منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تيسير علم المقاصد(2):

0

 

تقديم:

مر بنا في الحلقة السابقة الحديث عن مفهوم المقاصد، وأنواعها، وبعض اعتبارات تقسيمها لدى المحدثين. ونواصل تقريب مباحث هذا العلم للباحثين وعموم المهتمين بالعلوم الشرعية، وطلبتها.

ونعرض في هذه الحلقة بعض أعلام الفكر المقاصدي، وأهم إسهاماتهم، للوقوف على سيرورة العلم وتطوره، وبعض ما صنف فيه، وملامح المنهج التصنيفي لدى علماء المقاصد.

بعض أعلام الفكر المقاصدي وأهم إسهاماتهم:

المزيد من المشاركات
1 من 45

يمكن الحديث عن أعلام الفكر المقاصدي؛ من خلال تتبع حديثهم عن المقاصد الضرورية، والمصالح الشرعية. وهم فئتان: القدامى والمحدثون.

فمن القُدامى:

– أبو الحسين العامري (ت381هـ):

رغم أن تأريخ ظهور الحديث عن المقاصد أو الضروريات الشرعية عند أغلب من تحدث عن الموضوع بالقرن الخامس الهجري مع أب المعالي الجويني(ت478هـ) وأبي حامد الغزالي(ت505هـ)، إلا أن البداية الحقيقية لظهور المقاصد الضرورية الشرعية كانت في القرن الرابع الهجري مع الفيلسوف أبي الحسين العامري(ت381ه)، من خلال كتابه “الإعلام بمناقب الإسلام” كما نص على ذلك الدكتور أحمد الريسوني، إذ اعتبره أقدم من حدد الضروريات الشرعية.[1]

قال أبو الحسين العامري: “وأما المزاجر فمدارها عند ذوي الأديان الستة لن يكون إلا على أركان خمسة، وهي:

مزجرة قتل النفس، كالقود والدية.

ومزجرة أخذ المال كالقطع والصلب.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

ومزجرة هتك السترة، كالجلد والرجم.

ومزجرة ثلب العرض، كالجلد مع التفسيق.

ومزجرة خلع البيضة، كالقتل عن الردة”[2]

– أبو المعالي الجويني(ت478هـ):

يعتبر أبو المعالي الجويني المؤسس الحقيقي للسلم المقاصدي الذي عرف عند العلماء طيلة قرون؛ إذ هو الذي قسم المقاصد إلى سلم ذي خمس مراتب في كتابه الفريد: “البرهان في أصول الفقه” في كتاب القياس، الباب الثالث: في تقسيم العلل والأصول؛ حيث قال: “ونحن نقسمها خمسة أقسام: أحدها: ما يعقل معناه وهو أصل، ويؤول المعنى المعقول منه إلى أمر ضروري لابد منه، مع تقرير غاية الإيالة الكلية والسياسية العامية. وهذه بمنزلة قضاء الشرع بوجوب القصاص في أوانه، فهو معلل يحقق العصمة في الدماء المصونة، والزجر عن التهجم عليها. فإذا وضع للناظر المستنبط ذلك في أصل القصاص تصرف فيه، وعداه إلى حيث يتحقق    أصل هذا المعنى، وهو الذي يسهل تعليل أصله، ويلتحق به تصحيح البيع،  فإن الناس لو لم يتبادلوا ما بأيديهم لجر ذلك ضرورة ظاهرة. فمستند البيع إذا آيل إلى الضرورة الراجعة إلى النوع والجملة. ثم قد تمهد في الشريعة أن الأصول إذا ثبتت قواعدها فلا نظر إلى طلب تحقيق معناه في آحاد النوع. وهذا ضرب من الضروب الخمسة.

