منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سؤال المعرفة والمقام في سرديات «كأنها ظلة»

عبد السلام الميموني

0

 

في البدء.. كانت كلمة

سؤال ‘‘المعرفة‘‘ هنا إحالة على الحقل التداولي الإنساني للمعرفة بمجالاتها وفنونها وفروعها المتعددة، وتلاقح الحضارات وانصهارها بفعل التواصل والتفاعل والتثاقف الإنساني، وإحالة على حقل معرفي خاص أو مخصوص هو الحقل الصوفي الذي يضفي على ‘‘المعرفة ‘‘دلالة معينة تتجاوز المعرفة العادية أو ‘‘المعرفة العالمة ‘‘ إلى معرفة الله عز وجل أو ‘‘العرفان ‘‘ حيث علمُ اللهِ المحيط والفيوضات الربانية اللاّنهائية.

إن هذا النوع من المعرفة لا يمكن للإنسان أن يهتدي إليه بطريق التعلم ومهاراته المتعددة، وإمكاناته العقلية، واستعداداته الشخصية والاجتماعية؛ وإنما هي معرفة/ عرفان تتحصل بنورٍ يقذفهُ الله في قلب عبده المتقرب إليه آناء الليل وأطراف النهار، وحكمةٌ إلهيةٌ تتجلى وتفيض لاحقا على شكل قدرات كلامية وقوة في الخطاب ومنطق في النسج وبلاغة في الفصل. ودون هذه المعرفة عقباتٌ ونفسٌ وهوىً وأشواقٌ واحتراقٌ وطريقٌ وأحوالٌ ومقاماتٌ وصولا إلى المقام المطلق؛ الفناءُ في الله وتلك هي ‘‘ المعرفةُ اللَّدُنِيَّةُ ‘‘ التي يهبها الله لخاصة خلقه من أوليائه وأصفيائه.

المزيد من المشاركات
1 من 10
  • وسؤال المعرفة من خلال رواية ‘‘ كأنها ظلة ‘‘ سؤال عن المعنى والقصد واكتشاف لرؤية فلسفية »عبر طرق في القول مخصوصة،.. يتبدّى فيها جهد المبدع فكرة وصياغة وتركيبا وتحميلا للدلالة«[1]. »وهو ما يعني أن الاقتصار على دراسة عنصر البناء في نص روائي من دون معانيه أو العكس طمس لجوهر الإبداع الروائي«[2].
  • أما سؤال “المقام” فهو سؤالٌ عن مقامات النفس في وصلها ووصالها بعالم الغيب وعالم الأرواح النورانية وانفصالها عن عالم المادة أو عالم الجسد ومنغصاته وأثقاله وجواذبه؛ وسؤال عن مقامات السرد حيث تُثْبِتُ الذات اقتدارها على بعث كوامن النفس وإشراقات الروح في تَعالُقٍ وتماهٍ مع الذوات الأخرى الفاعلة في واقع الأمة المثقل بالهموم والأحزان، والتشوف إلى أفق ترنو إليه. فما أحوج الإنسانية إلى معرفة تنتشلها من واقعها الكئيب وترتقي بها مراقي المحبة والعدل والحرية والسلام.
  • وسؤال المقام في رواية ‘‘ كأنها ظلة ‘‘ سؤالٌ واسْتِشْفافٌ لمقامات الرواية وتشكيلاتها الناظِمَةِ لها.
  • سؤال عن الأحداث وبناءاتها وطبيعتها.
  • سؤال عن حضور عنصر التشويق في استرسال الحدث وانقطاعه ووصله.
  • سؤال عن الإسقاطات الرمزية للمتن والمدلولات الصوفية؛ سؤال عن الرؤية والمقصد.
  • سؤال عن طبيعة النص المسرود وكيفية انكتابه وزمنه؛ سؤال عن المقروء والقارئ.
  • سؤال عن حضور الدراما في الرواية وانزياحها عن القوالب التقليدية.
  • سؤال عن مشاهد الرواية وتوظيفاتها وإمكانية انتقالها من التصوير الفني البلاغي المحض، المتخيل منه والواقعي، إلى التصوير السينمائي القائم على الرؤية البصرية وصناعة المشهد بتقنياته السمعية البصرية ومؤثراته المتعددة، وعلى صناعة السيناريو والإخراج السينمائي وتكثيف الزمن. إن زمن الرواية ليس بالضرورة زمن الفيلم ولن يكون هو زمن الدراما المشكلة لحلقات المسلسل.

فصناعة الحبكة الروائية في الرواية المعاصرة ينبغي أن تستحضر هذه العناصر وتدمجها وتعي جيدا ‘‘ مقامات العبور ‘‘؛ من الرواية إلى السيناريو، ومن السيناريو إلى التصوير فيلما كان أو مسلسلا.

  • سؤال عن الموروث الشعبي بما هو مجموع التعبيرات والقيم والتقاليد الثقافية والمجتمعية التي سادت بين الناس في مجتمعاتهم؛ وصبغت حياتهم وشكلت وعيهم. فهو من الموضوعات الأثيرة في الرواية المغربية الحديثة وبناءاتها.
  • سؤال عن فناء النص أو بقائه باستشراف وتوقع النهاية وعن لحظة ‘‘ الانكتاب ‘‘ التي تبقى سارية في الوجود في مدى الإرجاء ببقاء الكلمة وهي تلامس البياض وتتحس السطور دوما وتنتظر الولادة.

السيرة الذاتية للدكتورة سعاد الناصر[3]

  •  من مواليد سنة 1959 تطوان/ المغرب، حاصلة على دبلوم الدراسات العليا من جامعة عبد المالك السعدي،كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان في 1993، وحاصلة على دكتوراه الدولة في الآداب في 2003، وتعمل أستاذة التعليم العالي بجامعة عبد المالك السعدي، كلية الآداب بتطوان/المغرب , وتقوم بتدريس مواد: نصوص قرآنية و السرد الحديث ودراسات نسائية والمسرح.

المبحث الأول: معمار الرواية والسرد في رواية “كأنها ظلة”

      • أولا: بناء الرواية

إن البناء الهيكلي للرواية إذا ما تجاوزنا عتبة العنوان يَتَمَفْصَلُ إلى مقامات رئيسية وأخرى ثانوية وحدث مركزي أو الحدث النواة الذي تنصهر فيه كل الأحداث والمواقف، ومنه تتفرع.

كل مقام من مقامات الرواية له تشكيل معين يَنْظِمُه؛ آثَرَتِ الروائيةُ أن يتشكل من مجموعة من المشاهد داخلَها يتكَوْثَرُ حدثٌ أو أحداثٌ اصطلحتُ على تسميتها ب ‘‘ الحدثُ الصَّدمةُ ‘‘ بِ ‘‘ رَجّاتٍ ‘‘ متعددة يفصل رتابتَها أو عنفوانَها مجموعة من الفواصل أو القواطع.

وداخل المقطع الواحد أو المقام/ المقامات الموالية تبرز ما تسمى ‘‘ الوُصلةُ ‘‘ وغالبا ما تكون تتمةً لحدثٍ سابقٍ متقطعٍ في سياقه فيكتمل بواسطتها بناءُ الحدثِ.

وبما أن الإسقاطات الرمزية للمتن و المدلولات الصوفية حاضرة بقوة في هذه الرواية فإن السَّبْرَ الجيِّدَ لمقامات الرواية والدراسة المتفحصة للمتن تقودنا لاكتشاف أَبْنِيَةٍ أخرى لمعمار الرواية يُكَوِّنُ ‘‘ السِّرُّ ‘‘ و ‘‘ الفَتْحُ ‘‘ أحدَ تشكيلاتها؛ السرُّ المعْلَنُ عنه عبر رمز المخطوطة، والفتح المتمثل في تلمس واستشراف النهاية المنفتحة على احتمالات متعددة.

ويُعَضِّدُ مفاصل المقامات ما يسمى ب ‘‘ الوقفةُ ‘‘ وهي بمثابة الزاد؛ زاد الرواية قياسا على زاد الطريق عند المتصوف السالك، وهو نوع من السرد الجمالي الفني تلجأ إليه الساردة بين الفينة والأخرى لحاجة الروح أو هروب من واقع أليم وقدر محتوم عصي على الفهم. الوقفة في هذه الرواية نص سردي، يختلف انْكِتابُهُ[4] عن باقي النصوص، ويتميز بشحنات قوية، وتكثيف للمعنى، وتركيز للمبنى، له قدرةٌ عجيبة على «استكناه مناطق النفس الخفية، وتصوير التجاذب الحاصل بين هاته المناطق الخفية وبين تجليات الوجود الممكنة، أي المقيمة في الحُلْمِ، وفي الرؤية البعيدة الغَوْرِ، تلك الرؤيةُ المقيمةُ في الآتي، حيث تتحول من رؤية إلى رؤيا، من ملاحظة إلى تنبؤ [وكشف] لأبعادَ سحيقةٍ، تظل محجوبة عن الإنسان العادي»[5].

وللعتبة هي الأخرى موضعٌ ضمن معمار الرواية فهي الحضرة أو باب الدخول أو عنوان الوارد. فلا دخول للمقام دون عنوان، وللقارئ عنوان وزاد، وللمقام عتبة.

  • البناء في اللغة

جاء في محيط اللغة: «أَبْنَيْتُ فلانا بيتا أي جعلت له بناء، واسْتَبَنْتُ الدار تَهَدَّمَتْ فأَحْوَجَتْ إلى بنائها»[6]. «فمادة بنى تحمل نقيضها في جوهرها»[7]. فالهدم نقيض البناء وهو ما يستدعي التساؤل والبحث عن العناصر المشكلة لبناء الرواية والبحث عن عناصر الهدم، بمعنى آخر، ما هو بنيان الرواية الهيكلي والقيمي؟ وما هي القيم التي تتغيى الرواية هدمها وتقويضها؟

«ويتضمن البناء أيضا قصدية فعل البناء ( جعلت له بناء ). وتستدعي استقامة البناء واكتماله أن تنهض عناصره على أسس وقواعد يحكمها قانون العلاقات والنظام والتناسق»[8].

  • البناء في الاصطلاح

«يحيل البناء على تَشَكُّلِ العالمِ الروائي وانصهاره في وحدة كلية مُكَوِّنَةٍ لنسيجه، وهي وحدة دالة تجمع بين القول ومقول القول. في ضرب من الاندماج الكلي بين الشكل والمضمون وبين المبنى والمعنى والتركيب والدلالة. فتنتهي إلى أن البناء ليس مجرد شكل أو وعاء تصب فيه الدلالة، بقدر ما هو ذو نظام داخلي في حوارية دائمة مع العالم الخارجي يعبر عن علاقاته وترابطاته ومنطقه، كما أنه ليس مجرد صياغة بل هو مّسْتَقَرُّ جملةٍ من البنيات الزمانية والمكانية المتمازجة»[9].

      • ثانيا: بَنْيَنَةُ العُنْوان

‘‘ كأنها ظُلَّةٌ ‘‘، تشبيه بليغ، لغياب وجه الشبه، وهو من النوع المفرد. لم تكتمل أركانه فاحتفظ منها على:

المشبه: الضمير المتصل ‘‘ ها ‘‘ عائد على مؤنث. عائد على الحقيقة المغَيَّبَةِ قصدا، على الحرية الموؤودة، على العدالة المفقودة، على القيم الشائهة مقابل غياب القيم الإيجابية، على الحرمان من الأم، على رحيل الحبيبة أو الرحيل عنها قسرا،.. والإتيان بحرف التوكيد ‘‘ أن ‘‘ دلالةٌ على تأكيد الغياب والفقد والحرمان والرحيل والقسر والإجبار وهو مضمون الرواية من خلال مشاهد حيَّة ترسم وتُشَيِّد بناءاتها.

أداة التشبيه: الكاف

المشبه به: ‘‘ ظلة ‘‘، ما يستظل به من الحر أو المطر، وهي مفردٌ نكرةٌ تحيل على مجهولٍ أو على احتمالاتٍ متعددةٍ.. من معانيه الاستظلال، والاحتماء، والاحتواء،.. وحتى الاستظلال بالظلة استظلال مؤقت مظروف بالمطر أو الحر حيث إذا انتفت هذه المسببات انتفى داعي الاستظلال والحاجة للظلة..

