منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مفهوم الطهارة وأقسامها وحكمها

مفهوم الطهارة وأقسامها وحكمها/ د. محمد جعواني

0

مفهوم الطهارة وأقسامها وحكمها

د. محمد جعواني

تناول الفقهاء مباحث العبادات وفق ترتيب دقيق، واعتمدوا في ذلك على ما ورد في حديث ابن عمر‑ رضي الله عنهما‑ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان “[1].

وكان مقتضى الترتيب أن يبدأ الفقهاء بالصّلاة، لكنّهم بدأوا بالطهارة لأنها شرطٌ لها لقوله صلى الله عليه وسلم ” مفتاحُ الصّلاة الطّهور”[2]، ثم بدأوا في الطهارة بالمياه لأنها وَسيلَتها.

مفهوم الطهارة وأقسامها:

  • مفهوم الطهارة:

الطهارة في اللغة: هي النّزاهة والنظافة من الأقذار الحسّية والمعنوية.

يقال: طهرت المرأة من الحيض، والرجل من الذّنوب، بضم الهاء وفتحها وكسرها. قال امرؤ القيس:

ثيابُ بني عوف طَهارى نقيةٌ    وأوجهُهم عند المَشاهدِ غُرانُ

والطُهارة ‑ بضم الطاء ‑ فضلة ما يتطهر به. والمِطهرة ‑ بكسر الميم ‑ الإناء الذي يتطهر منه، والبيت الذي يتطهر فيه.

الطهارة في الاصطلاح: قال الإمام الحطاب: “وتُطلَق في الشرع على معنيين، أحدهما: الصّفة الحُكمية القائمة بالأعيان، التي توجب لموصوفها استباحة الصلاة به، أو فيه، أو له…والمعنى الثاني: رفع الحدث، وإزالة النجاسة”[3].

فالطهارة صفة حُكمية يُستباح بها ما منعه الحدث أو حُكم الخبث.

وقولهم: “صفة حكمية”، أي: اعتبارية وتقديرية، يُقدَّر وُجودها وقيامها بموصوفها، وليست حقيقية بحيث تُرى وتُشاهد.

  • أقسام الطهارة:

الطهارة الشرعية قسمان: طهارة من الحدث وتختصُّ بالبدن، وطهارة من الخبث، وتكون بالبدَن والثّوب والمكان.

  – طهارة الخبث:

أ) تعريفها: الخَبَث ‑ بفتحتين ‑ هو العينُ المُستقذَرة شرعا(النّجاسة).

ويقصد بطهارة الخبث إزالة النجاسة عن بدن المصلي، وثوبه، ومكان صلاته. وهي على صنفين:

أصليّة: وهي القائمة بالأعيان الطاهرة بأصل خِلقتها، كالرّمال والمعادن التي لم تُصبْها نجاسة. وعارِضة: وهي التي تحصُل باستعمال المطهّرات المزيلات لحكم الخبث من ماء، ونار، وغيرهما.

ب) حكمها:

قال البشار[4]‑ رحمه الله‑:

هَـلْ سُنَّةٌ إِزَالةُ النَجَاسَــةِ    أَو وَاجِبٌ مَعْ ذِكْرِهَا والقُدرَةِ

في سَعَةِ الوَقتِ عَنِ المصلِّـي    والثَّوبِ أَو مَا مَسَّ مِن مَحَـلِّ

اختلف الفقهاء في حكم إزالة الخبث على أقوال، فذهب الإمامان أبو حنيفة والشافعي إلى القول بوجوب إزالة النجاسة، وقال آخرون إنها سُنّة مؤكدة، وقيل إنها واجبة مع الذّكر والقدرة، ساقطة مع العجز والنسيان. والقولان الأخيران مرويان عن الإمام مالك وأصحابه.

والسبب في اختلاف الفقهاء يرجع إلى اختلافهم في فهم وتوجيه الأدلة الواردة في المسألة. من ذلك قوله تعالى “وثيابك فطهّر”، وهل تُحمَل الثياب على الحقيقة، أو المجاز(القَلْب).

وقوله صلى الله عليه وسلم في صاحِبَي القبر: “إنهما ليُعذّبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله”[5].

وما ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم “رُمي عليه وهو في الصلاة سلا جزور[6] بالدم والفرث فلم يقطع الصلاة”[7].

وأيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في نَعْلَيه في إحدى صلواته ثم طرَح نعليه أثناء الصلاة فطرح الناس نعالهم، فأنكر ذلك عليهم، وقال لهم” إنما خلعتُها لأن جبريل أخبرني أن فيها قذَرا”[8].

والقول بالوجوب هو الرّاجح في المذهب بشروط ثلاثة، وهي: العلم بالنجاسة، والقدرة على إزالتها، وسَعة الوقت لذلك.

ج‑ الأعيان النجسة:

الأعيان النجسة كثيرة، ومنها المتفق على نجاستها، ومنها المختلف فيها وهي كالتالي:

‑ بول ابن آدم وغائطه، وبول ورَوثُ ورَجيع ما لا يؤكل لحمه من الحيوان باتّفاق، أما بول وروث ما يؤكل لحمه فهو طاهر عند المالكية.

‑ المذي: وهو ماء أبيض لزج يخرج عند اللذة الصغرى.

‑ الودي: وهو ماء أبيض ثخين يخرج عقب البول.

