويعبدون وثنا، وفي بعض الروايات أنهم قالوا بألوهية علي بن أبي طالب، وعموما، فهم جماعة منظمة، تريد زعزعة الاستقرار الديني في المجتمع، ينطبق عليهم ما ورد في الحديث السابق: “التارك لدينه المفارق للجماعة”، ولو كانت حالة فردية غير جماعية، ولا تتضمن نزعة انفصالية، لحملنا هذا الحديث على عموم لفظه، وجعلنا القتل حدا شرعيا لكل ارتداد ولو كان حديثا ظنيا.

وللإمام البخاري دقائق في فقه الحديث، ولعله تبين له ما ذكرنا في توجيه النص، لذا لم يروه في كتاب الحدود أو ما يتعلق بالردة البسيطة، بل رواه في كتاب الجهاد والسير، وفي كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم.

وخلاصة القول في هذا الحديث، أن معنى قتلِ من بدل دينه كما دل عليه السياق، هو نفس معنى التارك لدينه المفارق للجماعة الوارد في النص السابق، وإذا جعلناه حكما رابعا مستقلا، كان متناقضا مع الحديث السابق الذي يفيد الحصر.

4ـ حديث: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، ومنها التارك لدينه، رواه ابن مسعود، ولما كان واليا لعمر بالكوفة، ضبط جماعة من المرتدين، فراسل عمر بن الخطاب لاستشارته في شأنهم[7]، ولو كان قتل المرتد حدا من الحدود، لما استشار الخليفةَ في شأنهم، لأن تطبيق الحدود من مهام الوالي، وهذه شبهة قوية يُدرأ بها الحد أيضا.

هذه ملاحظات متعلقة بالأدلة الحديثية التي يؤصل بها البعض حد الردة، وهي بمجموعها شبهات متعددة، يكفي الواحد منها لدرء الحد وعدم تطبيقه ونسبته إلى الدين بإطلاق.

رابعا: آراء العلماء قبل الانفتاح على الغرب.

بتتبع نصوص العلماء على مر العصور، يتبين لنا أن كثيرا من العلماء وإن قالوا بقتل المرتد، فإنهم راعوا في ذلك مسألة غاية في الأهمية، وهي أن المرتد غير المحارب لا يٌقتل حدا، ولم يدرجوا عقوبته ضمن الحدود الشرعية، ويكفي أن نكرر ما أشرنا إليه سابقا بالنسبة للمذهب الحنفي، فإنه ميز بين قتل المرتد وعدم قتل المرتدة، لبيان أنه من أحكام الحرابة، ولا علاقة له بمجرد تغيير المعتقدات واعتناق عقيدة كفرية بعد إسلام صحيح.

ولبعض المالكية تعبيرات دقيقة في الموضوع، تبين أن قتل المرتد ليس له علاقة بالحدود الشرعية، بل هو من الأحكام القضائية، لذا قالوا عن المرتد والساحر: “يُقتل كفرا”، وقالوا عن الزنديق المتستر: “يُقتل حدا”[8]. وهناك فرق كبير بين العبارتين، لأن من يقتل كفرا لا يصلى عليه، ولا يدفن مع عموم المسلمين، إضافة إلى أحكام أخرى ذات علاقة بأمواله وممتلكاته. أما من يُقتل حدا، فيصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين.

وبالرجوع إلى المصنفات الحديثية والفقهية، نجد كثيرا من المصنفين لا يدرجون مبحث الردة ضمن الحدود، ففي الجامع الصحيح للإمام البخاري كتاب خاص بعنوان “كتاب الحدود”، لم يدرج فيه حد الردة بمعناه البسيط، أي رجوع المسلم عن الإسلام طوعا، بل ضمّنه “كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة”، ويقصد بذلك الحرابة، بدليل تصديره بقوله تعالى:﴿‌إِنَّمَا ‌جَزَٰۤؤُا۟ ٱلَّذِینَ یُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَیَسۡعَوۡنَ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن یُقَتَّلُوۤا۟ أَوۡ یُصَلَّبُوۤا۟ أَوۡ تُقَطَّعَ أَیۡدِیهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ یُنفَوۡا۟ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [المائدة: 33]، ولم يرو في هذا الكتاب حديث “من بدل دينه فاقتلوه” رغم أنه مكرر في الجامع الصحيح مرتين.