وجه الشبه: إذا كان المشبهُ غيرَ مَبينٍ ويَفْترضُ إعمالَ الفِكرِ لتعيينه فإن وجه الشبه هو الآخر يصعب تحديده إلا بمزيدِ مشقةٍ وتفكيرٍ، وما دام المشبه والمشبه به ينفتحان على احتمالات متعددة فكذلك وجه الشبه هو الآخر منفتح على هذه الاحتمالات.

فما وجه الشبه الجامع بين الحرية والظُّلة؟ وبين الحقيقة والظُّلة؟ وبين الأمومة والظُّلة؟ وبين العدالة والظُّلة؟ بين القيم والظُّلة؟ بين الحبيبة والظُّلة؟ بين الأبوة والظُّلة؟

إذا شئنا تحديدا لوجه الشبه فإنه لن يخرج عن أحد الاحتمالات الآتية وللاعتبارات التي أشرنا إليها:

  • الظل أو وهم الاستظلال وهو المعنى المباشر الحقيقي لوجه الشبه يتأتى من خلال مقام الرواية. والمُقام محلٌّ ومنزِلٌ، ولا يُتصور مقام أو منزل دون ظلال وارفة.
  • القيم الأخلاقية من قبيل الحرية والعدالة والحقيقة هي ما يظلل هذه الحياة. فبدونها لا تستقيم وتتحول إلى جحيم ويسود الظلم والاستبداد والعنف والاحتراب وغيرها من القيم الشائهة.
  • الاحتضان والاحتواء والحنان والحب والدفء وذلك ما يتحقق ويسود من خلال فعل الأمومة والأبوة والحب.
      • ثالثا: بَنْيَنَةُ المقامات

  • الحال والمقام عند المتصوفة

تعتبر الأحوال والمقامات عند الصوفية طريقٌ موصلٌ إلى معرفة الله عز وجل، وقد وصفها ابن خلدون في مقدمته بالغاية المطلوبة للسعادة، يقول: «ولا يزال المريد يترقى من مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة». فالأحوالُ مواهبٌ والمقاماتُ مكاسبٌ. والأحوال تأتي من عين الوجود، والمقامات تحصل ببذل المجهود.

  • الحال

الأحوال من ثمرات الاستغراق في ذكر الله سبحانه وتعالى، يخلقها الله سبحانه وتعالى في قلوب الذاكرين، وسميت أحوالاً لأنها تتحول ولا تدوم، وقد تسمى وَجْداً لوجودها في القلب، وإذا قويت قد تفيض عن القلب، فتظهر على الجوارح حركات اضطرارية أو بكاءً أو صراخا.

قال القاشاني الحال هو: «ما يرد على القلب بمحض الموهبة من غير تعمل كحزن، أو خوف، أو بسط، أو قبض، أو شوق، أو ذوق يزول بظهور صفات النفس، سواء أعقبه المِثل أولاً، فإذا دام وصارا ملكًا يُسمى مقامًا». «فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب».

ويقول السهروردي رحمه الله: «الحال سُمِّي حالا لتحوله، والمقام مقاما لثبوته واستقراره». ومن الأحوال: حال المحبة، والخوف، والرجاء،..

والحال هو ظهور حركات في الجسم واضطراب في النفس وكسوف في العقل ورجة في الكيان كله عند غلبة الوارد أو العارض وهو عين ما تفصح عنه الرواية من خلال أحداثها وشخصياتها وفضاءاتها.

  • المقام

المقام عندهم معناه: مقام العبد بين يدي الله عز وجل فيما يقام فيه من العبادات والمجاهدات، والرياضات، والانقطاع إلى الله تباركت أسماؤه، ومنه آية القرآن: { ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ } ( إبراهيم: 17 ). والمقامات مراتب فهناك مقام التوبة والورع والزهد والفقر والصبر والتوكل والرضا.

  • ‘‘ المقام ‘‘ في رواية ‘‘ كأنها ظلة ‘‘

أما مفهوم ‘‘ المقام ‘‘ في الرواية فهي تلك الأحوال التي تصْطَرِعُ في نفسية شخصيات الرواية وتُشَكِّلُ بُنْيانها النفسي وغالبا ما يتجلى مقامُ القبض والانقباض في حركية الأحداث من خلال القيم السلبية[10] الآتية: الغواية، الجفاف، الغربة، اليتم، الخيانة، الندم، الألم، الضعف، القلق، التوتر، التأفف..

إن عبارة «أقم حيث أقامك الله» هي ذلك الجسر الواصل بين المقام الصوفي و ‘‘ المقام الروائي ‘‘ في ‘‘ كأنها ظلة ‘‘ بمقتضى أن السالك العابد الوليَّ مقيمٌ في مقامات العروج بتوفيقِ الله وفتحه، وبما تعهد به نفسَه منَ المجاهدة والمحاسبة، وإقامة شخصيات الرواية في مقامات الابتلاء انسجاما مع منطق الحياة الدنيا وسنة الابتلاء والحكمة من إيجاد الخلق في الدنيا. فإذا كان للسلوك الصوفي أهوال ومخاطر وسقطات الطريق فكذلك لمقام الرواية صدماته ورجاته وانعراجاته.

كما أن استدعاء اللطيفة اللغوية لمفهوم المقام يفتل في ذات العِقْدِ الذي نريده لهذه الدراسة. فالمقام عند أهل اللغة مَقامٌ ومُقامٌ:

  • المقام موضع الإقامة.. قال تعالى: { حسنت مستقرا ومُقاماً } ( الفرقان: 76 )
  • مقام: منزلة، ومكان مقدس.. ومنه مقام إبراهيم عليه السلام.

ووَجْهُ الملاءمة أن لشخصيات الرواية مقاماتها وفضاءاتها الواقعية الممكنة، والمتخيلة، والرمزية. وللروائية والساردة مقام ومنزل.

يمكن التمييز بين نوعين من ‘‘ المقامات ‘‘ في الرواية:

  • مقاماتٌ سِتَّةٌ رئيسيةٌ تُمَفْصِلُ الهيكلَ العامَّ للروايةِ ( مقامات الغواية، مقام الغربة واليتم، مقام العشق والحال، دوائر محكمة، طوق لليتم طوق للفداء ومقام بين المنزليتين ).
  • ومقامات ثانوية يمكن تلمسها والاهتداء إليها من خلال قراءة المتن الروائي ككل وهذه بعضها: الاغتصاب، الانتقام، الشذوذ الجنسي، الاستهتار، شهادة الزور، الحرب، المجاعة، الهجرة…

تركيب

إذا كان المقام مرتبط في الفكر التربوي الصوفي بعروج النفس إلى مقامات السُّمو، وسَبْحِ الروح في فيوضات الأنوار وتجليات الحقائق العِرفانية الربانية فإن ‘‘ مقام ‘‘ الرواية غير ذلك حيث تجليات النفس في عذاباتها وابتلاءاتها ومحاولاتها الدائمة والدؤوبة للانعتاق والتوحد؛ التوحد الأكبر[11] وطلب الكمال الروحي وهو دَيْدَنُ وَتَدَيْ الرِّواية: الطيبُ وأندلس إن لم نضف ذات الساردة.

عند الغوص في التحليل النفسي لشخصيات الرواية نصل إلى اللاّتعارض بين المقامين؛ المقام الصوفي و ‘‘ مقام ‘‘ الرواية. فالنفس هي النفس، نفس العارف بالله أو أية نفس أخرى دائما ما تتقلب في مقامات الكمال صعودا ونزولا، وجمودا في مقام معين، ولكل آلامه ولوعته واشتياقه وغربته ومَيْتَتُهُ باستثناء نفوسٍ أَبَتْ، إرادة أو قدرا؛ أَبَتْ إلا أن تظل في قاع الطين وجواذب العادة ومنغصات الشهوة، أبت إلا أن تظل في ‘‘ دوائرها المحكمة ‘‘.

  • ‘‘ مقامات الغواية ‘‘ ونظام التفاهة
  • الوسائط الاجتماعية وتأثيراتها السلبية «تدمير المهارات الإبداعية، تعطيل قدرات العقل والخيال على الابتكار والإبداع»[12].
  • مواقع التواصل الاجتماعي ووهم اللحظة.
  • والأخطر في ذلك كله هو صناعة الوهم «وجدنا في مواقع التواصل الاجتماعي ملاذا ننسى فيه ملامحنا وحياتنا»[13].
  • الفايسبوك والمحتوى التافه.
  • العوالم الافتراضية وسؤال المعرفة = انفجار معرفي هائل وفي كل فروع ومجالات المعرفة. حديث عن الكم وسؤال عن القيمة والكيف والوثوقية والإسناد والأمانة العلمية.
  • الفضاء الإلكتروني ودوره في صياغة وتشكيل الحياة المعاصرة.

وقد أحسنت الروائية توظيف عنصر الزمن للتعبير عن نظام التفاهة.. ‘‘ مساء خريفي بارد = نظام التفاهة ‘‘.

  • ‘‘ أندلس ‘‘ شخصية مركزية بمعالم واقعية، رمزية وافتراضية

في ‘‘ مقامات الغواية ‘‘ إفصاح عن إحدى شخصيات الرواية ‘‘ أندلس ‘‘ وهي شخصية حافة بالمدلولات الآتية:

  • أندلس الرمز: تحيل على العالم الرمزي/ الخيالي/ الافتراضي.
  • أندلس الحلْم: تحيل إلى استدعاء فضاء الأمكنة الحقيقة منها ( بوعنان، الريف، تطوان، حي الطالعة، الطويلع،..) والمتخيلة (… )، والحلم باستعادة الأمجاد والتاريخ التليد ( الأندلس، غرناطة،… )..
  • أندلس الحبيبة: في هذا المقام توصيف دقيق لشخصية أندلس وإفصاح عن معالم ومكامن الجمال والذكاء ( جميلة، عينان سوداوان، حزن دفين، ذكاء، وقار، هدوء، أنيقة،.. )

في رواية ‘‘ كأنها ظلة ‘‘ احتفظت الروائية بشخصية ‘‘ أندلس ‘‘ التي كانت فاعلة في تشييد بناء ديوان «هل أتاك حديث أندلس..؟»[14] فما هو مقصد الروائية من الحضور المستمر لشخصية ‘‘ أندلس ‘‘ في أدبها؟ وهل هي ذلك الخيط الناظم والجامع لغايات ومجمل القيم الفلسفية والجمالية التي تود تمريرها ؟؟

  • ‘‘ مقامات الغواية ‘‘ وإعجاز السؤال

‘‘محارة فارغة.. وألف ألف سؤال..‘‘

محارة فارغة ارتماء في مجهول المجهول؛ المجهول الأول هو البحر فضاءُ حياةِ المحارةِ، والبحر كما هو معلوم { ظلُمُاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } ( النور: 39 ). ثم مجهول ثانٍ وهو الفراغ؛ فراغُ المحارةِ.

ظلماتُ البحرِ اللُّجِّيِّ وفراغُ المحارةِ يتَّسِقُ ويتساوقُ تماما مع إعجاز السؤال واللَّهثِ وراء الإجابة والشغف في طلبها.

  • ‘‘ مقامات الغواية ‘‘ وبنية السرد

يتميز معمار الرواية الحديثة بالانتقال من السرد الهادئ السَّلِسِ المبني على التخييل والتَّناصِّ إلى سردٍ مبنيٍّ على صناعة المحتوى وجمع مادة السرد وصهرها ضمن حَبْكَةٍ روائية ذات مقاصد واضحة تعالج قضايا واقعية وأخرى تخييلية، لكن، بتوظيفات تخدم نفس المقاصد والغايات. «استسلمتُ لنشوةٍ لطيفةٍ تَمَلَّكَتْني، ودَفَعَتْ بي نحو أمواجِ لذَّةٍ تقاذَفَتْني، طوقتني بلهيب رغبة تحويل ما جمعناه من حكاياتها إلى كتابة سردية تحاذي وهج الحقيقة، وتغوص في تلافيف أسرارها، وتستبطن أغوار مقاماتها»[15].