والضرب الثاني: ما يتعلق بالحاجة العامة، ولا ينتهي إلى حد الضرورة…

والضرب الثالث: ما لا يتعلق بضرورة حاقة ولا حاجة عامة، ولكن يلوح فيه غرض في جلب مكرمة        أو في نفي نقيض لها…، وإن أحببنا عبرنا عن هذا الضرب وقلنا: ما لاح ووضح الندب إليه تصريحا…

والضرب الرابع: لا يستند إلى حاجة وضرورة، وتحصيل المقصود فيه مندوب إليه تصريحا ابتداءً…

والضرب الخامس من الأصول: ما لا يلوح فيه للمستنبط معنى أصلا، ولا مقتضى من ضرورة، أو حاجة، أو استحثاث على مكرمة، وهذا يندر تصويره جدا، فإنه إن امتنع استنباط معنى جزئي، فلا يمتنع تخيله كليا”[3].

يعتبر أبو المعالي الجويني(ت478هـ) من خلال هذا النص وما تعلق به مما ذكر بكتابه أول من قسم (العلل) أو (الأصول)- وهي مصطلحات مرادفة لمصطلح (المقاصد) – إلى مراتب. وهو كذلك أول من حاز قصب السبق في تسمية (الضرورة) و(الحاجة). وهو أيضا من أوائل من تحدث عن (القياس المصلحي): وهو إلحاق جزئي بكلي عوض إلحاق جزئي بجزئي كما هو معروف عند علماء الأصول في مبحث القياس. يلاحظ أن الإمام الجويني لم يعرف الضرورة؛ إذ اقتصر على القول: “ويؤول المعنى المعقول منه إلى أمر ضروري لابد منه” وقد اقتصر على التمثيل لهذا النوع بوجوب القصاص المتعلق بحفظ النفس، لكنه بذلك يعتبر من أوائل من وضع شرط (اللَّابُدِّية) في تحديد معنى (الضروري)[4].

أبو حامد الغزالي(ت505هـ):

ألف أبو حامد الغزالي ثلاثة كتب في الأصول هي: “شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل” وكتاب: “المنخول من تعليقات الأصول”، وكتاب: “المستصفى من علم الأصول”. ويعتبر الكتاب الأخير هو الكتاب الذي اكتملت فيه (الصناعة الأصولية) عند الإمام الغزالي، وهو الكتاب الذي يعبر بحق كذلك عن الاستقلالية في التفكير، والإبداع في البناء والتأصيل. إذ كان كتاباه الأولان عبارة عن تلخيص ما كان عند من سبقه من العلماء في باب الأصول. لقد الف الإمام الغزالي كتاب “المستصفى من علم الأصول”      سنة (503هــ) أي قبل وفاته بعامين[5]، وهذا يعني أن الإمام الغزالي ألفه في مرحلة النضوج والاكتمال والإبداع؛ ولذلك هو المعتمد في تحديد الضروريات الشرعية.

قال أبو حامد  الغزالي: “المصلحة باعتبار قوتها في ذاتها تنقسم إلى ما هي في رتبة الضروريات، وإلى ما هي في رتبة الحاجيات، وإلى ما يتعلق بالتحسينيات، وتتقاعد أيضا عن رتبة الحاجات. ويتعلق بأذيال كل قسم ما يجري مجرى التكملة والتتمة لها. ولنفهم أولا معنى المصلحة… أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك؛ فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق. وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكننا نعني بالمصلحة: المحافظة على مقصود الشرع. ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم: دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم. فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة. وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة..

الرتبة الثانية: ما يقع في رتبة الحاجات من مصالح ومناسبات..

الرتبة الثالثة: ما لا يرجع إلى ضرورة ولا حاجة، ولكن تقع موقع التحسين والتزيين والتيسير للمزايا والمزائد ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات”[6].

نستنتج من هذا النص النفيس ما يأتي:

– يعتبر أبو حامد الغزالي (ت 505هـ) أول من حدد المقاصد في رتب ثلاث. وهو ما اشتهر بعد ذلك عند كافة علماء الأصول، وهو كذلك ما سار عليه أبو إسحق الشاطبي.

– يعتبر أبو حامد الغزالي من أوائل من عرف المصلحة تعريفا دقيقا؛ إذ جعلها مرتبطة بتحقيق مقصود الشرع.