وفي التصنيف الخاص بكتاب المهذب للشيرازي (من رموز المذهب الشافعي)، نجد له “كتاب قتال أهل البغي”، وضمّنه “باب قتل المرتد”، وبعد ذلك، أورد “كتاب السير”، ثم “كتاب الحدود”، وضمّنه “باب حد الزنى”، “باب إقامة الحدود”، “باب حد القذف”، “باب حد السرقة”، “باب حد قاطع الطريق”، “باب حد الخمر”، “باب التعزير”. ووجهُ الشاهد هنا، أن الشيرازي لم يدرج “باب قتل المرتد” ضمن “كتاب الحدود”، ولو كانت تلك العقوبة حدّية لجعلها من أفراده. ونفس الأمر بالنسبة لمختصر الخرقي في مذهب الحنابلة، فإنه جعل “كتاب المرتد” مستقلا عن “كتاب الحدود”.

وأصْرحُ من هذا، ما قاله العلامة الحافظ أحمد بن الصديق الغماري والفقيه محمد بن صالح بن العثيمين رحمهما الله.

قال الحافظ الغماري عن الردة: “إنها معصية لم يتعلق بها حدٌّ ولا حقٌّ لمخلوق، فقُبلت فيها التوبة كسائر المعاصي”[9].

وقال الفقيه ابن العثيمين: “الحد إذا بلغ الإمام لا يستتاب صاحبه، بل يُقتل بكل حال، أما الكفر، فإنه يستتاب صاحبه، وهذا هو الفرق بين عقوبة الحد وعقوبة الكفر، وبهذا نعرف خطأ من أدخل حكم المرتد في الحدود، وذكروا من الحدود قتل الردة، فقتل المرتد ليس من الحدود، لأنه يستتاب، فإذا تاب ارتفع عنه القتل، وأما الحدود فلا ترتفع بالتوبة إلا أن يتوب قبل القدرة عليه، ثم إن الحدود كفارة لصاحبها وليس بكافر، والقتل بالردة ليس كفارة وصاحبها كافر، لا يصلى عليه ولا يغسل ولا يدفن في مقابر المسلمين”[10].

هذه نماذج من العلماء عبر العصور، تدل بجلاء على عدم تبنيهم إدراج قتل المرتد ضمن الحدود، وذلك قبل الانفتاح على الغرب، وحتى الحافظ ابن الصديق الغماري والفقيه ابن العثيمين وإن كانا من المعاصرين، لكن المعروف من سيرتيهما أنهما لم يكونا من المنبهرين بالغرب أو المتأثرين به.

وإذا تبين أن قتل المرتد ليس من الحدود، فإنه يلزم من ذلك مجموعة أحكام، منها جواز الشفاعة في قتل المرتد، بخلاف الحدود التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أتشفع في حد من حدود الله؟”[11]. ومنها أن حكم قتل المرتد ليس حكما ثابتا مثل الحدود، بل يمكن الإبقاء عليه أو إلغاؤه أو تبديله بحكم آخر حسب الاجتهاد التشريعي، ولو كان حدا شرعيا لما وسعنا الإلغاء أو التغيير.


[1]  الشافعي، محمد بن إدريس، الأم: 6/156. (دار المعرفة، بيروت، 1410/1990).

[2]  القرطبي، أبو عبد الله محمد، الجامع لأحكام القرآن: 5/144. (تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط 2، 1384/1964).

[3]  الجويني، أبو المعالي عبد الملك، نهاية المطلب في دراية المذهب: 17/178. (تحقيق عبد العظيم الديب، دار المنهاج، ط 1، 1428/2007).

[4]  متفق عليه.

[5]  رواه مسلم.

[6]  رواه البخاري.

[7]  رواه عبد الرزاق في المصنف.

[8]  النفراوي، أحمد بن غنيم، (ت:1126هـ)، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني: 2/201. (دار الفكر، 1415هـ/1995م).

[9]  ابن الصديق، أحمد الغماري، (ت:1380هـ)، مسالك الدلالة في شرح متتن الرسالة: 298. (دار الفكر، دت).

[10]  ابن العثيمين، محمد بن صالح، القول المفيد على كتاب التوحيد: 1/512، (دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، ط 2، 1424).

[11]  متفق عليه.

تعليق 1
  1. عبد الرحمان فرح يقول

    مقال رائع كعادة صاخبه بارك الله فيه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.