فإلى أي حد يتناسب هذا النمط الذي اتخذته الروائية سعاد الناصر منهجا لبناء ونسج أحداث روايتها مع متطلبات وحاجة القارئ المعاصر الذي تستهويه وسائط متعددة للمعرفة قد تلبي فضوله المعرفي بل وقد تقدم له عملا روائيا معينا في قالب فني يجتذبه ويؤثر في ذوقه؟

وبصيغة أخرى هل يُسْعِفُ زمن القارئ في الانكباب على قراءة الرواية خاصة إن كانت من قبيل هذا النمط الذي يفترض استعدادا وقدرات معينة للقراءة والتفكيك ومستوى من التفكير والتفاعل مع الرواية ومقاصدها الفلسفية ؟؟

إلى أي حد تؤسس هذه الرواية لنمط جديد يتجاوز السرد العادي إلى سرد يتخذ من الدراما والسيناريو عناصر أساسية تشكل بنية الرواية الجديدة؟

عبرت الروائية منذ البداية عن رؤيتها للسرد إذ تقول: «أريد سردا يتعدى سياق استيحائه، أريده أن يضع القارئ أمام نماذج إنسانية، قد يجد نفسه في إحداها، سرد يرتقي نحو آفاق إنسانية رغم اختلاف تضاريسها إلا أنها تشترك في فضاءات حبلى بأسئلة تغمر الذات في علاقتها بذاتها وبالآخرين وبالقيم التي يختزلها الكون، فتتكوثر تفاصيل الحياة وتنفي عنها الموت..»[16].

وتضيف: «أدركت أنه لا يليق بكل هذا سوى سرد مفعم بعبق التقمص وحرقة الوجع، يعيد العنفوان إلى ما تشرد عبر أزمنة حفرت تاريخها في ماضينا وحاضرنا،.. سرد يجمع شتات ما تناثر عبر أمكنة شكلت تكوين شخصياتنا النفسي»[17].

  • ‘‘ مقامات الغواية ‘‘ وتقنية الحوار

الحوار في هذا المقام تشريح لذات الروائية «أتصارع بين الحقيقة والسراب والخيال»[18]. ويأخذ منحيين اثنين:

    • الأول: حوار الروائية مع ذاتها.
    • الثاني: حوار الروائية مع أندلس.

والحوار هنا ليس بغرض نقل السِّجالات فقط وإنما هو لاستخلاص القيم الآتية:

  • فلسفة الأنوثة والجمال: تتجلى في قيمة وقامة المرأة ضمن الوجود: «المرأة بؤرة الكون وعينه»[19]. «ولا يظهر جمالها الحقيقي إلا إذا فاض جمال روحها من كل مكامن أنوثتها»[20].
  • غواية الحياة: وأعظم بها من غواية عندما تنسحب القيم الإنسانية من علاقات الأفراد والمجتمعات والحضارات ويتم إبدالها بقيم من قبيل: الضبابية في الخطاب، والتعمية والتدليس، والكراهية والعنف والظلم والخديعة، والنفاق في أحسن الأحوال، والتفاهة الطافحة.
  • ليطمئن قلبي: «اطمئنان القلب لا يحصل إلا بالتجلي، والتجلي مقام لا يبلغه سوى من محى كل الشوائب من الطريق وفاق حلاوة الصفاء والنقاء»[21].

المبحث الثاني: بناءُ الحدثِ وحدثُ البناءِ المشكل للرواية[22]

نقصد ببناء الحدث هنا تلك التقنيات التي تَوَسَّلَتْ بها الروائية لترصيع الحدث والسير به نحو اكتماله وربطه بحدث آخر أو انقطاعه وإرجاء التكملة في متن لاحق قد تكون الصلة والوصل بحدث ثالث أو رابع ليس بالضرورة الأول.

البناء هنا مجموع الخبرات والسياقات الاجتماعية والثقافية والدلالية والنحوية والفنية التصويرية التي تسهم في بلورة الحدث ووضعه ضمن سلسلة الأحداث المشكلة لمتن الرواية.

أما حدث البناء أو الحدث المركزي أو الحدث النواة أو البؤرة أو الرجة الكبرى فهو الحدث الرئيسي الذي تدور حوله أحداث ثانوية وتؤول إليه أو تلك التي تطمح إليها الذات الفاعلة وترجوها وتتمنى رؤيتها واقعا عِياناً.

وإذا شئنا التمثيل لهذا النوع من الحدث فسيكون هو حدث الاتهام ب ‘‘ اغتصاب ‘‘ فتاة من قبل مدرسها.

      • أولا: طبيعة الأحداث وتشكلها في مقامات الرواية

  • الحدث الصدمة ورجاته المتعددة

إذا أردنا اصطلاحا أو تسمية لنوعية الحدث المبثوث في ثنايا هذه الرواية أسميناه ‘‘ الحدث الصدمة ‘‘. الرجة الكبرى: اغتصاب الفتاة/ تلميذة الثانوي.

«..لم يكن هناك حين وقعت الحادثة، كان يمكن أن ينتزع نفسه من ذلك المنظر ويفر.. فكر بأسى أن القيم التي نشأ عليها دائما تقفز من أعماقه، وتجعله يتصرف بعفوية في كل موقف»[23].

«كان يقود ببطء حين فوجئ بفتاة تخرج أمامه في الطريق، وتسقط في اللحظة التي أوقف فيها السيارة.. الدماء تغطي جسدها..»[24].

إن هذا الحدث لم تُسْقِطْهُ الروائية إسقاطا أو فجْأة وإنما كان إيجاده والكشف عنه بمنطق خاص ينسجم مع مفهوم المقام المشكل لبناء الرواية ألا وهو مفهوم الرؤيا أو الحلْمِ أو للتدقيق ‘‘ أضغاث أحلام ‘‘.

  • الرجة الثالثة[25]: أضغاث أحلام

              أضغاث أحلام وكوابيس وأشياء كثيرة متداخلة تتجلى في الحُلْمِ الذي رآه الطيب وهذا حال من أحوال النفس؛ وهو حال شائه أو مشوَّه ينبئ عن تركيبة نفسية غير سليمة ومضطربة ويؤذن بأشياء قد تحدث إما على وِفْقِ الرؤيا أو مناقضة لها في الواقع.

أحسنت الروائية في استدعاء مقام الرؤيا/ الحُلْم تمهيدا للحدث الجلل الذي سيرصع معالم الرواية والمتمثل في اعتقال الطيب واتهامه باغتصاب تلميذته وما له من تداعيات في تشكيل البنية القيمية والنفسية ل ‘‘ مقامات الغربة واليتم ‘‘.

هذه الأحلام والكوابيس تأخذ تجليات متعددة:

  • تجليات البشر والتفاؤل: «رآه آتيا من بعيد.. محمول على غمامة.. فوق رأسه عمامة بيضاء، وجلباب ناصع البياض، لحيته البيضاء.. فوق يده اليمنى تجثم حمامة»[26].
  • تجليات الرعشة والخوف: «.. رعشة.. تحولت إلى رعب.. ساقاه ترتجفان،.. صقر كاسر انقض عليه، يسقطه أرضا، يجثم على صدره، ينقب عينيه في بطء..»[27].

إن ‘‘ الحدث الصدمة ‘‘ يتخذ له مساراتٍ وانعراجاتٍ متعددةٍ وهو حدثٌ بِرَجّاتٍ متعددةٍ:

  • الرَّجَّةُ الأولى: رَجَّةُ المرض واسْتِشْرافُ وتَرَقُّبُ النهاية

«أحاديثنا كانت تنتهي بغصة في حلقي، منذ علمت أنها مريضة، وأن مرضها قد لا يمهلها سوى شهور قليلة»[28].

  • الرَّجَّةُ الثّانية: رهبة اللقاء أو غواية الانتحال والتقمص.

اللقاء في الواقع بعد التعارف والتواصل والتفاعل في العالم الافتراضي. نظام التفاهة أو النظام الشبكي رديفُ الخوفِ والقدرة على المواجهة «.. اتفاقنا على موعد.. حرصت أن يكون في مقهى مكشوف»[29].

  • الرجة الرابعة: رهبة المكان..جمر ورصاص

‘‘ جمرٌ ورصاصٌ ‘‘، اصطلاحٌ أُطْلِقَ في العلوم السياسية ويُرادُ به مرحلة سياسية من تاريخ المغرب المعاصر، خاصة فترة الستينيات والسبعينيات، حيث تميز بكثرة الانقلابات على نظام الحسن الثاني رحمه الله. قابلها النظام بالاعتقالات والإعدامات والتصفيات السياسية وقد حوكم كثير من ضباط الجيش والسياسيين بالظِّنَّةِ وزُجُّوا في غياهب السجون. ولعل سجن تازمامارت في صحراء تارودانت كان الأشهر وكان شاهدا على حجم الانتهاكات الحقوقية الصارخة في حق الإنسان..

وفي تطوان أيضا كان منزل أو دار بريشة وأقبيته شاهدة على حجم التصفيات السياسية والاعتقالات والتعذيب في حق الرموز الوطنية والمواطنين في الشمال وهو ما أومأت إليه الرواية تعريضا لا تصريحا. «..كل جزء منه يحكي عن تفاصيل ترهيب وإذلال،.. عشرات، بل مئات من الاعتقالات تسربت أخبار أصحابها، وأصناف العذاب الجسدي والنفسي الذي مورس عليهم.. قصص مرعبة..»[30].

«لم يكن يصدق ما كان يحكى له عما يجري في مثل هذه الأمكنة.. ومع ذلك كان حين يمر على مثل هذا المقر يشيح بوجهه عنه، ويسرع الخطو، وكأن أحدا سوف يُدْخِله عنوة إليه..»[31].

  • الرَّجَّة الخامسة: اليتم

«لم يكن يلعب كثيرا، كأن شيئا تكسر داخله»[32].

«أن تنتظر ليلي طويلة عودة أمك، أن تشتاق بقوة إلى يديها تغطيك، إلى عينيها تنظر إليك بدفء وشغف، إلى ابتسامتها الحانية التي تشعرك بالأمان، أن تنتظر وتنتظر..»[33].

  •  الرَّجَّة السادسة: الاستعمار والجفاف والهجرة

«كان جدي يضم الواحد منا ويدفعه، كأنه يخشى أن يستبقيه إلى جانبه..»[34].

«لو رأيت كم من جموع أهل الدوار فرت اتجاه المدن، هاربة من الجوع، تاركة وراءها ذكرياتها، أحلامها، قوتها.. منها ما كان يتجه إلى تطوان، ومنها من ذهبت إلى طنجة..»[35].

والهجرة هجرات

  • هجرة من الجوع صوب المدن الداخلية وهي تتكرر في عصرنا الحاضر.
  • هجرة نحو أوربا نتيجة لسياسة الدولة اتجاه الريف وقد تكررت خلال هذه السنوات لما سمي ب ‘‘ حراك الريف ‘‘.
  • هجرة وتهجير قسري بفعل الحرب وهو واقع تعيشه أمتنا العربية والإسلامية في كل من: فلسطين، العراق، سوريا، الروهنجيا، الإيغور، اليمن، ليبيا..
  • هجرة العقول ونزيف الأدمغة.
  • الرجة السابعة: فقد الحبيبة

أو فقدان ذلك الحب العذري أيام اليفاعة، و يا له من حب عفوي تلقائي صادق يخرج من الأعماق ويستقر في القلب لا يستطيع المحب دفعه مهما أوتي من قوة لغلبة المشاعر والعواطف في هذه المرحلة العمرية الحرجة.. هو حب سرعان ما يتلاشى إما بفقدان الحبيبة وهجرتها كما الحال في الرواية، وإما التأثر بحبيبة أخرى لها من جواذب الأنوثة وأسرار الغنج ما يأسر الشبان ويوقعهم في شباك ‘‘ الحب ‘‘..

