منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ضع وتعجل

د. محمد جعواني/ ضع وتعجل

0

ضع وتعجل

د. محمد جعواني

من كتاب “الصيغ التمويلية في البنوك التشاركية، دراسة فقهية تأصيلية”،

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

جاء في المادة 7: «يمكن أداء ثمن البيع من لدن العميل دفعة واحدة أو من خلال دفعات متعددة، حسب الشروط والكيفيات المتفق عليها بيـن طرفي العقد. يجوز للعميل بمبادرة منه أن يقوم في أي وقت ودون تعويض، بالتسديد المبكر أو الجزئي لثمن البيع المتبقي أداؤه، مع مراعاة الشروط المحددة في عقد المرابحة.

في حالة التسديد المبكر يمكن للمؤسسة أن تتنازل عن جزء من هامش الربح لفائدة العميل، شرط ألا يـنص العقد على ذلك. ويجب أن يـنص العقد صراحة على أن المؤسسة غيـر ملزمة بالتنازل عن جزء من هامش الربح في حالة التسديد المبكر».[1]

المزيد من المشاركات
1 من 18

ولعل المشرّع بهذا التنصيص أراد تفادي صيغة «ضع وتعجل» التي اختلف فيها الفقهاء على ثلاثة أقوال:

الأول: لفقهائنا المالكية ووافقهم عليه الشافعية.

ومفاده المنع إذا كان لشرط، لأنه ربا. قال الإمام مالك:» والأمر المكروه الذي لا اختلاف فيه عندنا، أن يكون للرجل على الرجل الديـن إلى أجل، فيضع عنه الطالب ويعجله المطلوب، وذلك عندنا بمنزلة الذي يؤخر ديـنه بعد محله عن غريمه ويزيده الغريم في حقه، قال: فهذا الربا بعيـنه، لا شك فيه».[2]

فالإمام مالك يعتبـر صورة «ضع وتعجل» بمنزلة «أخِّرني وأزيدك»، ووجه الشبه بيـنهما أن للزمن ثمنا في الصورتيـن.[3]

وجاء في الرسالة:» ولا تجوز الوضيعة من الديـن على تعجيله، ولا التأخيـر به على الزيادة فيه».[4] قال الشارح: «(لا تجوز الوضيعة)، أي: الحطيطة (من الدَّيـن) كان من بيع أو من قرض على شرط (تعجيله) قبل حلوله…فهذا حرام. وتسمى هذه الصورة بضع من حقِّك وتعجّل. أي: حُطَّ عني حصة منه وأعجل لك باقيه. وحرمة ضع وتعجَّل عامة في ديـن بالبيع والقرض».[5]

القول الثاني: لفقهاء الحنفية والحنابلة، ومفاده عدم الجواز إلا في ديـن الكتابة لأن الربا لا يجري بيـن المكاتب ومولاه في ذلك.

فيتلخص من قول الجمهور أن صورة «ضع وتعجل» لا تجوز إذا كانت بشرط مسبق، أما إذا كانت بغيـر شرط فلا تمنع.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 14

قال ابن حزم: « فلو عجل الذي عليه الحق بعض ما عليه بغيـر شرط، ثم رغب إلى صاحب الحق أن يضع عنه الباقي أو بعضه فأجابه إلى ذلك، أو وضعه، أو بعضه، فكل ذلك جائز حسن وكلاهما مأجور. لأنه ليس ههنا شرط أصلا، لكن أحدهما سارع إلى الخيار في أداء بعض ما عليه فهو محسن، والآخر سارع إلى الإبراء من حقه فهو محسن، قال الله تعالى: ﴿وافعلوا الخيـر﴾ وهذا كله خيـر”[6]

القول الثالث: لأحمد في رواية عنه اختارها ابن تيمية و ابن القيم، ومفاده الجواز ولو بشرط.[7] وأخرج البيهقي أن ابن عباس-رضي الله عنهما- كان لا يـرى بأسا أن يقول أعجل لك وتضع عني.[8]

كما أخرج صاحب المصنف قول ابن عباس-رضي الله عنهما-: “إنما الربا أخِّر لي وأنا أزيدك، وليس عجّل لي وأضع عنك”. [9]

واحتج المجيزون بحديث ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج بني النضيـر قالوا: يا رسول الله، إنك أمرت بإخراجنا ولنا على الناس ديون لم تحل، قال: “ضعوا وتعجلوا”.[10]

ويـرى ابن القيم أن “ضع وتعجل” هو من باب صلح الإبراء أو صلح الإسقاط.

