منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الغاية من الوجود

الغاية من الوجود/ عبد الغفار كامل فائق

0

الغاية من الوجود

بقلم: عبد الغفار كامل فائق

 

ما الغاية من الوجود؟ تساؤل ينتابنا جميعا، وينقسم البشر، فيما يتعلق بالاجابة، إلى مدرستين كبيرتين أساسيتين، تنطوي كل مدرسة منها على مدارس ثانوية تختلف فيما بينها في التفاصيل. المدرسة الأساسية الأولى تعتمد على الإيمان بالله الخالق وأن الأرض بل الكون كله مسخر لوجود هذا الكائن المسمى (الإنسان). والمدرسة الأساسية الثانية؛ تعتمد على إنكار أي دور مركزي للإنسان في الكون، وتعتمد في الغالب على نظريات العلوم الطبيعة، وفي الغالب على إنكار الله الخالق وإنكار الدين. هناك تناقض ظاهر واضح بين المدرستين، ولكن هناك مشتركات بينهما أيضا، وذلك كون الهدف هو بحث الغاية من وجود الإنسان والغاية من وجود الحياة بالصيغة المعهودة لنا. في هذا المقال يحاول الكاتب مناقشة حيثيات المدرستين بذكر بعض المواقف “التاريخية”، ومناقشة مآلات المدرستين، وأيهما أحسن بمقياس العاقبة. وبدون شك فالموضوع مثار جدل كبير وواسع بين أصحاب ومؤيدي المدرستين… ونترك للقاريء الكريم الحكم بنفسه واختيار الأحسن والأقوم

مقدمة

منذ قديم الزمان والنظرة السائدة لدى الإنسان عن الأرض والكون أنه هو المَعني بهذا الكون, أي أن الأرض هي مركز الكون والشمس والقمر وكل النجوم , كذا كل مقدرات الكون مسَخَّرةٌ للإنسان, أنا أسمي هذا (المبدأ الغائي) .

كانت النظرة الدينية الكنسية  للكون والحياة السائدة في القرون الوسطى فد بُنيت على أساس فلسفة أرسطو-بطليموس, أي أنهم ألبسوا تلك فلسفة لباساً دينياً فصارت هي الناطقة باسم الكنيسة. صار الإعتقاد السائد بأن الأرض هي مركز الكون, والشمس والقمر تدوران حول الأرض, وكذا الكواكب السيارة. هذ الفكرة كانت تحمل في طياتها التصور القائم على أساس مركزية الإنسان في الكون, حيث أن  إفتراض أن الأرض في مركز الكون نابع من وجود الإنسان وأهميته على هذا الكوكب وكذا وجود الحياة في هذه الأرض.

مفهوم التسخيرالإلهي في  الإسلام

إن هذه النظرة الكنسية تشبه المبدأ الغائي المذكور أعلاه شكلياً، ولكن هناك فرق جوهري.  فرض فكرة (أن الأرض تدور حول الشمس) على البشر فكرة مختلفة عن فكرة “التسخير الإلهي” التي هي أساس المبدأ الغائي . في التسخير الآلهي لا يهم الأرض تدور حول الشمس أو العكس؛ ففي كل الأحوال الشمس والأرض والقمر والنجوم مسخرات بأمر الله، ولكن في الفكرة التي كانت الكنيسة تعتمدها، هناك رفض لأي احتمال غير أن الشمس هي التي تدور حول الأرض. وفي هذا تعسف على العقل والإيمان والعلم؛ لأن الأصل لا يهم أيهما تدور حول الآخر. وتفصيل ذلك سيأتي في الفقرة التالية:

منهج القران الكريم في الإستدلال بالأيات الكونية

لنتأمل هذا الشرح الموجز لسورة الجاثية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

1) تِلْكَ آيَاتُ اللَّه…………

حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6)

التعليق:

نلاحظ من آيات القرءان الكريم هذه، أنها تتحدث عن السماوات والأرض والدواب والبشر، والليل والنهار، والمطر والرزق من نبات وثمار والرياح، ..الخ، مما تسمى بالآيات الكونية، والمطلوب منا النظر والتفكر في هذه الآيات الكونية، ولكي يكون التفكر والتدبر لصالح الإيمان بالله ولصالح (المبدأ الغائي)، أي أن هذا الكون والأرض والحياة والمناخ على الأرض مصمم لغرض حياة و “إيمان”  هذا الكائن المسمى الإنسان

2) مآل الذين كفروا……….

وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11)

التعليق:  نلاحظ من هذه الآيات أن “الإستكبار والتكبر” من أهم مسببات الفسوق عن أمر الله وإنكار الدين أو إنكار الله أو “الإفتراء” على الله، وتبني (المبدأ اللاغائي للوجود) الذي سبق مناقشته آنفاً.

3) الآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ………….

اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)

التعليق: نرى من هذه الآيات دور “الشكر” على النعم  في تعريف الإنسان بخالقه الله العظيم.

4) إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ………..

قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)

التعليق: : نرى في الآية الأخيرة قانوناً كونياً عادلاً (من عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها)، الصالح ينتج صالحا ويؤدي إلى الصالح، والسيئ ينتج مزيدا من السوء ويؤدي إلى السوء . والآية الأولى جميلة جدا حيث تطلب من (الصالحين) أن يرفقوا بـ (السيئين) والعمل على هدايتهم وليس التقزز والإبتعاد عنهم.

5) جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا……….

وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20)

التعليق : نرى من هذه الآيات إشارة للإستخدام السيء للعلم واستخدام العلم للتفرقة وبغي البعض على بعض. ونرى نصيحة قيمة بالغة للنبيّ ولنا معشر المؤمنين، بعدم إتباع أهواء الذين لا يعلمون، وإعتماد (لكم دينكم ولي دين) في تعاملنا مع غير المؤمنين لان الظالمين بعضهم أولياء بعض.

6) ليس المسيء كالمصلح…………

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (22)

7) مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ …………

أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّاأنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26)

التعليق:  نرى من هذه الآيات أن الذي يتبع هواه يُنكر الحياة الآخرة ليس بناء على علم أو خبر مؤكد، وإنما “يظنون” أن ذلك أمر مستبعد!

8)  يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ…………

َولِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (31) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (33) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (34) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35)

التعليق: نرى من هذه الآيات أن اليوم الذي سيظهر للمنكرين والمستكبرين أنهم كانوا على باطل وأنهم كانوا خاطئين في ظنهم، يوم قادم متحقق لا محالة.. وعندئذ سيظهر لهم مقدار جرمهم  باتخاذ آيات الله هزوا و غرورهم وكبرهم وإعجابهم بما لديهم من متاع وثروات وقوة  في الحياة الدنيا الفانية.

9) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ………..

فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37(

التعليق: نرى من هذه الآيات الختامية في هذه السورة البليغة من القرءان العظيم، تسبيحا وتحميدا لله مالك  السماوات والأرض، العزيز الحكيم، الذي رحمة بنا أرشدنا للطريق القويم والصراط المستقيم، صراط النجاة من كل شقاء، بإنزاله هذا الكتاب (القرءان المجيد) على نبيّه ورسوله الكريم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله وصحبه الكرام، ليبلغنا به وليكون لنا قدوة وأسوة حسنة كي نتبعه ولا نتبع أهوائنا أو أهواء قوم لا يعلمون….  فالحمد لله رب العالمين.

الملخص:

فالله يرشدنا الى الغاية من هذا الوجود في كتابه العزيز الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه.

المنهج العلمي عند المسلمين وأثره على الغرب

ولكن الأمر في العالَم الإسلامي كان مختلفا بعض الشيء, فأول من أسس المنهج التجريبي هو العالم الفيزيائي المسلم الحسن بن هيثم ( 965م -1040م)  حيث كان أول من إنتقد أفكار بطليموس إنتقادا قائماً على التجربة والملاحظة ومنه أخذ روجر بيكون هذا المنهج([1])

بعد عصر النهضة (أي حوالي القرن الخامس عشر الميلادي), وإحتكاك المفكرين الأوروبيون بالمؤلفات الإسلامية, تغيرت هذه المفاهيم شيئاً فشيئاً , لكن بقيت المعضلة القديمة التي تقول: كيف يمكن القبول بأن الأرض ليست مركزاً للكون مع إن الإنسان يعيش عليها, بل وكل الكون مُسخر له؟