في كل صورة من صور الآلام واليتم والفقد والنسيان والهجرة والحرب والمجاعة والمرض وَ وَ… التي استعرضتها الروائية نجدها تفتح لنا قوسا مشرقا في خضم كل ذلك الركام والسواد والتشظي والشروخ لتستعرض:

  • صور الحب العذري الصافي والأحلام الوردية المرتبطة به وصور الطفولة التي يجسدها حَفَظَةُ القرآن وقيم الوفاء للوالدين والارتباط بالأرض وقيمة القيم الجهاد بالنفس الذي لم تنضج ثماره في أرض الريف لاختلال موازين القوى المادية وتكالب أطراف عديدة للإجهاز على ثورة مولاي موحند مما نعرف بعضَ، أُكَرِّرُ، بعض أحداثها وإلا فإنها تاريخٌ وتراثٌ شفهيٌّ مَنْسيٌّ سِنون التقادم وعبثت به يد السياسة المقيتة..
  • وصور الرجاء والفقد والشوق للحبيبة حين تدلهم الخطوب وتزحف الأقدار في غير موعدها ليتحمل الإنسان ما لا يحتمل من خطايا الناس وظلمهم ومكرهم ونفاقهم ويتوسل إليها أن تسقيه نخب النجاة وكأس الخلود خلود الروح بطهر الحب وصفاء السريرة والطوية وتنتشله من واقع اليأس والضيم. «.. بدأ ذلك الإشراق يذبل.. الجفاف والرماد يخيمان على كل شيء.. هاجرت مع أسرتها.. وتركت في القلب ذكريات هائمة، وغصة لم تنجل أبدا»[36].

ولترسيخ معنى الحب العذري الفطري الطاهر في وجدان المتلقي والقارئ خاصة الفئة الشابة تقرنه بتعلم القرآن وحفظه لما لمعاني القرآن من أثر في تمتين روابط المحبة بين المحبين. نستمع لجد الطيب وهو يعود به إلى مرحلة الصبا ويكشف له بعضا من لواعج الحب وأشواقه: «والحقيقة يا بني أنني كنت لا أبدأ بالقراءة حتى أجلس على حجر، وأشعر آنذاك أن روحي تحلق بعيدا بعيدا، تسبح في مكان جميل، كله راحة وحب وطمأنينة، وحين أنتهي من القراءة أرى وجهها المشرق مليئا بالدموع، وحولنا عدد من الأطفال والرجال ينصتون خاشعين..»[37].

لا تنسى الروائية في ثنايا توجيهاتها ورؤيتها التربوية للحب أن تعرف الحب بكونه «نعمة إلهية يملأ القلب بالسكينة والسلام»[38]، «شريطة أن يكون الحب نقيا طاهرا، متصلا بعنان السماء..»[39].

فإذا كان منطق القيم والمثل يقتضي أن يكون الحب وفق هذا المنوال فإن للحياة منطقها ولبناء السرد في هذه الرواية منطقه كذلك حيث كشفت عن سيرة الحب بين ‘‘ الطيب ‘‘ و‘‘ أندلس ‘‘ من داخل المعتقل على لسان الطيب. «كان سيمر على أندلس ويذهبان إلى المنزل الذي اكترياه ليكون عش زواجهما،.. تذكر قولها: أريد أن يكون كل ركن فيه حميميا، يشع بالدفء، غير مهم نوعية الأثاث، المهم أن يكون بسيطا ينم عن ذوق جميل..»[40]. «كانا يعدان الأيام عدا كي يأتي يوم الزفاف، يوم التوحد الأكبر كما قال لها ضاحكا في تلك الأمسية التي استطاع أن يمسك يدها، كان يرتجف حبا حين استكانت كفها بين يديه»[41].

  • الرجة الثامنة: التعذيب الجسدي واللفظي في المعتقل

«هبطت ركلة قوية على فخذ الطيب، صاح من الألم.

ماذا نستأنف؟ ماذا نستأنف يا ولدْ..

في لمح البصر كانت لكمة عنيفة تصيب وجهه..

بدأ الطيب يرتجف من جديد..

.. حين حاول النطق، لامس لسانُه أسنانه، اكتشف أن سنتيه الأماميتين مفقودتان..»[42].

صك الاتهام: «أنت اغتصبت البنت، وصدمتها»[43].

  • الرجة التاسعة: وفاة جدة أندلس

«كان خبر وفاتها قاسيا علينا جميعا ومؤلما..

أمسكت بيدي وقالت: لا شيء يدوم يا ابنتي، فاحرصي على بذر بذور المحبة في أي مكان كنت فيه.

أدركت أن منبعا من ينابيع المحبة لم يعد جاريا في حياتنا»[44].

  • الرجة العاشرة: استئصال رحم أم ‘‘ أندلس ‘‘ وفقد الوليد

«ظلت دائما تشعر أن أنوثتها متكسرة داخلها، خاصة بعد حملها بأخي واستئصال رحمها لم تعد تطيق نفسها، وامتزج ذلك بالإشفاق على حالها عندما، ظلت تنزف مدة طويلة، ولم يغادرها النزيف إلا بعد أن استؤصل رحمها.. ومما زاد من تأزم حالتها النفسية، أن أخي لم يعش سوى شهر واحد، وتوفي بين يديها»[45].

«.. وكنت أستغرب من سعة صدر أبي.. وكنت أرى ذلك الألم واضحا بشدة، وهو يتابع ضحايا فلسطين من الأطفال، ويتساءل معي بمرارة عن كيفية تحمل ذلك الشعب قسوة هذا الألم والفقدان، ومن أين يأتي بالصبر واليقين..»[46].

وهنا نلاحظ كيف وظفت الروائية قضايا وإشكالات فردية ( استئصال الرحم ) وربطتها بقضايا وإشكالات مجتمعية بل بقضايا الأمة المصيرية على رأسها الجرح النازف فلسطين وما يفعل الصهاينة هناك بالطفولة..

  • تدرج الأحداث وسؤال الفصل والوصل
  • الفاصلة: الفاصلة هنا هي ذلك المقطع الذي يكسر استمرارية الحدث وبنائه.

«باسم الله عْليكْ ألحبيب..»[47]… توظيف الدراجة المغربية..

«تقرأ عليه ما تحفظه من السور الصغيرة والأدعية»[48].

«البخور: يراها تقوم لتوقد موقدا، وضعت فيه البخور»… الثقافة الشعبية في الاستشفاء.

في المقام الأول ‘‘ مقامات الغربة واليتم ‘‘ لم تستكمل الروائية سرد ما حدث للطيب عند التحفظ عليه بمقر الأمن.هناك انقطاع في استرسال بعض الأحداث واستكمال الحديث عنها في مقاطع سردية لاحقة وهو أمر مستحسن تنبني/ يجب أن تنبني عليه الحبكة الروائية المعاصرة لوظيفة غائية تقتضيها صناعة السيناريو والإخراج السينمائي وتسارع الزمن/ زمن القارئ أو المشاهد. إن هذا النمط من السرد ينزاح قليلا عن السرد الكرونولوجي المقيد بالتتابع الزمني الذي يفتقد في أحيان كثيرة لعنصر التشويق والمفاجأة والانعطافة القوية الرّاجَّة التي تقلب الأحداث رأسا على عقب في العمل الروائي..

وفي ‘‘ مقام العشق والحال ‘‘ أخذت السّاردة صفحا عن تتبع مجريات قضية الطيب واعتقاله وطريقة تعذيبه وما سببه ذلك من آلام ومعاناة وانتقلت إلى كشف تلك العلاقة القدسية بين ‘‘ الطيب ‘‘ و ‘‘ أندلس ‘‘ والإفصاح عن ذلك الحب العذري الخالص وما ترك في فؤاد الحبيبة من أحوال العشق والهيام والدفء والمحبة وتركت أندلس هي التي تعبر عن مختلف المواقف وتستدعي تلك اللحظات الحميمية التي جمعتها مع الطيب غير أن ‘‘ مقام العشق والحال ‘‘ سرعان ما يتكسر بين الفينة والأخرى مذكرا ب ‘‘ مقام الغربة ‘‘ الذي يحياه الطيب في سراديب المعتقل دون جناية منه أو ذنب اقترفه.. «ها هي الآن صورة ذاك القابع في مديرية الأمن يحققون معه في حادثة مريبة، تظل قابعة في عيني، لا تفارقهما، تسري مرارتها في حلقي، تكاد تخنقني»[49]. «أحس بمزيج من التعب والحزن»[50].

فليس من الضروري من وجهة النظر البنائية أن يتطابق تتابع الأحداث في الرواية مع الترتيب الطبيعي لأحداثها كما جرت العادة، «فالنص مقطع زمني مرتين: هناك زمن الشيء المروي، وهناك زمن القص (زمن المدلول وزمن الدال)، وهذه الثنائية الزمنية في النص الروائي تدعونا إلى الإقرار بأن إحدى وظائف النص هي تصريف زمن داخل زمن آخر»[51].

«فبدخول القراءة عصرا جديدا وفق النظريات الحديثة ولا سيما السيميائية والتلقي- أصبحت لمنطقة البصر فاعليتها المتميزة مستحوذة على بطاقة سفر إلى طبقات النص وحرية التحرك فيها وذلك من أجل التعرف السليم على حيواته، واستكناه معانيه ودلالاته»[52]. «فليس النص- في نهاية الأمر- إلا جسم مدرك بالحاسة البصرية أولا ومن ثم بالحاسة الذهنية»[53].

  • الوصلة

العودة إلى الحدث الرئيسي للرواية والشخصية المحورية؛ الطيب. فعوض أن تسترسل الروائية في سرد ما حدث للطيب في المعتقل، وعوض أن تلجأ إلى توظيف الطيب في سرد ما حدث لجده في الريف، وتبعات الاستعمار، والجفاف، ومعاناة الهجرة، فإن الساردة تتدخل مباشرة في الحكي عبر تقنية تستدعي الذاكرة التاريخية وتستثير مكامن الوعي باحثة عن تلك اللحظات الحميمية وتلك الأحلام الموؤودة عسى يخفف النثر من معاناة السجن وآلامه ويزيح غصة الظلم..

«.. وهاهي بعض الفصول تنهال الآن على ذاكرته متتالية، لم تحدها الأسوار العالية، أو القضبان الحديدية»[54].

«وجد الطيب في استرجاعه لحكايات جده ملاذا آمنا يلجأ إليه في ظل كل هذه القسوة المفرطة التي يقوم شاهدا عليها، قسوة وطن يرتدي حلة الجلاد.. إن جده هنا.. يأخذه على جناح الحلم الجميل، يلملم شظايا نفسه»[55].

وهذا الوصال يعود من جديد على لسان ‘‘ أندلس ‘‘:

«تمددت على الفراش، وشردت في تأمل علاقتي بالطيب. لا أستطيع تأريخ البدايات الأولى لعلاقتي الحميمية مع الطيب، وكأنني أعرفه منذ وعيت نفسي..»[56]. «.. ما كنت أدري أن الحب يكتسح روحي بألق الدهشة وعبير العنفوان دون استئذان»[57].

    • إيقاع السرد في الانفصال والاتصال

إن الروائية بهذا العمل وهذا المنهج المبني على الانفصال على المستوى الزمني ( الزمن الكرونولوجي ) وتداخل الأمكنة وانصهار ال ” مقامات ” تدفعنا دفعا للكشف عن تقنيات معينة في السرد ووظيفتها، ومدى أهمية هذه التقنيات في رسم كافة خيوط السرد واستشراف آفاقها المتعددة واستجابتها لقدرات وحاجات القارئ والناقد.

فمن التقنيات التي تلجأ إليها الروائية وتوظفها:

  • استحالة التوازي ضمن محور الزمن بين زمن الخطاب والزمن المحكي/ الزمن المتخيل ألجأ الروائية إلى خلق نوع من التصرف في ‘‘ ما قبل ‘‘ و ‘‘ ما بعد ‘‘. ولحسن التخلص ميَّزت بين نوعين من السرد؛ سرد استرجاعي وسرد استشرافي. وهذه التقنية ( الاسترجاع، الاستشراف ) في السرد من الأدوات الحاسمة في تغير إيقاع السرد وتحريف التتابع الخطي للأحداث.
  • فالسرد الاستشرافي: فيه إشارة لأحداث ستقع لاحقا ضمن متن الرواية، وفيه يحدث تداخل في نظام الأحداث وينتفي نظام السببية.
  • أما السرد الاستذكاري: ففيه إشارة إلى أحداث سابقة عن النقطة التي وصلتها القصة، أي العودة إلى الماضي. ويكون الاستذكار تلبية لبواعث جمالية وفنية وملء للفجوات التي يخلفها السرد وراءه.
  • تخليص الرواية من نواقص الرتابة والخطية التي تلاحقها في مختلف الأطوار، وتسهم في إبراز عنصر التشويق بغرض التأثير على القارئ.