–  يعتبر أبو حامد الغزالي من أوائل من تحدث عن مقاصد الخلق بجانب مقاصد الشرع، أو مقصود الشرع.

– يكاد يكون أبو حامد الغزالي هو أول من رتب (المقاصد الضرورية) بعد حصرها في خمسة. إذ جاء الترتيب هكذا: الدين، النفس، العقل، النسل، المال. وهو الذي سار عليه أكثر الأصوليين.

– يعتبر أوب حامد الغزالي كذلك من أوائل من علل الترتيب الوارد عنده بين الضروريات الخمس؛ حيث قال:

“هذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات. فهي أقوى المراتب في المصالح، ومثاله: قضاء الشرع بقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته. فإن هذا يفوت على الخلق دينهم، وقضاؤه بإيجاب القصاص إذ به حفظ النفوس؛ وإيجاب زجر الغصاب والسراق؛ إذ به يحصل حفظ الأموال التي هي معاش الخلق، وهو مضطرون إليها. وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل أن تشتمل عليه ملة من الملل، وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق؛ ولذك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر والقتل، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر”[7] .

إن ما ورد في هذا النص، أو ما تعلق به في كتاب الغزالي؛ يعد أساس الترجيح بين المصالح الذي تطور ونما على يد سلطان العلماء العز بن عبد السلام(ت660هـ) في كتابه: “قواعد الأحكام في إصلاح الأنام”.

– فخر الدين الرازي(ت606هـ):

أتم فخر الدين الرازي كتابه: “المحصول في علم الأصول” سنة (576هـ)، وهو كتاب لخص فيه كتاب “المعتمد في أصول الفقه”  لأبي الحسين البصري المعتزلي(ت436هـ)، وكتاب: “البرهان في أصول الفقه” لأبي المعالي الجويني(ت478هـ)، وكتاب “المستصفى في علم الأصول” لأبي حامد الغزالي(ت505هـ). ويؤسس كتاب الرازي لمرحلة الاجترار والتوقف عن الإبداع في العلم الذي اكتملت أبوابه ومسائله في القرن الخامس مع الإمام الغزالي.

قال الإمام الرازي: “كون المناسب مناسبا؛ إما أن يكون لمصلحة تتعلق بالدنيا، أو لمصلحة تتعلق بالآخرة. أما القسم الأول: فهو على ثلاث أقسام: لأن رعاية تلك المصلحة؛ إما أن تكون في محل الضرورة، أو في محل الحاجة، أو لا في محل الضرورة، ولا في محل الحاجة. أما التي في محل الضرورة؛ فهي التي تتضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمسة؛ وهي: حفظ النفس والمال والنسل والدين والعقل.

أما النفس: فهي محفوظة بشرع القصاص، وقد نبه الله اعلى عليه بقوله: “ولكم في القصاص حياة” البقرة: 179. وأما المال: فهو محفوظ بشرع الضمانات والحدود. وأما النسب: فهو محفوظ بشرع الزواجر عن الزنا؛ لأن المزاحمة على الأبضاع تفضي إلى اختلاط الأنساب، المفضي إلى انقطاع التعهد عن الأولاد، وفيه التوثب على الفروج بالتعدي والتغلب، وهو مجلبة الفساد والتقاتل. وأما الدين: فهو محفوظ بشرع الزواجر عن الردة، والمقاتلة مع أهل الحرب. وقد نبه الله تعالى عليه بقول:” قاتلوا الذين لا يومنون بالله ولا باليوم الآخر” التوبة: 29. وأما العقل: فهو محفوظ بتحريم المسكر، وقد نبه الله تعالى عليه بقوله: “أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر” المائدة: 91. فهذه الخمسة هي المصالح الضرورية”[8].