الغائية في القوانين الطبيعية

جاء كوبرنيكوس –وكان راهباً- وبنى نظريته التي تقول بأن الشمس هي مركز الكون, والأرض وجميع الكواكب السيارة تدور حولها. هزت هذه النظرية أركان مركزية الإنسان وجعلته في موقف الدفاع عن كرامته (المهددة بزعمهم!) . (قد يقول قائل , انت تدفع بإتجاه الصدام بين الدين والعلوم الطبيعية. الجواب: كلا, بل أنا أعرض مجرد فكرة). نرجع الى كوبرنيكوس, حيث كان يعتقد أن الشمس ثابتة لاتتحرك, وإنما التي تتحرك وتدور حولها, هي الأرض والكواكب الأخرى. (مما لاشك فيه, أن الشمس تدور أيضاً حول مركز المجرة كما أثبتته الإكتشافات الحديثة).

بموازاة هذه النظرية, كان العلماء والمفكرون الأوربيون يعملون جاهدين لأجل فهم أصل الكون والحياة والقوانين التي تتحكم بالكون.  درس نيوتن الجاذبية والقوانين التي تتحكم بحركة الأجسام وأرجع كل الحركات والنظام المتحكم بالكون الى قوانين ميكانيكية تحكمها معادلات رياضية يمكن الوصول اليها وإستنباطها بالتجربة والمشاهدة . كان هذا يعني التحرر من تقليد كلام وأراء القدماء واستخدام التجربة في إثبات الأراء العلمية .  وحدثت للعلماء مشاكل مع رجالات الكنيسة عندما تعرضوا لإنتقاد فلسفة أرسطو-بطليموس, كما حدث مع غاليلو غاليلي وكانت النتيجة  دوماً التهرب من الإنتقاد الصريح لهذه الأراء.

الغائية في علم الأحياء

 في علم الأحياء كانت المعضلة نفسها – هل الإنسان يتميز عن الأحياء الأخرى أم لا ؟ _ (أي تمايز مطلق بحيث لايمكن بأي حال من الأحوال عمل مقارنة بينه وبين الحيوانات الأخرى) – النظرة الدينية العامة (و الإسلامية على وجه الخصوص) تكرم الإنسان وتعطيه نوعاً من (الحصانة) من المساس بكرامته من جهة المقارنة بينه وبين الحيوانات الأخرى فضلا عن إعتبار الإنسان متطوراً وناشاً عن سلسلة هذه الأحياء كما تفترض نظرية التطور لدارون.

إذاً وصلت حالة التصورات البشرية الى مفترق طرق, بحيث أنزلت الإنسان من السمو الذي يوفره له الدين الى الهبوط المعنوي بحيث صار جزءاَ من سلسلة التطور الطبيعي للأحياء الذي منشئه الصراع من أجل البقاء.

صار مبدا الصراع من أجل البقاء,  وتطويع القوانين الطبيعية التي تسيِّر الكون من أجل منفعة الإنسان (بالأحرى فئة معينة من الناس) بديلاً عن النظرة الدينية التي تحترم خصوصيات الإنسان من حيث هو كائن خلقه الله سبحانه وتعالى و سخٌَر له الكون كله.  أي إن المبدأ الغائي  السالف الذكر صار مهدداً من مبدأ جديد يقوم على إستخدام كافة الوسائل من أجل إكتشاف وتطويع القوانين الطبيعية, ( بطبيعة الحال, لايفترض أن تكون مسيَِّرة من قبل الخالق, بل تعمل مستقلة دون الرجوع اليه, هذا من وجهة النظر المادية البحتة).

اللاغائية

كل ماسلف حدا بالمفكرين الى تبني نظرة جديدة للحياة الإنسانية على الأرض (بديلا عن النظرة الدينية التقليدية), بل صارت هناك إفتراضات بوجود نوع من أنواع الحياة العاقلة على الأجرام السماوية الأخرى وهذه أيضا ترسِّخ لفكرة أن وجود الإنسان على الأرض ليست غاية مهمة لهذا الكون (بل يمكن إعتبار وجود الإنسان كذرة في الفضاء) ,  وأنا اسمي هذه النظرة “الجديدة” للحياة الإنسانية وللوجود بـ (المبدأ اللاغائي للوجود).