«وهذه التقلبات السردية قد تشوش على القارئ العادي متابعة أطوار القصة، وقد يحدث  الملل  حتى للمحلل»[58].

«إن هذه الرواية تكاد تؤسس لرؤية جديدة، من حيث بناؤها وبناء دلالتها. فالعناصر تتمازج فيها وتتشابك للإحاطة بمستويات الكتابة. والكتابة بدورها تنهض على التناثر واللعب بالأزمنة. والتداخل في البنيات والتراكب في المتناصات. وهي من أبرز سمات رواية التجريب الداعية إلى القطع مع الرؤية الفنية التقليدية»[59].

المبحث الثالث: بنية الضمير في ‘‘ كأنها ظلة ‘‘

«للضمير في الدرس النحوي العربي مقام كبير من حيث إسهامه في الترابط اللفظي للنص، كما أن له مقاما كبيرا في الدراسات النصية الحديثة، انطلاقا من تشكيله الإحالي الذي يعد أهم مظهر من مظاهر التماسك النصي، فقد عني الدرس اللغوي العربي بمفاهيم لعل من أهمها مفهوم الضمير وحده، واهتمت اللسانيات الغربية الحديثة وبوبت له وقننت، فكان نتاج ذلك ما نسميه لسانيات النص»[60].

  • أولا: الضمير في اللغة

«الضمير لغة من ‘‘ ض-م-ر ‘‘ وهما أصلان صحيحان: يدل أحدهما على دقة في الشيء، ويدل الآخر على غيبة وتستر، ومنه أضمرت في ضميري شيئا، إذا غيبته في قلبي وأخفيته، بحيث يصعب الوقوف عليه»[61].

«والضمير فعيل، بمعنى اسم المفعول، ومن أضمرت الشيء في نفسي، إن أخفيته وسترته؛ فهو مضمر كالحكيم بمعنى المحكم، والنحاة يقولون إنما سمي بذلك لكثرة استتاره، فإطلاقه على البارز توسع، أو لعدم صراحته كالأسماء المظهرة»[62].

  • ثانيا: الضمير في الدراسات اللسانية الحديثة

و«حد الضمير عند النحاة هو ما دل وضعا على متكلم أو مخاطب أو غائب»[63]. ومن ثم «كان الضمير بديلا لإعادة الذكر في الاستعمال وأدعى إلى الخفة والاختصار»[64].

«والضمير في الدراسات اللسانية تتشكل به الإحالة، والإحالة من حيث النظرة اللسانية تنقسم أقساما كثيرة بحسب المعيار والزاوية التي ننظر عبرها»[65].

فهي من حيث العلاقة بالنص تنقسم إلى داخلية وخارجية.

وهي من حيث رتبة الضمير من المرجع تنقسم إلى قبلية وبعدية.

وهي من حيث المدى وقرب الضمير من المرجع تنقسم إلى قريبة وبعيدة.

«يرتبط الكشف عن أنساق الضمائر أساسا في البحث عن الصوت الذي يحمل النص إلى المتلقي،.. إذ يعطي تعدد أشكال الضمير فاعلية بمعنى أن يكون الضمير هو المحرك الأساسي للمعاني والدلالات»[66].

فضمير المتكلم يكشف عن الذات، ولا يمكن أن تتحدد ملامح الذات إلا بالارتباط بالآخر في تجلياته المختلفة. «والذاتية التي نقصدها هي مقدرة المتكلم – بغض النظر عن نوعية الضمير المستخدم – على طرح نفسه بوصفه ( ذاتا ) لا تتحدد عبر الإحساس الذي يشعر به كل فرد عندما يحس بذاته، بل بوصفه الوحدة النفسية التي تتعالى على كل التجارب المعيشة التي تتضمنها والتي تؤمن باستمرارية الوعي، وبهذا فالذاتية ليست إلا ذلك الانتشار في كينونة خاصية جوهرية اللغة، ولا تتحدد إلا من خلال القانون اللساني للضمير»[67].

قد يأتي ضمير المتكلم ( أنا ) «بوصفه وسيلة للاستقواء، ولجلب الصفات القياسية لمصلحة المتكلم أو للذات [.. ] من جانب، ومن جانب آخر يأتي لتعرية النفس، ولكشف النوايا أمام القارئ، مما يجعله أشد تعلقا، وإليه أبعد تشوقا»[68].

إن حضور ضمير المتكلم وفاعليته وثيق الصلة بالأنا [.. ] وجدلها مع الآخر «لما فيه من حميمية وقدرة على تعرية النفس من داخلها عبر خارجها»[69].

  • ثالثا: الضمير من البنية الفردية الذاتية إلى تشكيل الوحدة النفسية

في ‘‘ مقامات الغربة واليتم ‘‘ تستعمل الروائية تستعمل الروائية ضمير المخاطب، وهو الغالب عوض ضمائر الماضي المعهودة في السرد. كما أنها وظفت ضمير ال ‘‘ أنا ‘‘ وهو أمر مستحسن يجد فيه القارئ نفسه منغمسا في الرواية وكأنه هو من يسرد الأحداث. وهنا يتجلى بوضوح استحضار منطق الإشراك والمفاعلة في بناء الرواية.

  • رابعا: ‘‘ كأنها ظلة ‘‘ ولعبة تحريك الضمائر

«فكر ( هو ).. أن تنتظر ( أنتَ ).. روحكَ ( أنتَ/ أنا )..»[70].

الانتقال من ضمير السرد الغائب ( هو ) إلى ضمير ال ( أنا ) ثم إلى ضمير المخاطب ( أنت ) رجوعا إلى الذات ( الساردة، اليتيم ). هذا الضمير الذي ينطلق من زمن الماضي ويعبر عبر ذات الراوية مستعرضا ومشيرا إلى قضية وحالة اجتماعية ( اليتم )؛ ذلك القدر الإلهي القاسي الذي يتكرر في الوجود الإنساني عبر الأزمنة ويتجدد مُخْتَطّا طريقا للإنسان غير ما خطَّه وحَلُمَ به وهيأ له أسباب نفاده وتحققه ليبقى فعل الله الفعل الأوحد الذي يرسم مسارات الحياة الإنسانية ويتحكم في انعراجاتها.

هنا وهنا بالذات يفقد السرد بعضا من خصوصيته وتفقد الذات الفاعلة للروائية بعضا من ألقها وحضورها ليبقى مقام ‘‘ اليتم ‘‘ وما يترتب عنه من وحدة وقسوة وحرمان وانتفاء الحيلة والقدرة على الفعل والإرادة ( في الصبا )؛ يبقى حاضرا فينا يسائلنا ويسائل مسؤولياتنا وقدراتنا على تحمل أمانة اليتيم وهو ما يتبدى بوضوح في عنصر الإشراك الذي يفصح عنه ضمير المخاطب، وهو ضمير وإن كان متعديا إلى الغير/ الآخر فإنه في هذه التيمة لا ينفك عن الذات/ ذات الساردة/ ذات اليتيم، غائصٌ في أعماقها، محيلا إلى زوايا الفقد والغربة، مستثيرا بعض الشروخ والجراح التي قد تندمل وقد لا تندمل؛ لكنها تندمل بمركزية إنسانٍ ومحوريته في وجوده ودفئه الذي يغطي على مكامن الفقد ويبلسم الجراح وإلا فالعناية الإلهية تظل حاضرة دوما وتتدخل عند الاقتضاء.

وَأْنِعِمْ بها من عناية حينما تكون الخالةُ بديلاً للأم أو تكون بدائلَ ونعماً محمولةً على جناح نورس يسافر في عمق الوجود ليعانق الروح وينتشلها من وهدتها. لكن المفاجأة في هذه الرواية أن حتى الخالة ستغادر وتهاجر بمعية الأب وتنقطع أخبارهما ويبقى اليتيم في حضن الجد يتطلع إلى أبوة مفقودة طوتها ظلمات البحر أو سني الهجرة الباردة في الضفة الأخرى، ويحن إلى أمومة ثاوية في التراب… ما أصعب اليتم حينما يأخذ هذه التجليات! وما أقسى الأقدار عندما ستستقر في هذه ‘‘ المقامات ‘‘..!

ويمكن التعبير عن تيمة ‘‘ اليتم ‘‘ وانعراجاتها وفاعلية ضمائرها بواسطة الترسيمة الآتية:

في هذه التيمة تتفاعل ذوات ثلاثة:

  • الذات الساردة
  • ذات اليتيم
  • الذات الإنسانية

تيمة ‘‘ اليتم ‘‘ في هذه الرواية لا يضاهيها سوى تيمة ‘‘ الغربة ‘‘ والتي تتبدى من خلال الاعتقال.

المبحث الثالث: الاقتباسات والاستشهاد وضرورات ‘‘ الزاد ‘‘

  • أولا: عتبات المقامات وبناء القيم

لعل الاقتباسات التي تطالعنا عند بداية كل مقام/ مقامات كافية للدلالة على الرؤية الفلسفية للروائية التي لا تقتصر على سرد الأحداث فقط وتفاعل الشخصيات في صيرورة المسرود وإنما السرد عندها مرتبط بمقاصد فلسفية معينة ولأسئلة غائصة في معالم الذات ولحظة بروز الوعي وتفتقه.. ومعالجة بعض القضايا الآنية التي تواجه إنسان اليوم مثل: تأثير وسائط التواصل الاجتماعي في حياته وتشكيل وعيه وضبط سلوكياته والحد أو قل تدمير مهاراته الإبداعية، وقضية الغربة، واليتم، والهجرة والتهجير، الحب والعش، المخدرات، الاعتقال والظلم، التحرش الجنسي، الشذوذ، شهادة الزور، أسرار المراهقين، الأبوة حضورها وانسحابها من حياة الأبناء، الحرب وتوظيفاتها السياسية،… إلخ

فقد عبرت الروائية عن رؤيتها للسرد وقالت: «أريد سردا يتعدى سياقَ استيحائه، أريده أن يضع القارئ أمام نماذج إنسانية رغم اختلاف تضاريسها إلا أنها تشترك في فضاءات حبلى بأسئلة تغمر الذات في علاقتها بذاتها وبالآخرين وبالقيم التي يختزلها الكون، فتتكوثر تفاصيل الحياة وتنفي عنها الموت..»[71].
وفي موضع آخر قالت: «أدركت أنه لا يليق بكل هذا سوى سرد مفعم بعبق التقمص وحرقة الوجع، يعيد العنفوان إلى ما تشرد عبر أزمنة حفرت تاريخها في ماضينا وحاضرنا.. سرد يجمع شتات ما تناثر عبر أمكنة شكلت تكوين شخصياتنا النفسي»[72].

من مقاصد الرواية:

  • اكتشاف ما تنطوي عليه تفاصيل حياة ذات أنساق متعددة بمستوياتها الظاهرة والباطنة.
  • معرفة عمق مَواجيد المحكيات وخلجاتها العشقية ونبضاتها الروحية الملتهبة.
  • رغبة جامحة للانطلاق خارج الأسوار والحدود.
      • عتبة ‘‘ مقامات الغربة واليتم ‘‘

«هذه الآلام التي تشعر بها إنما هي رسلٌ، فاستمع إليها». جلال الدين الرومي

وما أكثر الآلام في مقامات رواية ‘‘ كأنها ظلة ‘‘..! آلام الفقد، آلام الغربة، آلام اليتم، آلام الظلم، آلام الاعتقال والتعذيب، آلام الانتظار، آلام الهجرة والتهجير، آلام العشق والشوق، آلام الحب..إلخ

والحياة لا تستقيم دون آلام وَوَصَبٍ ونَصَبٍ، هي سائرةٌ بنا تَتَرَدَّدُ في مقاماتها ما بين البسط والقبض، بين الفرح والحزن، بين الهزيمة والانتصار، بين الحب والكره، بين الغنى والفقر، بين الآلام والمعافاة،.. يستحيل أن تتجلى بوجه واحد لأنه إن حصل فهو الجمود والاستقرار.