– أبو الحسين الآمدي(ت 631هـ):

موقف أبي الحسين الآمدي من الضروريات الخمس، ورد في كتابه الإحكام في أصول الأحكام، حيث تحدث عن أقسام المقصود من شرع الحكم والاختلاف في مراتبه في نفسه وذاته: “وهو لا يخلو: إما أن يكون من قبيل المقاصد الضرورية، أو لا …، فإن كان من قبيل المقاصد الضرورية، فإما أن يكون أصلا أوم لا يكون أصلا. فإن كان أصلا؛ فهو راجع إلى المقاصد الخمسة التي لم تخل من رعايتها ملة من الملل، ولا شريعة من الشرائع، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

فإن حفظ هذه المقاصد الخمسة من الضروريات، وهي أعلى مراتب المناسبات. والحصر في هذه الخمسة الأنواع؛ إنما كان نظرا إلى الوقوع والعلم بانتقاء مقصد ضروري خارج عنها في العادة”[9].

إذا كان أبو الحسن العامري(381هـ)، قد أرجع حصر الضروريات الخمس إلى اتفاق الأديان عليها؛ فإن الآمدي أرجع ذلك إلى أن حاجة الناس لا تخرج في العادة عن ذلك. وبذلك نكون إزاء (معيارين اثنين) في تحديد الضروريات. المعيار الأول: مصدره النص الشرعي. والمعيار الثاني مصدره (حاجة ومصالح الناس). وبذلك تجتمع (مقاصد الشرع) و(مقاصد الخلق) في تحديد معنى الضرورة[10].

– العز بن عبد السلام (ت660هـ):

أسهمت جهود الإمام العز في التأسيس لعلم المقاصد؛ من خلال كتابه النفيس: “قواعد الأحكام في مصالح الأنام”، حيث وقف على أنواع المصالح بالتدقيق،  علاوة على طرق الترجيح بين المصالح ذاتها، وبين المفاسد ذاتها، ثم بين المصالح والمفاسد. يقول رحمه الله:

” اتفقت الشرائع على تحريم الدماء والأبضاع، والأموال، والأعراض”[11].  ولم يذكر الدين من هذه الأصول، وقال في موضع آخر: “فالضرورات: كالمآكل، والمشارب، والملابس، والمناكح، والمراكب، والجوالب للأقوات”[12]. ويفهم من هذا النص الأخير أن الترتيب الثلاثي هو من قبيل الوسائل لا المقاصد.

ولم يبق ابن عبد السلام حبيس التقسيم الذي كان قبله للمقاصد والمصالح، فهو أول من تحدث من القدامى على (المقاصد الكفائية) الجماعية بجانب (المقاصد العينية)، لكنه لم يتوسع في ذلك بالشكل المطلوب. قال: “اعلم أن المصالح ضربان: أحدهما: ما يثاب على فضله لعظم المصلحة في فعله، ويعاقب على تركه لعظم المفسدة في تركه. وهو ضربان: أخدهما: فرض على الكفاية، كتعلم أحكام الشريعة الزائدة على ما يتعين تعلمه على المكلفين إلى نيل رتبة الفتيا، وكجهاد الطلب، وجهاد الدفع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… والإمامة العظمى…

والثاني: فرض الأعيان… واعلم أن المقصود بفرض الكفاية وتحصيل المصالح، ودرء المفاسد دون ابتلاء الأعيان بتكليفه”[13].

وقال في موضع آخر وهو يتحدث عن (المصالح الكفائية) أو بتعبير المحدثين (المصالح الجماعية):

“اعلم أن الله تعالى خلق الخلق وأحوج بعضهم إلى بعض؛ لتقوم كل طائفة بمصالح غيرها. فيقوم الأكابر بمصالح الأصاغر، والأصاغر بمصالح الأكابر، والأغنياء بمصالح الفقراء، والفقراء بمصالح الأغنياء، والنظراء بمصالح النظراء، والنساء بمصالح الرجال والرجال بمصالح النساء. وهذا القيام ينقسم إلى جلب مصالح الدارين أو إحداهما، وإلى دفع مفاسدهما أو إحداهما.