الحد الفاصل بين هاتين الفكرتين, كانت بداية عصر النهضة والإستكشافات الجغرافية التي مهَّدت لإمكانية توسيع الفضاء المعرفي كما توسعت المعلومات عن المناطق المسكونة على الأرض, وأعطت نوعاً من الثقة بالنفس -لدى أصحاب الغاية الجديدة- عن :

  • إثبات كروية الأرض بما لايدع مجالاً للشك.
  • إكتشاف عالم جديد (الامريكيتين واستراليا) كان غائبا ً(أو عُرض على أنه غائب وبشكل تعمدي! لأن هناك أدلة قوية على ان تللك المناطق كانت معروفة من قبل سكان افريقيا  والاندلس والفايكنغ),  ربما لكي تكون فكرة إمكانية وجود مجتمعات أخرى عاقلة حتى في الأجرام السماوية البعيدة مقبولة حيث إنها ستكون من قبيل ذلك العالم الجديد الذي كان موجوداً مع كونه غائبا([2]).

المحاولات حثيثة لإثبات وجود أي شكل ممكن من أشكال الحياة حتى على  الكواكب التابعة للنجوم البعيدة التي لايمكن لحد الأن وبالتكنلوجيا الحالية التواصل معها كونها تبعد الأف السنين الضوئية , وهذا يدل على القناعات والأفكار التي تدفع بهذا الأتجاه.

عندما ترسخت نظرية الإنفجار الأعظم, بفعل إكتشاف توسع الكون, حدثت إشكالية حول اللحظات الأولى  للإنفجار الأعظم والتنظيم الذي تمخض عنه من تشكيل الكواكب السيارة  وظهور الحياة على الأرض , الإشكالية من شقين:

  • ماذا سبق الانفجار؟
  • كيف يمكن أن يتولد هذا التنظيم والتنسيق المذهل من إنفجار؟ المعلوم أن أي إنفجار لايوًّلد إلا الفوضى , فكيف نشأ منه هذا الكون وبهذا التصميم الرائع؟

حاول ستيفن هاوكنغ في كتابه التصميم العظيم (The Grand Design )  التنصل من نتيجة حتمية وهي أنه لابد للتصميم من مصمم !! وذلك بذكر نظرية الأكوان المتعددة والتي تتحدث عن أعداد هائلة من الإنفجارات  وكل منها نتج عنه مانتج, وكانت هناك إحتمالية ضئيلة لأن تكون أحدى هذه الأكوان قد حالفها الحظ لأن  تكون بالتنظيم والتصميم العظيم الذي نراه من حولنا.

إذاً, وصلنا الى النتيجة ذاتها, الدفع بإتجاه اللاغائية.

الغائية في القيم والأخلاق

الدراسات الاّثارية تحاول الدفع بإتجاه إثبات أن القيم و الأخلاق التي تربت عليها المجتمعات ماهي إلا عادات تأصلت بمرور الزمن بفعل العوامل الإجتماعية التي تحتاجها التجمعات القبلية ثم العرقية حتى تصل الى المفهوم القومي الحديث . هناك إهتمام عالمي لتأصيل الشذوذ الجنسي تأريخياً, فقد نشر المتحف البريطاني مشروعاً لدليل إرشادي يركز على كشف أدلة على “المثلية” بين القطع التي تحتويه أروقة المتحف([3] ), أي أنه وجدت في الحفريات القديمة (على حسب إدعائهم طبعاً), دلال على وجود الشذوذ في المجتمعات القديمة , وأنه ليس مختصا بهذا العصر , وأن الأصل في العلاقات الجنسية أن تكون هي الرغبة وانه ليس ثمة شذوذ و ولذلك أوجدوا مصطلح المثلية. السير حثيث بهذا الإتجاه, لماذا؟ لأنه يدخل في خانة إلغاء الغاية من العلاقات الجنسية وهي الحفاظ على النسل. أذكر اننا كنا ندرس ان الأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمع وان أساس الاسرة هو  الأب والأم, وهذا لايدع مجالاً للشذوذ, لذلك يجب أن يأتوا بقرائن من التأريخ أن الشذوذ كان امراً عاديا في تلك الأزمان الغابرة, رغم أن وجود المثبية تأريخياً  لايعطي حجة لتشريعها وسن القوانين التي تعترف بها بل وتجبر المجتمعات على تقبلها.