ومن حكمة الله في ابتلاء آدم عليه السلام، والله أعلم، ‘‘ رفض ‘‘ مقامه في الجنة والتطلع للشجرة بإغواء الشيطان له, وهذا الفهم ربما يتفق عليه كل أولياء الله الكُمَّلِ الذين لا تحجبهم نِعَمُ الجنة ومقاماتها وفردوسها عن وجه الله ورؤيته { وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة }( القيامة، 21-22 ). فوجه الله هو النعمة العظمى والمقام المطلق الذي ما بعده مقام. وهنا الفارق بين من مُرادُهُ اللهُ وبين من يعبد الله خشية ورجاء وغايته الجنة. والجنة خلق من مخلوقات الله، واللبيب لا تحجبه النعمة عن المنعم والمخلوق عن الخالق. مقام وأي مقام!

والآلام رسلٌ لأنها تذكر الإنسان بضعفه وحقارته مهما علا ومهما غررت به نفسه ورفعته إلى مقامات قد يكون في غنى عنها وقد تورده من المهالك ما لم يُحِطْ به أو يَتَوَقَّعْهُ. ‘‘ من تواضع لله رفعه ‘‘ ودعاء ‘‘ اللهم احشرنا في زمرة المساكين ‘‘ كفيل باستعادة الأصل المُضاع والجوهر المفقود في الإنسان، ذكر هادم اللذات كل آن وحين عاصم من الزلل والغرور والتمني وطول الأمد والوقوف على حقيقة الدنيا الفانية مهما تحقق الإنسان بوسائل الغنى.

الآلام رسل وجهتها الوجدان ومستقرها القلب وجوهره وأثرها الاشتغال بالنفس ورعونتها بدل الاشتغال بالخلق وتتبع عوراتهم والتطلع إلى ما وهبهم الله من نعم والافتتان بهم. لأن من شأن التوجه إلى النفس وفضاءاتها اكتشاف لبواطنها وخباياها، لمكامن الخير ومواضع الشر. الأرقى في الرسالة التي تنبعث من الآلام وشدتها أنها تحدد الوجهة نحو الله إلى ما عند الله في لحظة انكسار وعجز وتشظي لا يلملمها إلا دعاء في عمق السجود في قرار الطين وهو يستذكر الصلصال الفخار ووهن الخلق ونفخة الروح وسر الإيجاد.

أَنَّى للنفوس الشائهة أن تقف على هذه الأسرار وتفهم هذه الإشارات وهي في دوائر آلامها المحكمة؟ وأَنَّى لمن هو في اللذائذ يتنعم أن يعرف سِرَّ الابتلاء ويَتَحَسَّبَ ليوم التَّقَلُّبِ استدراجا له واختبارا لصدق إيمانه يوم يتجلى الله بصفات الجلال: المانع، الضار، المنتقم، الجبار، القابض،…. ؟؟! أَنَّى له أن يَثْبُتَ ويَتَثَبَّتَ..؟؟! نسأل الله العافية فيما جرت به المقادير..!

مقامات الابتلاء هي عنوان الثبات والرضى وصدق العلاقة بين العبد وربه. والدخول على الله من باب الرجاء أَسْلَمُ للعبد، ولزوم الخشية والخوف عِصْمَةٌ من تَقَلُّبِ الحال والعياذ بالله وإلا فإن رحمة الله وسعت كل شيء. { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم }( النساء: 146 )..!

      • عتبة مقام العشق والحال

«اسمح لنفسك بالانجراف بصمت وبقوة صوب ما تحب حقا». جلال الدين الرومي

أليس هناك تَعَسُّفٌ في استعمال لفظة ‘‘ الانجراف ‘‘؟. ففي الانجراف دلالة على السحب بقوة وربما بعنف ودون إرادة، وكثيرا ما يكون مصاحبا بالصخب والضجيج. فكيف يكون الانجراف بصمت؟! ما أوجه الملاءمة بين اللفظتين ( انجرار، صمت ) في الاستعمال؟

الانجراف بصمت هنا علامة على قوة خفية تدفع الإنسان دفعا في كثير من الأحيان، ودون إرادة منه إلى قدر محتوم لا يملك معه أن يفسر قضاءه وتَنَزُّلَهُ بالأسباب الظاهرة المعلومةِ قوانينُها وإنما ينبغي الانصراف إلى ‘‘ الحكمة القدرية ‘‘ التي لا تُسْتوعبُ إلا بالتسليم.

هذا في الأفعال القدرية أما ما تعلق بالقيم ( الحب، الانجراف نحو ما تحب ) التي محلها الشعور فهي أقوى في الانجراف وربما الاستقرار ( القرار/ المُقام )، ولا نكاد نسمع لها همساً إلا من اصْطِراعاتها وتفاعلاتها النفسية الداخلية. وهل يستطيع أحد أن يقف أمام سطوة الحب وقوته؟ هو الحبُّ وللمحبوب تعيينُ تجلياته ومحبوبه..

اسمح لنفسك بالاندفاع بقوة وصمت صوب ما تحب… فالمحبوب يستحق ذلك وأكثر.

اسمحي لنفسك أيتها العفيفة الطاهرة الوديعة الجميلة ‘‘ أندلس ‘‘ بالاندفاع بقوة نحو حبك الأبدي وقدرك المحتوم ‘‘ الطيب ‘‘. ذلك الحب الذي يعانق عنان السماء ولا يقف عند حدود الطين، حب يمتزج بآفاق الروح والفيوضات الربانية، حب يعترف بقوة الغريزة وشهوة الجسد لكنه في عروج مستمر نحو مقامات الخلود.. وكيف لا يخلّد هذا الحب وهو يكتسب عناصر الخلود من معين الصبر والمصابرة والشوق والانتظار رغم قساوة الأقدار ومرارات الاعتقال وسنواته الطويلة. حُقَّ لهذا الحب أن يُكْتَبَ في جبين الوجود بمداد من نور ويعانق الأسرار ورسائل المحبين الموَلَّهينَ وهي تُرْسَلُ تترى عبر الأزمان ونسيم الصباحات في كل مكان مُعَتَّقَةً بأريج الكلمات وهي تتهادى مُعْلِنَةً: أنْ هذا هو الحب.. هذا هو الطوق.. هذا هو الفداء.. ‘‘ هذا هو حب الطيب وأندلس ‘‘، حب يختصر كل الأزمنة ويفيض في كل الفضاءات والأمكنة.

      • عتبة ‘‘ دوائر محكمة ‘‘[73]

أبيات لابن خفاجة الأندلسي

عاثت بساحتك الظبى يا دار ومحا محاسنك البلى والنار

فإذا تردد في جنابك ناظر طال اعتبارٌ فيك واستعبارُ

أرض تقاذفت النوى بقطينها وتمخضت بخرابها الأقدار

كتبت يد الحِدْثانِ في عرصاتها لا أنتِ أنتِ ولا الديارُ ديارُ

ابن خفاجة الأندلسي ولد سنة 451 ه في بلدة شقر القريبة من فلنسية شرق الأندلس وهي بلدة جميلة يحيط بها نهر ( شقر ) من أكثر جهاتها.. وهي من أنزه البلاد وأكثرها ماء وروضا وشجرا. من هنا كان لهذه البيئة الأثر البارز في جنوح شعره إلى وصف الطبيعة. حط الرحال بعدوة المغرب بعد أن هاجم الإسبان بلدته لينجو بنفسه.. وبفضل قائد المرابطين إبراهيم بن يوسف بن تاشفين استطاع هذا الشاعر أن يرجع إلى مدينته بعد تحريرها..

وكان الروم قد تغلبوا على بلنسية قديما، ثم أحرقوها عند خروجهم منها سنة 495 ه، فقال أبو إسحاق إبراهيم بن الفتح بن خفاجة كامل هذه الأبيات.

    • عتبة طوق لليتم، طوق للفداء[74]

«تتجول من غرفة إلى غرفة مطارِداً قلادة الماس وهي بالفعل حول عنقك». جلال الدين الرومي

    • عتبة مقام بين المنزلتين[75]

«ضع حياتك على خط النار ورافق أولئك الذين يبقون تلك النار مشتعلة». جلال الدين الرومي

  • ثانيا: الكتابة الرؤيا ولحظات التجلي المطلق للذات

      • الكتابة الرؤيا

«من خلالها يمكن القبض على جمرات التحرر ولحظات الانعتاق.. وحين تفكرين في تدوينها، تصبحين ملزمة بشرط المهمة الأساس للكتابة، فأنت تدرين أننا في عصر الاستبداد والتخلف والتطرف والجفاف. ألا تعلمين أنك حرف في كتاب ضخم.. كيف سيكون ذلك الحرف مكتوبا؟؟ هل سيتوهج في الكون، أم سيخبو مثل ملايين الحروف؟؟.. هل تستطيعين حمل معاناته، خيباته، آماله، أشواقه؟»[76].

      • انكتاب الرواي

هناك فرق بين الكتابة والانكتاب.. فالانكتاب هو أسلوبٌ خالصٌ للروائية لا تَناصَّ فيه يُعَبِّرُ عن ذاتها حافلٌ بالألفاظ المرصعة والمعاني الكثيفة وبلاغة لا تكاد تخطئها العين أو يضطرب بشأنها الحدس.

ومن أمثلة هذا النوع من الكتابة في ‘‘ مقامات الغواية ‘‘ هذا النص. تقول الروائية سعاد الناصر: «دعيني أهيم في بحار الإبداع، واسقني كأسا أغدو به سَكْرى بالجمال والجلال كي أستطيع سرد حديث النسيم مع الأغصان، وأشرح مغازلة الطيور للأزهار، وأحكي عن آيات الشمس المنبسطة فوق الخمائل والأنهار، وأعزف أنغام الحب والسلام مع البلابل كل أصيل لأستنطق شذى المعاني وأسرار القلوب، اسقنيها مشعشعة..»[77].

«فحين ينكتب النص، إنما تكون الولادة آتية من المستقبل، من أفق بِكْرٍ، لم يمسسه ظل بعد، أما حين يُكْتَتَبُ النصُّ، فإن الذاكرةَ تكون مهيمنةً، والماضي باسطا ظلاله في المدى. يحس المبدع، في لحظة الانكتاب، أنه ما زال لم يقل ما يود أن يقوله، لذلك يكون النص الموالي عبارة عن فضاء بكر، جديد، يحاول عبره المبدع، أن يفرغ أعماقه دفعة واحدة، و ‘‘ يُقَوِّلَ ‘‘ ذاته ما لم تستطع أن تقوله في النص السابق، وبعد أن ينتهي، يحس أنه لم يقل شيئا؛ فالفراغات ما تزال بيضاء، وهي التي تترك اللحظة الإبداعية متوهجة، ومشعة، ومتوقدة إلى ما لا نهاية»[78].

      • الكتابة الرؤيا والتصوير الفني

ما موقع الرواية المعاصرة ضمن المجتمع المعلوماتي، وضمن هذا التدفق البصري الهائل؛ سمته طغيان الشاشة بأحجامها وأشكالها وأبعادها المختلفة وقوة رؤيتها البصرية وشدة وضوحها؟؟

سنحاول في هذا المحور اكتشاف قدرة الروائية على تحويل تلك التصويرات الفنية البديعة إلى دراما حقيقية وتلمس عناصر التشويق فيها والبحث عن ميكانيزمات التحويل والانتقال؛ الانتقال من بناء الرواية إلى بناء السيناريو وصناعته لغاية وحاجة الرواية الحديثة الخروج من قالبها المعتاد ومحدودية التلقي لتتوجه إلى جمهور أوسع يجد ضالته ويلبي حاجاته الذوقية والفنية عبر دراما تلفزيونية وأفلام سينمائية تَكونُ الحبكة الروائية بمميزات خاصة وبأفق معين هي الركن الأساس ضمن هذه الصناعة.

إن الانتقال من التصوير الفني عبر مشاهد بلاغية، وقدرة عجيبة على التخييل، وتوظيف كافة الفضاءات الممكنة، المتخيلة والكائنة في الوجود، إلى التصوير السينمائي القائم على عنصر الصورة، والرؤية البصرية، والتقنيات السمعية البصرية، هو ما ينبغي أن تتنبه إليه الرواية المعاصرة، وإليه تصرف جهود النقاد، وإلا ظلت الرواية ومساحة تداولها ضمن مجال ضيق، ومحصورة في فئة معينة هي الفئة المثقفة مهما كانت كثافة نصوصها ونضارة معانيها وبديع بنائها..