أما احتياج الأصاغر إلى الأكابر فهو أنواع:

أحدها: الاحتياج إلى الإمام الأعظم، ثم إلى الولاة القائمين بمصالح المسلمين، ثم إلى القضاة القائمين بإنصاف المظلومين من الظالمين        …

ولوا نصب الإمام الأعظم، لفاتت المصالح الشاملة، وتحققت المفاسد العامة، ولاستولى القوي على الضعيف، والدني على الشريف. وكذلك ولاة الإمام؛ فإنه لا يتم أمره إلا بالاستعانة بهم للقيام بمصالح المسلمين. وكذلك الحكام لو لم ينصبوا لفاتت حقوق المسلمين”[14].

فكأن العز هنا ينبه على دور الدولة في تحقيق المصالح الاجتماعية. وقد ذكر هنا نقطتين: السلطة التنفيذية، والسلطة القضائية. إذ بفواتهما تفوت المصالح العامة، والمقاصد الكلية. وهذا الأمر من أوجه الجدة الإبداع في نظرية المقاصد عند ابن عبد السلام[15].

– شهاب الدين القرافي(684هـ):

رتب شهاب الدين القرافي الضروريات الشرعية دون تعليل؛ إذ جاءت حسب الترتيب التالي: النفوس- الأديان- العقول- الأموال- وقيل الأعراض[16].

– ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي(ت685هـ):

رتب البيضاوي (الضروريات الشرعية) على الشكل التالي: النفس، والدين، والعقل، والمال، والنسب. دون تعليل[17]. وتابعه على ذلك الإسنوي (ت772هـ) على هذا الترتيب[18].

– ابن تيمية(ت728هـ):

اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية أن حفظ الضروريات الخمس متعلق فقط بالمصالح الدنيوية، وأن الكثير من أهل الأصول أعرضوا عما في العبادات من معان باطنية؛ حيث قال: “كثير من الناس يقصر نظره عن معرفة ما يحبه الله ورسوله من مصالح القلوب والنفوس ومفاسدها، وما ينفعها من حقائق الإيمان، وما يضرها من الغفلة والشهوة، كما قال تعالى: “ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا” الكهف:28. وقال تعالى: “فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا، ذلك مبلغهم من العلم” النجم:28-29. فتجد كثيرا من هؤلاء في كثير من الأحكام لا يرى من المصالح والمفاسد إلا ما عاد لمصلحة المال والبدن، وغاية كثير منهم إذا تعدى ذلك أن ينظر إلى سياسة النفس، وتهذيب الأخلاق، بمبلغهم من العلم…

وقوم من الخائضين في أصول الفقه وتعليل الأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة، إذا تكلموا في المناسبة، وأن ترتيب الشارع للأحكام على الأوصاف المناسبة ستضمن تحصيل مصالح العباد ودفع مضارهم. ورأوا أن المصلحة نوعان: أخروية ودنيوية، جعلوا الأخروية ما في سياسة النفس والأخلاق من الحكم، وجعلوا الدنيوية ما تضمن حفظ الدماء، والأموال والفروج، والعقول، والدين الظاهر، وأعرضوا عما في العبادات الباطنية والظاهرة من أنواع المعارف بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، وأحوال القلوب وأعمالها، كمحبة الله الله وخشيته وإخلاص الدين له، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته ودعائه، وغير ذلك من أنواع المصالح في الدنيا والآخرة. وكذلك فيما شرعه الشارع من الوفاء بالعهود، وصلة الأرحام، وحقوق الممالك والجيران، وحقوق المسلمين بعضهم على بعض، وغير ذلك من أنواع ما أمر به ونهى عنه، حفظا للأحوال السنية، وتهذيب الأخلاق، ويتبين أن هذا جزء من أجزاء ما جاءت به الشريعة من المصالح”[19] .

– الشاطبي(ت 790هـ) مؤسس علم المقاصد:

إذا كان محمد بن إدريس قد اعتبر مؤسس “علم أصول الفقه” بالرغم من أنه لم يدع ذلك؛ فكذلك الشأن مع الإمام أبي إسحق الشاطبي الغرناطي، الذي اعتبره الكثيرون مؤسس علم مقاصد الشريعة، بالرغم من أنه لم يدَّع ذلك، ولا استعمل هذا اللقب.