الخلاصة:

مما سبق نستنتج أن السير حثيث بإتجاه تغريب الإنسان في هذا الكون الفسيح.

الخاتمة

بين ما سميناه (المبدأ الغائي  للوجود) وما سميناه (المبدأ اللاغائي للوجود) بون شاسع، كالبون بين الإيمان والكفر. وكالبون بين وجود الله وعدم وجوده. وكالبون بين السعادة والشقاء. المؤسف أن بعض علماء الطبيعة يقعون في ‘وهم‘ أن ما حصلوا عليه من معارف قيمة عن الطبيعة وعن عمل الطبيعة والكون بموجب ‘قوانين صارمة‘ دليل على عدم وجود ‘مصمم‘ للكون وبالتالي عدم وجود (الله  ويتبع ذلك عدم وجود ‘غاية‘ وراء وجودنا و وجود الكون! والحقيقة أن عمل الكون بموجب ‘قوانين صارمة‘ دليل صارخ على وجود المصمم المبدع الذي هو الله الخالق العزيز الحكيم.

شكر وتقدير

أود أن قدم شكري وتقديري للدكتور عبدالقادر جليل الصالحي على مراجعته للمقالة وملاحظاته القيمة , كما اشكر الأستاذ عبدالوهاب نوشاد على ملاحظاته المميزة على المقالة.

المصادر والمراجع

  • القران الكريم.
  • زيغريد هونكة, شمس العرب تسطع على الغرب, ترجمة فاروق بيضون وكمال دسوقي , دار الجيل 1993.
  • جيمس بيرك, عندما تغير العالم, ترجمة ليلى الجبالي , عالم المعرفة, 1994.
  • فؤاد سزكين, إكتشاف المسلمين للقارة الأمريكية قبل كرستوفر كولومبوس, مستل من “تأريخ التراث العربي” , ترجمة وإخراج فريد بن فنغول, معهد تأريخ العلوم العربية والإسلامية في إطار جامعة فرانكفورت , المانيا, 2014.
  • محمود شاكر, الكشوف الجغرافية. دوافعها-حقيقتها , المكتب الإسلامي, 1988.
  • هيئة الإذاعة البريطانية,  https://www.bbc.com/arabic/artandculture/2013/06/130622_uk_museum_gay_history.amp

22 يونيو 2013.

 

********* انتهى المقال **********


[1]  يقول زيغريد هونكة في كتابه (شمس العرب تسطع على الغرب): (والواقع أن روجر بيكون أو باكو فون فارولام أو ليوناردو دافنشي أو غاليلو ليسوا هم الذين أسسو للبحث العلمي إنما السابقون في هذا المضمار هم العرب  ص. 148-149) الى أن يقول ( لقد كان تأثير هذا العربي النابغة, يقصد الحسن بن هيثم, على بلاد الغرب عظيم الشأن فسيطرت نظرياته في علمي الفيزياء والبصريات على العلوم الاوروبية حتى أيامنا هذه, فعلى أساس كتابه (المناظر) نشأ كل مايتعلق بالبصريات إبتداءاً من الإنكليزي روجر بيكون حتى الالماني فيتللو ص.150), ويراجع أيضا كتاب جيمس بيرك (عندما تغير العالم).

[2]  يراجع بتوسع كتاب فؤاد سزكين (إكتشاف المسلمين للقارة الأمريكية قبل كريستوفر كولومبس) وكذا كتاب محمود شاكر (الكشوف الجغرافية  , دوافعها حقيقتها).

[3] الخبر منشور بهيئة  الإذاعة البريطانية وعلى الرابط أدناه:

https://www.bbc.com/arabic/artandculture/2013/06/130622_uk_museum_gay_history.amp

وللمفارقة العجيبة فإن  مسودة المقال قد كتبت في الشهر الثامن من عام 2018 ويمكن أن يلاحظ القاريء ما اّل اليه الوضع في هذه الأيام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.