ويجدر بنا أن ننوه أن كثيرا من الروايات ما كانت لها أن تعرف أو تنتشر رغم محدودية بنائها لولا تحويلها إلى عمل سينمائي. وفي المقابل نجد روايات عديدة تملك من الإمكانات الدرامية والمشاهد التخييلية والأحداث المشوقة لا تتجاوز بعض صالونات النقد والدراسات والأدبية هذا إذا استثنينا القراءات التبجيلية التي لا ترقى إلى النقد العلمي الأكاديمي.

فلننصت جيدا إلى هذين النصين ونتملى جيدا في مشاهدهما ونستمتع بقدرة الروائية الرائعة على التصوير والتخييل وبراعة انتقالها بين مختلف الفضاءات.

      • الكتابة الرؤيا من التصوير البلاغي إلى المشهد السينمائي

«مصمما ألا تكون آخر صورة في عقله هي صورة جلاده.. استحضر صورة أندلس، كانت جميلة، حركاتها تنطق بالبراءة والحياء.. فكر أن ما فتنه فيها كان أكثر من الجمال، كان شيئا تلقائيا نابعا من فطرتها، يجعل كل ما في قلبها على صفحات وجهها، قسماتها كانت تشي بكل الخلجات التي كانت تنتابها.. وقبل أن يفقد وعيه تماما تجلت له فاتنة رقراقة..»[79].

«يهمس باسمها يناجيها:

سلام عليك، كل الكلمات لا تفي بحقك، فهلا تحدثت إلي بصوت مسموع، يطغى على كل صوت آخر.. فلا نسمع إلا حبا ومودة وعشقا.. كيف سيكون العالم لو منحته قليلا مما حباك الله من حنان ورحمة.. أشعر أنني غريب في هذا العالم، وعن هذا العالم، أعود أدراجي من خارج المدار، هاربا بنفسي من غلظة الناس، كأنني واحد من أهل الكهف وقد وجدوا أنفسهم  بعدما بعثوا  في عالم غير عالمهم، ففضلوا أن يعودوا إلى الكهف، لينعموا بالأبدية؟ ألست بحاجة إلى رفيق، يرشدني، ويعينني، ويواسيني، ويشعرني أنني لست ذلك التائه في الصحراء؟ كوني رفيقي كي أطمئن، أنت الرياض التي يأنس إليها التائهون، والظل الذي ينعم به من لفحتهم حرارة الشوق، والماء البارد الذي يتطلع إليه المحبون.

ليتني بجوارك كل حين، أستمع إليك وأسترق النظر إليك، خشية أن يتخطفني البرق. ليتني إذا ظمئت إليها حتى يئست، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون»[80].

  • المشهد الأول: الطيب في أسر المعتق

لاكتمال فضاء الاعتقال لا بد من مراعاة العناصر الآتية:

  • زنزانة حيوطها مهترئة بعض الشيء، صباغتها غير منتظمة وعشوائية يتمازج فيها اللون الأسود بالرمادي بالبني الداكن مع رتوش من خيوط وأشعة بيضاء تكسر قليلا رتابة الألوان.
  • بالإضافة إلى طبيعة الصباغة وصناعة الخلفية لا بد من تقنية معينة للتصوير لتوصيل عنصر اهتراء الحائط ورطوبته.
  • اللعب على عنصر الإضاءة من خلال التركيز على الظلام الدامس إلا من بعض الخيوط الضوئية التي تنعكس على الحائط وعلى وجه ‘‘ الطيب ‘‘ الذي لا يظهر منه إلا بعض الظلال بالكاد تفصح عن هويته وملامح وجهه. توجيه تلك الأشعة الضوئية بين الفينة والأخرى لشخصية ‘‘ الطيب ‘‘ لغرض وضرورة انعكاس ظله على الحائط.
  • إدماج عنصر الموسيقى ضروري لكمال المشهد ومراعاة لسماع المشاهد ونفاذا لخلجات روحه. موسيقى ينبغي أن تجمع بين الحنين والآلام والحب والشوق.

هذا المشهد يختبر قدرات مهندسي الضوء والإضاءة والديكور وكفاءة المخرج وحسن اختياره للمثل وقوة جسده وملامحه في أداء المشهد أداء حسنا.

اللحظة الراجة: فقدان الوعي والانتقال من فضاء الاعتقال إلى فضاءات العروج والصورة الرومانسية للبطلة.

  • المشهد الثاني: ‘‘ أندلس ‘‘ وفضاء التخييل

إن نوعية الموسيقى وحسن توظيفها وإدماجها في المشهد الأول من شأنه أن يستثير الخيال ويهيئ النفس ومعها الوجدان لاستقبال المشهد الثاني المنبني على عنصر الصورة ومدى تحريكها والتحكم فيها واستدماج كافة المؤثرات لاكتمالها. يتشكل المشهد من العناصر الآتية:

  • ‘‘ أندلس ‘‘ وهي متشحة بأجمل الثياب، الفضفاضة قليلا، ذات ألوان فاتحة مع البساطة وقليل من الزركشة في أماكن معينة ولضرورة جمالية. يفضل هنا اللون الأبيض والوردي الفاتح والأحمر الفاتح قليلا.
  • يبتعد المخرج ما أمكن عن إبراز مفتن ‘‘ أندلس ‘‘ انسجاما مع مقامات الرواية ومقاصد الحب فيها ويمكن التركيز على جمال الوجه لاستثارة واستمالة المشاهد وحاجاته الوجدانية.
  • حسن توزيع الإضاءة على جسد ‘‘ أندلس ‘‘ باستغلال كافة ألوان الطيف وانكساراتها الباردة لأن من شأن ذلك أن يفجر لوحة فنية بديعة يتمازج فيها لون الملابس وأشعة الألوان وهي صورة كافية تستجيب لكافة الأذواق.
  • يستحسن توظيف السماء بعوالمها المختلفة ( ظلام دامس، نجوم متلألئة ) كفضاء تسبح فيه أندلس مع إبداع في حركات الجسد تفصح عن مكامن الأنوثة وقوتها لترصيع الصورة النورانية المتبددة في فضاء العروج.
  • المشهد الثالث: أثقال الاعتقال

بالموازاة مع تبدد وتلاشي صورة ‘‘ أندلس ‘‘ أو المشهد السينمائي الثاني في الفضاءات والعوالم المتعددة ينفسح المقطع السينمائي لانعكاس مقامات النفس الشائهة وهي تتوارد في الحلم وتنعكس تجلياتها على نفسية الطيب وهي لا تعدو أن تكون:

  • تعبيرا عن الغربة التي يشعر بها الطيب.
  • تعبيرا عن غلظة الناس وظلمهم.
  • وشوقا إلى الحبيبة وحضنها الدافئ.
  • المشهد الرابع: مقام التوحد

يختتم المقطع السينمائي بمحاولة توحد الحبيبين؛ ‘‘ الطيب ‘‘ و ‘‘ أندلس ‘‘ ومعانقة بعضهما البعض وهي اللحظة التي يسعى ويتوق إليها الطيب. لكن هذه اللحظة لا تتحقق وتتلاشى الأجساد من جديد في فضاءات التحقق. تلاشي وتبدد لا فناء بعده إذ من طبيعة النور النفاذ والتموج والتحقق في ذوات الجسوم التي تكتسب هويتها من انعكاس النور عليها. «لعلي دفعت دفعا نحو احتضانك، إلى استنشاق كل حدودك، إلى الامتلاء بك حد الثمالة.. ولما كدت أن أهيم في بحرك العذْب، توقف بصيص لذةٍ خلت أنني على وشكِ امتلاكها، بل توقف كل شيء، كل شيء..»[81].

  • ثالثا: التراث الشفهي والمسكوت عنه أو حدود السرد وعجز الحكي

  • الموروث الشعبي

الموروث الشعبي من حيث هو مجموع التعبيرات والقيم والتقاليد الثقافية والمجتمعية التي سادت بين الناس في مجتمعاتهم؛ وصبغت حياتهم وشكلت وعيهم من الموضوعات الأثيرة في الرواية المغربية الحديثة وبناءاتها. يحضر بطرق مختلفة وعلامات لا تخفى تتجسد فيها معاني الوعي بالذات والإحساس بالانتماء. هو ذاكرة مستعادة عبر فضاءات الأمكنة والأزمنة وفعل الإنسان فيها عبر الحكي، الموروث منه والمتخيل، تتفاعل فيها أساليب البناء المحدثة مع ذاكرة الجسد في تاريخيته وثقافته مع صور الذات واستيهاماتها التخيلية.

فالقول بالتراث الشعبي يعني الإحالة على تعبيرات الأدب الموازي (الشعبي) من أشعار وقصص وأخبار وأساطير صيغت في لغة دارجة وسجلات لسانية جهوية مخصوصة..

إن الوعي المجتمعي للمتخيل وللتعبيرات اللسانية في صيغتها الشعبية، والتفطُّنَ للوظيفة التاريخية والنفسية للإبداع الثقافي الشعبي؛ ودوره في تشكيل النسيج المجتمعي المشترك باعتباره ضمانة تآلف واستمرارية؛ وجَّهَ الكتابة الروائية إلى ضرورة حضور الأثر الشعبي في مختلف التعبيرات الفنية.

فإذا كانت الروايةُ فنا أو جنسا ينبني على السرد (بحدث وشخصيات وتَشكُّلات فضاءٍ وزمنٍ وأمكنة)؛ فإن الموروث الشعبي تعبير عن الهوية ضمن بناء فني مخصوص. ولقد أينعت هذه الرؤية بالفعل في عدد من روايات المغاربة حيث حضرت الثقافة الشعبية بمكوناتها التعبيرية والفنية، وعكستْ من ثمة صلة الكتّاب بالذاكرة وبالتاريخ وبالزمن الذي يعيشون.

ورواية ‘‘ كأنها ظلة ‘‘ للأديبة والناقدة والشاعرة أم سلمى واحدة من الروايات المغربية الحافلة بالتراث الشعبي المغربي، المتخيل منه والواقعي والأسطوري والخرافي، الشفهي منه والمكتوب الذي كان له الأثر البين في بلورة الشخصية المغربية وفهمها لقضايا الوجود والتفاعل الإنساني الحضاري..

وقد عمدت الروائية إلى ترصيع روايتها عبر اقتباس ألفاظ وعبارات ونصوص متعددة من هذا التراث متحت من أجناس متعددة ( النثر الأدبي، أدب التصوف، الشعر، الحكم ) وتوزعت على الحقول الدلالية الآتية:

  • اللسان التداولي للهجة المغربية.
  • اللهجة الريفية.
  • أقوال وحكم المجدوب.
  • الموروث الشعبي والتَّشَكُّلُ المعماريُّ للروايةِ

سنقتصر في هذه الدراسة المقتضبة على تحليل نصٍّ زاخرٍ لعبد الرحمن المجدوب رحمه الله وذلك لحضور هذه الشخصية في حياة الناس وسعة تداول حكمه وأقواله وانتشارها بين الناس، وللقيم الزاخرة في هذه النصوص التي رسمت معنىً خاصّاً للحياة وتفاعل الإنسان فيها بالإضافة إلى أنها عصارةُ تجربةِ حياةٍ مُعاشَةٍ وقف عليها المجدوب من خلال المعايشة والمصاحبة والمشاهدة..

نشير أن نصوص المجدوب كانت حكايا الأجداد والجدات في كل المساءات والليالي الطويلة، فهي نصوص تربوية بامتياز.

  • مفهوم الحياة

فالحياة التي تريدها الروائية ليست تلك الحياة العبثية التي تسير بغير هدى ولا مقاصد معينة، وليست تلك الحياة التي تنتصف للأنانية وتستحضر البعد الذاتي فقط وإنما حياة تمتد من الذات للآخر، حياة تمتد من العاجل إلى الآجل، لا مفارقات ولا تَوَقُّفاتٍ، هي مستمرة بآزالها وآمادها، تحيى على هذه الأرض وتخترق سُجُفَ الغيب؛ الغيبُ حياةٌ أبديةٌ، لا نصبَ ولا وَصَبَ، لا أحقاد ولا حروب.. نستمع لأم سلمى وهي تنظم هذه الرؤية: «.. ضرورة وضع أهداف لحياتنا،.. حتى تنمحي أنانيتنا،.. كي تبدو الحياة طويلة وعميقة، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية، وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض، ولا تنتهي بعد موتنا..»[82].