فكل الذين يؤمنون بانبثاق هذا العلم وتميزه، أو يؤمنون بضرورة ذلك، يعتبرون أن عمل الشاطبي كان عملا تأسيسيا في هذا المضمار.

وقد اشتهر العلامة محم الطاهر ابن عاشور بأنه أول من دعا إلى تأسيس علم جديد يستقل عن علم أصول الفقه ويتكامل معه؛ هو (علم مقاصد الشريعة). ولكنه هو نفسه يردف قائلا بعد دعوته ذلك:

“والرجل الفذ الذي أفرد هذا الفن بالتدوين هو أبو إسحق إبراهيم إبراهيم بن موسى الشاطبي المالكي؛ إذ عني بإبرازه في القسم الثاني من كتابه المسمى (عنوان التعريف بأصول التكليف في أصول الفقه)[20]، وعنون ذلك القسم بكتاب المقاصد”[21].

– ثم إن الشاطبي جمع ما تفرق عند غيره وما تراكم وتطور عند سابقيه، لكن جمعه هذا كان عملا بنائيا منسقا، مع مزيد من البيان والتتميم، ليخرج ذلك كله على شكل نظرية متكاملة في مقاصد الشريعة.

– مما هيأ لاكتمال هذا البناء على يد الشاطبي، إلى حد أصبحنا معه اليوم نتحدث عن “علم المقاصد”، كونه فتح الكلام في أبواب جديدة تتعلق بمقاصد الشريعة منها:

مقاصد المكلف في علاقتها بمقاصد الشارع،

ومنها علاقة المقاصد بالاجتهاد ومدى توقفه عليها،

ومنها طرق إثبات المقاصد.

فهو في هذه المباحث كلها مبتكر ومجدد ومؤسس[22].

– الاستفادة من عمل الشاطبي لم تحصل لا في زمن الشاطبي ولا في القرون التي أعقبته، لأن الزمن الإسلامي كان قد توقف وجمد، إلى أن تحرك من جديد في غضون قرن مضى يزيد أو ينقص…

ومن أعلام الفكر المقاصدي المحدثين:

– محمد الطاهر ابن عاشور(1879-1973م):

يعتبر الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في العصر الحديث أول من كتب في المقاصد تقعيدا وتنظيرا، ثم توالت بعده الكتب والدراسات في مختلف البلاد الإسلامية.

ويعتبر كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية” الذي صدر سنة 1946؛ الكتاب الثاني في تقعيد مسائل علم المقاصد بعد كتاب “الموافقات” لأبي إسحق الشاطبي(ت790هـ).

فقد جدد ابن عاشور النظر في (مقاصد الشريعة) من خلال بحثه في (نظام الاجتماع الإسلامي) الذي أوضحه في كتابه: “أصول النظام الاجتماعي في الإسلام”، فقد رأى بنظره أن المقاصد الضرورية عند القدماء ركزت على الفرد بدل الجماعة، وهي غير قادرة على الإجابة عن الإشكالات التي يطرحها المجتمع اليوم.

من أبرز ما أضافه ابن عاشور، هو ذلك النوع من المقاصد الذي خصص له القسم الثالث من كتابه وسماه: “مقاصد التشريع الخاصة بأنواع المعاملات”، وأدرج تحته:

– مقاصد أحكام العائلة؛

– مقاصد التصرفات المالية؛

– مقاصد الشريعة في المعاملات المنعقدة على الأبدان؛

مقاصد أحكام القضاء والشهادة؛

– المقصد من العقوبات.