‑ دم الحيض والنفاس: دمان يخرجان من المرأة، وسيأتي الحديث عنهما.

‑ القيء المتغيّر: بحموضة أو رائحة، فإذا لم يتغير فهو طاهر، ومثله القلس.

‑ الميتة: وهي كل حيوان مات من غير ذكاة شرعية. ويُلحَق بها ما قُطِع من الحيِّ، مثل اليد والسّنام…لحديث أبي واقد الليثي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما قُطع من البهيمة وهي حيّة فهو ميتة”[9].

ويُستثنى من الميتة: مَيتة الآدمي، والسّمك، والجراد، وما لا دم له سائل فهي طاهرة لقوله صلى الله عليه وسلم عن البحر: “هو الطّهورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيْتتُه”[10]. ولقول ابنِ أبي أوْفَى رضي الله عنه: “غزَوْنا مع النبيِّ – صلى الله عليه وسلم- سبع غزوات أو سِتًّا نأكُل معه الجراد”[11]. ولقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إذا وقَعَ الذُّبابُ في شرابِ أحدِكم فلْيَغمِسْه كُله، ثم ليطرحه، فإنّ في أحدِ جَناحَيْه داءً، وفي الآخَرِ دواء”[12].

ويستثنى كذلك من الميتة: شَعَرُها، وصوفها، وريشُها فكل ذلك طاهر، أما جلود الميتة فنجسة، وتطهُر بالدِّباغ لحديث:”إذا دُبغَ الإهاب فقد طَهُر”[13].

‑ الدم المسفوح: وهو الجاري الكثير، أما غير المسفوح فمعفوٌّ عنه. ومِثلُ الدمِ القَيحُ والصَّديدُ الخارج من الجروح والدُمَّل.

‑ لحم الخنزير: ودليل نجاسة الخنزير والميتة والدم المسفوح قوله تعالى: ﴿ قُل لا أَجِدُ في ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أن يكُونَ مَيْتَةً أو دَمًا مَسْفُوحًا أو لَحْمَ خِنْزيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾[14] والرّجس هو النجس.

أما سُؤْرُ الخنزير والكلب فطاهران على المشهور في المذهب.

قليل النجاسة وكثيرها:

يستوي قليل النّجاسة وكثيرها في الحُكم عند الإمامين مالك والشافعي، ويستثنى عندنا في المذهب الدم، والقيح، والصديد فيُعفى عن يسيره، وهوما كان دون الدّرهم البَغْلِي[15]. وذهب أبو حنيفة إلى تقسيم النجاسات إلى مغلَّظة ومخفّفَة، وأن المغلظة يعفى منها عن قدر الدرهم البغلي، وأن المخففة مثل روث الدابّة، وما لا تنفك منه الطرق غالبا… يعفى منها عن قدر ربع الثوب، قال ابن رشد عن مذهب الأحناف: وهذا “حسن جدا”[16].

وسبب اختلافهم: هل يقاسُ قليل النجاسة على الرُّخصة الواردة في الاستِجْمار أم لا ؟

و لا يضرُّ بقاءُ أثَر النجاسة بعدَ إزالة عينها، خصوصًا إذا تعسَّرَتْ إزالتُه لقوله صلى الله عليه وسلم: “يَكْفِيك الماءُ ولا يَضرُّك أثَرُه”[17]

ومما يُعفى عنه رفعا للحرج والمشقّة ثوبُ صاحب السَّلَس، ومن به بواسير، وثوب المُرضع، وثياب المِهنة التي يباشر بها أصحابها النجاسات مثل الجزّار وعامل النظافة…لكن الأفضل لكل أولئك أن يكون لهم ثوب خاص للصلاة، وأن يجتهدوا في دفع النّجاسة والتنزه عنها بالعلاج والاحتياط.


[1] رواه البخاري ومسلم.

[2] رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والدارمي.

[3] الحطاب، مواهب الجليل 1/43

[4] هو محمد بن حسن بن علي بن سالم البشار الرشيدي المصري المالكي من علماء القرن 12هـ.

[5] رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.

[6] السَّلا هو الغشاء الذي يكون فيه ابن الناقة، ويسمى المشيمة عند المرأة.

[7] رواه مسلم في الصحيح، وأحمد في المسند.

[8] حديث صحيح، رواه أحمد وأبو داود.

[9] رواه أبو داود والترمذي وحسّنه وقال: “والعمل على هذا عند أهل العلم”.

[10] رواه مالك وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وحكى الترمذي تصحيح البخاري له.

[11] رواه البخاري ومسلم.

[12] رواه البخاري وأبو داود.

[13] رواه مالك ومسلم. والمشهور من قول إمامنا مالك أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ.

[14] سورة الأنعام، الآية: 145

[15] نسبة إلى دائرة في بطن ذراع البَغْل. وقال النووي: نسبة إلى مَلِك رأس البغل، حيث كانت هذه الدّراهم رائجة في أيامه، فاعتمدها الفقهاء في تحديد قدر النجاسة المعفوّ عنه، وقُطْرُ تلك الدائرة مثل الأنملة العليا من يد الإنسان. انظر: مواهب الجليل 1/147.

[16] انظر: بداية المجتهد 2/77

[17] حديث صحيح، رواه أحمد وأبو داود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.