وقال مبيـنا الفرق بيـن الربا المحرم و”ضع وتعجل”: “مقابلة الأجل بالزيادة في الربا ذريعة إلى أعظم الضرر، وهو أن يصيـر الدرهم الواحد ألوفا مؤلفة، فتشتغل الذمة بغيـر فائدة. وفي الوضع والتعجيل تتخلص ذمة هذا من الديـن، ويـنتفع ذاك بالتعجيل له، والشارع له تطلع إلى براءة الذمم من الديون، وقد سمى الغريم المديـن أسيـرا، ففي براءة ذمته تخليص له من الأسر، وهذا ضد شغلها بالزيادة مع الصبر”.[11]

ورجح مجمع الفقه الإسلامي قول الجمهور بالجواز بشرط عدم الاتفاق المسبق فقرر “ أن الحطيطة من الديـن المؤجل لأجل تعجيله، سواء كانت بطلب الدائن أو المديـن (ضع وتعجل) جائزة شرعا، لا تدخل في الربا المحرم إذا لم تكن بناء على اتفاق مسبق، ومادامت العلاقة بيـن الدائن والمديـن ثنائية، فإذا دخل بيـنهما طرف ثالث لم تجز، لأنها حيـنئذ تأخذ حكم حسم الأوراق التجارية”.[12]

واتجه المؤتمر السابع عشر للأيوفي إلى القول بجواز إصدار تعليمات من البنوك المركزية بإلزام البنوك التي تحت إمرتها بالحط من الديـن عند تعجيل السداد، ويكون ذلك الإلزام من باب الإلزام الأدبي الذي يُتَضمّن في سياساتها وإجراءاتها وليس من الإلزام العقدي المشروط في العقد.[13]

خلاصة المسألة:

أخذ بنك المغرب برأي الجمهور- ومنهم المالكية- والاجتهاد المعاصر (المجمع الفقهي، المعاييـر الشرعية) القائل بجواز “ضع وتعجل” في غياب الشرط المسبق. فيكون وضعُ البنك من الدّيـن عند تعجيل السداد من باب التبـرع والإحسان.

من كتاب “الصيغ التمويلية في البنوك التشاركية، دراسة فقهية تأصيلية”،

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي


[1]–  انظر: منشور والي بنك المغرب، الجريدة الرسمية، عدد 6548، ص582

[2]–  انظر: القبس لابن العربي 3/306

[3]–  انظر: بداية المجتهد 2/155

[4]–  الرسالة ص213-214

[5]–  الفواكه الدواني 2/91

[6]–  المحلى لابن حزم 1/83 – 84

[7]–  انظر: إعلام الموقعيـن 3/371

[8]–  انظر: سنن البيهقي 6/28

[9]–  انظر: مصنف عبدالرزاق 8/27

[10]–  رواه البيهقي في السنن، كتاب البيوع، باب من عجل له أدنى من حقه قبل محله فقبله ووضع عنه طيبة به أنفسهما.ح(10920)، قال البيهقي: فيه ضعف. انظر: سنن البيهقي 6/28، ورواه الدارقطني في السنن، كتاب البيوع.ح193، ووصفه الدارقطني بأنه مضطرب. انظر: سنن الدارقطني 3/46. ورواه الحاكم في المستدرك، كتاب البيوع.ح2325، وقال عنه الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. واعترض الذهبي على تصحيحه، وأشار لضعفه. انظر: المستدرك 2/61.

وقال ابن القيم: « هو على شرط السنن، وقد ضعفه البيهقي ورجال إسناده ثقات، وإنما ضعف بمسلم بن خالد الزنجي، وهو ثقة فقيه، روى عنه الشافعي واحتج به». انظر: إغاثة اللهفان لابن القيم 2/13.

[11]–  انظر: إغاثة اللهفان 2/13، إعلام الموقعيـن 3/371

[12]–  انظر: مجلة المجمع الفقهي، العدد السادس 1/193، والعدد السابع 2/9.

[13]–  انعقد المؤتمر في 7 – 8 أبريل 2019 بالبحريـن.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.