لقد كان الكلام في مقاصد الشريعة قبل ابن عاشور ينصرف إما إلى المقاصد العامة، وهي التي خصص لها القسم الثاني، وسماها “مقاصد التشريع العامة” وإما إلى مقاصد الأحكام التفصيلية، أي المقاصد الجزئية، فلما جاء ابن عاشور كشف عن مستوى آخر من المقاصد، يتوسط بين العامة والجزئية، وهو ما يتعلق بمجال تشريعي معين، كالمجالات التي ذكرها.

يعد ابن عاشور هو أول من نادى صراحة بتأسيس علم جديد هو “علم المقاصد”، ويبدو أنه كان يؤلف كتابه على هذا الأساس.

– علال الفاسي(ت 1974م):

بعد سنوات من صدور كتاب ابن عاشور، نجد الزعيم علال الفاسي يحمل راية المقاصد والفكر المقاصدي على نطاق واسع في عدد من المؤسسات الجامعية المغربية، ويتوج ذلك بتأليف كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها)، وهو الكتاب الذي يقول عنه: “وكان أصله محاضرات ألقيتها على كل من طلبة الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط، وطلبة كلية الحقوق بنفس الجامعة بفاس، وطلبة كلية الشريعة بجامعة القرويين بنفس المدينة”[23].

وهذا توسع كبير في تدريس المقاصد وتلقين قضاياها ونشر ثقافتها، وإخراجها من الحيز الضيق الذي كان لا يتجاوز خاصة الخاصة.

– أحمد الريسوني:

بذل جهودا مشكورة في نشر الثقافة المقاصدية، وإظهار الأعمال المرتبطة بها؛ وقد أنجز رسالته الجامعية في: “نظرية المقاصد عند الشاطبي”، حيث أبرز معالم هذه النظرية، ثم أنتج بعد ذلك بحوثا ودراسات مرتبطة بعلم مقاصد الشريعة والتقعيد لها:

الفكر المقاصدي: قواعده وفوائده- مقاصد المقاصد- مقاصد علم أصول الفقه- مدخل إلى مقاصد الشريعة…، بالإضافة إلى تدريسها بالجامعة، والإشراف على العديد من الرسائل والأطاريح الجامعية في الباب، ناهيك عن المحاضرات المرئية في مختلف المحافل العلمية.

 

 

(يتبع بإذن الله عز وجل)

[1]الفكر المقاصدي: قواعده ومقاصده. أحمد الريسوني، ص: 27.

[2]الإعلام بمناقب الإسلام، ص: 125.

[3]البرهان في أصول الفقه، 2/79-80.

[4]المقاصد العليا للشريعة الإسلامية من مقاصد الوجود إلى مقاصد الشهود، سعيد حليم، ص: 80-81.

[5]الفكر المقاصدي عند الإمام الغزالي. د. محمد عبدو، ص: 202.

[6]المستصفى من علم الأصول، 1/174.

[7] – نفسه.

[8]المحصول في علم أصول الفقه، 2/320-321.

[9]الإحكام في أصول الأحكام. ص: 569.

[10]المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، سعيد حليم، ص:84-85.

[11]قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ص: 9.

[12]قواعد الأحكام، ص: 341.

[13]نفسه، ص: 55.

[14]قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ص: 339.

[15]المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، سعيد حليم، ص: 87.

[16]شرح تنقيح الفصول، مكتبة الكليات الأزهرية.  ص: 339.

[17]منهاج الوصول إلى علم الأصول، ص:59.

[18]نهاية السول، 4/75.

[19]مجموع الفتاوي، 32/233-234.

[20] – يقصد كتاب (الموافقات) الذي كان الشاطبي قد اختار له في البداية اسم (عنوان التعريف بأسرار التكليف) بهذه الصيغة، وليس كما ورد عند الشيخ ابن عاشور ، دون أن يصححه أو ينبه على خطئه أحد من الناشرين ولا من المحققين.

[21]مقاصد الشريعة الإسلامية،  بتحقيق الميساوي، ص: 128-129.

[22] – راجع تفصيل ذلك في (نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي) د. أحمد الريسوني، وخاصة الباب الرابع الأخير.

 

[23]مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، (تقديم الكتاب).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.