  • مقامٌ للجذب سرٌّ للحياة

الجذب من الاصطلاحات الصوفية التي تؤثل المعجم والفكر التربوي الصوفي وهو مقام يصل إليه السالك إلى الله لا يُجاوِزُهُ إلى غيره من مقامات العروج لِالْتِفاتٍ حاصلٍ أو اخْتِلاطٍ في الصحبة وتجاوز للمصحوب أو غيابه، وقد يكون لطارئ معين وارد على مرآة الروح.

والمجذوب سالكٌ إلى الله له مقامُه واعتبارُه في مقام العبودية والقرب من الله يفيضُ قلبُه نورانيةً ومحبةً ويلهج لسانه بالحكمة. لكنه خارجٌ عن مسار الحياةِ، غيرُ مُدْرِكٍ لمرجعيته ونقطة تمركزه فيها. تتداخل العوالم لديه بشكل غريب.

وعبد الرحمن المجذوب من الشخصيات التي شغلت الناس حكاما ومحكومين في حقبة معينة من تاريخ المغرب وقد ساقت الروائية هذا النص من أقواله وحكمه التي تداولها الناس وظلت حَيَّةً عبر الأزمان، وهي من الموروثات الشعبية الزاخرة بالقيم الناضحة بتجارب الحياة.

من خلال هذا النص تتجلى لنا قيمة الحياة الدنيا وهناك تداخل تام بين مقاماتها ومقام المجذوب. فإذا كان مقام المجذوب ثابت مستقر تتكرر فيه نفس الأحوال لا يجاوزه إلى مقام الولاية ونَعْمائِها ولذتها فكذلك مقامات الحياة مهما دَنَتْ إليكَ ببريقها وغرورها وزينتها واستدراجها فهي لا تعدو أن تكون نِعَماً زائلةً فانيةً، وأن العبد اللاهث وراءها، مهما طلبها ومهما غرف منها، فلن يروي عطشه ونهمه بل إنه كلما أوهمته وتجلت له إلا زادته شقاء وذلا وتلبست به وأخذت منه كل ما لديه لأنه لم يعرف سرها.

‘‘ علاش كتبغي تعيش فالظلام ‘‘

«يا بْني آدم، عْلاش كتبغي تْعيش فالضلام؟ والمحبة قدامك نور، تغسل قلبك من كل غباش، من الكرهانية، والغيرة، والحقد، ومن اللّهطة اللي كتحفر لك قبرك وتخليك فحال الطرشان.. عش بالمحبة يا ابني آدم بْلا مقابل، بلا ما تْسْتنّا حتى تعيا، يرجع قلبك جْنان خضار، ما يعمر غير الورد والزهار.. يستوطن فيه الربيع، وإذا زارو الشتا ولا الصيف، ولا حتى الخريف، فغير باش يكمل دورة الحياة.. باراكا يا بني آدم ما تعقّد حياتك، وتصعبها على غيرك..»[83].

الخطاب في هذا النص موجه لبني آدم، للإنسان، مذكرا بقيمة الحياة الدنيا ومقامها عند الله، حاثّاً إياه على تنزيه قلبه عن بعض القيم الذميمة التي تعكر صفوه وتحول دون تنزل أنوار الله فيه. فالقلب وعاء المحبة التي يفيض نورها على سائر الخلق والمكنونات.

وقد مثل عبد الرحمن المجذوب ببعض الصفات الذميمة في الإنسان من قبيل: الكراهية، والغيرة، والحقد لغلبتها في حياة الناس وتدافعهم اليومي وسائر معاملاتهم. يزيد من تجليات هذه القيم الشّائهة وطفوحها نفس الإنسان الهَلوعَةِ غيرِ القنوعةِ.

ولإقناع المخاطَبِ بصوابية كلامه وقوة حجته من جهة ونفاذ خطابه إلى جميع الشرائح المجتمعية من جهة أخرى أسْنَدَهُ وعَزَّزَهُ بمُعْجَمٍ بسيطٍ يَمْتَحُ من البيئة المنظورة ( وهنا بلاغة الموروث الشعبي ) التي لا تخطئها العين ولا تحتمل التأويل في فهم معانيها. وهكذا شبه القلب الذي تغمره المحبة ويفيض بمعانيها ب «جْنان خْضار، مْعَمَّرْ بالورد والزهار»، وأن هذا الجنان ربيع خالد أبدي لا يخضع لتعاقب الفصول ودورة الزمن.

هذه هي الحياة التي يريدها المجذوب ويرشد إليها بني الإنسان، وهكذا أفصح عن سرها وسر التجربة وسر المقام؛ مقام الجذب.

  • إيقاع الفلامينكو وعنفوان الأنوثة

تأثر الفلامنكو بالأغنية العربية والهندية القديمة والأندلسية. وقد ورثها المورسكيين الذين استوطنو قرى في غرناطة. وترجع هذه الأصول العربية للفلامينكو لوجود العرب والمسلمين في الأندلس أزيد من ثمانية قرون. وقد توصلت جميع الأبحاث إلى أن هذا الفن الفلكلوري الغنائي يعتمد على النجوى والشكوى إلى جانب الفرح واللهو والسرور، وهو تعبير كذلك عن الظلم الاجتماعي ومشاق الحياة والبؤس، والمحن والتمزق والمكابدات التي عاشها الغجر والفقراء مما جعله لونا غنائيا حزينا تغلب فيه كلمات الحزن على الفرح.

وتشير كثير من الدراسات أن هذا الفن مرتبط بالغجر وبثقافات أخرى تعايشت في المنطقة ومن بينها الثقافة الموريسكية ذات الأصول العربية الإسلامية إضافة إلى الثقافة الإسبانية المحلية.

لماذا الفلامينكو؟ وما سياق استدعائه في تشكيل مقامات الرواية؟. نجيب عن هذه الأسئلة في تكملة الدراسة.

  • رابعا: نهاية الرواية أو مقام الفتح

«سأغيب عن الحياة، دون أن أقول كلمتي ذلك أشد ما يؤلمني»[84].

« بهذه الجملة المثيرة، افتتح محمد الصباغ رحمه الله كتابه: ‘‘ شموع على الطريق ‘‘، وهي تحوي في طياتها دلالات المحو والبياض، فالمبدع لا ينظر إلى الوراء، إلى ما أنتج وأوجد، بل يتطلع إلى الأمام إلى ما سيبدع وسينتج. المبدع لا يبحث في الكائن، بل يقيم في الممكن»[85].

«إنها دهشة ولادة النص يعيشها المبدع عقب كل تجربة جديدة للكتابة،.. وهذا يعني أنه حتى النص الأول ذاته يظل في إرجاء مستمر. أي لا ينكتب بذاته وبصفاته، بل يخرج بعضٌ منه، ويبقى جوهره في الإرجاء، مراوِغاً تجربةً أخرى، ثم التي تليها..»[86].

كثيرٌ من الكلمات لا يستطيع الإنسان أن يبوح بها.. أو نقل كلما تكلم الإنسان إلا وأحس أنه لم يقل شيئا أمام إعجاز الوجود وامتداده وعوالمه المتعددة وقضاياه المتجددة.. الكتابة بهذا المعنى تؤول إلى الفناء التام {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي}( الكهف: 104 ) فناءٌ حيث يكون الصمت أبلغ من كل تعبير حيث التأمل والوحدة والاتحاد بمعالم الوجود ومكنوناته هو الكلمة الخالدة الأبقى.. فبهذا الالتحام والصَّهْرِ تضمن الكلمة صيرورتها عبر الأزمان المتعددة بشهودها وغيبيتها..

هو ذاك إحساسُ من يتهمَّمُ بوجوده ويضفي قيمة على نفسه ويبحث عن معنىً يفر إليه من وهم الحياة وصخبها وسرها وفتنتها أو قل هكذا هُمُ الأدباء مع الكلمة فكلما اعتقدوا أنهم أمسكوا بسحرها وأسرارها واستقطروا دلالاتها وأحسوا بلذتها ومتعتها وأغرتهم ببريقها ووهجها إلا وتفلَّتَتْ منهم باحثة عن نص جديد وعن معنى آخر، فهي بمثابة بكر تبحث عن من يقدر أنوثتها ويثمن جيدا عفتها وطهارتها المتجددة التي لا تفنى بمرور الزمن..

الكلمة هنا شهادة، والشهادة حق ينطق به الإنسان مع ما قد يترتب عنها من مسؤولية وتبعات، لأن الكلمة الحق قد تدخل قائلها في متاهات ودروب لم يتنبأ قط بمآلاتها وربما أوردته مهالك هو في غنى عنها.

فالكلمة هنا وخاصة في لحظات حاسمة من حياة الإنسان، ليست قولا أو ادعاء وإنما هي حقيقة ساطعة متجلية للوجود من رحم الآلام ومخاض الاحتراق ومن لحظة الغياب والفناء. فإذا كانت الشهادة فناء عن الحياة وغيبة عنها فإن الكلمة الصادقة تولد من رحم الغيبة وتستمد حياتها وحيويتها من عنفوان الشهادة. الشهادة حياة.

ونفس الكلمة التي أوردت ‘‘ الطيب ‘‘، الشخصية الأساس ضمن معمار ‘‘ كأنها ظلة ‘‘، الاعتقال ودفع في سبيلها أغلى ما يملك؛ حريته وكرامته ومزيدا من الإهانات وجزء من صحته وعافيته، وفقد على إثرها أعز ما يملك من دنياه حبيبته وروحه وكماله، أندلس.

ولماذا التعبير بالغياب عوض الموت؟ أليس الموت وحده القاهر عن الإبداع والكتابة. هل ابتغى الصباغ رحمه الله من ذلك إثارة الدهشة فينا والصدمة؟

‘‘ الغياب ‘‘ هنا أمل بالرجوع، أمل في الحياة، الحياة الإبداعية، حياة النص، وحياة الكلمات.. وكأن هذا الأمل يستحثنا ويستثير فينا قراءَتنا؛ قراءتنا المبدعة التي تسمو على قوالب الألفاظ وتغوص في أعماق المعنى، المتدثرة دوما بلبوس التأويل، المنفتحة على آفاق النفس المترنمة بعبق الأكوان. القراءة بهذا المعنى حياة، والغيب حياة أبدية كما هو حال المعنى لا يمكن الإمساك به والوقوف على حدوده وآفاقه مهما كانت سلطة التأويل.

هذه هي المعاني التي يجب أن تؤطر كتاباتنا الرؤية التي ينبغي أن تحكم مقاصدنا وتحرك تخيلاتنا وتجند طاقاتنا وقدراتنا للانعتاق مما هو كائن وطلب الإقامة في الممكن.. فإلى أي حد كانت هذه التمثلات حاضرة في استشراف نهاية الرواية وآفاقها الرحبة ؟

  • للقارئِ صدمةٌ ورجَّةٌ

على غير المتوقع فاجأتنا الروائية بالإعلان المباشر لنهاية الرواية وتوقع نهاية البطل ” الطيب ” ومآلات قضية الاغتصاب وخروجه من المعتقل والتسريع في إعلانها ولملمة أحداثها وتركيزها وهو ما تؤكده عدد صفحات المقام الأخير؛ ” مقام بين المنزلتين “.

هذا الاختيار للروائية يُحترمُ، وربما له موجباتُه ومقاصدُه لكنه انْزاحَ عنِ البناء العام للرواية ومعمارها المرتكز على الصدمة والرجة والقطع والوصل وحركية الضمائر وغيرها مما أسلفت الحديث عنه يضاف إليها أسُّ البناء وأساسُه المتمثل في المقامات؛ والمقامات عروج نحو الاكتمال والكمال.

استحسنت أن يكون تشكيل النهاية عبر المشاهد الآتية:

  • أن ترسم نهاية للشخصية الرئيسية ‘‘ الطيب ‘‘ مفعمة بالحياة والتحدي والانتصار على السجان وأصحاب المؤامرة الدنيئة وشاهدات الزور التي غيبته سنين عديدة في زنزانته المعتمة.
  • كنت أطمح أن يكون أفق الرواية وقَفْلَتُها منسجم مع أفق الرؤيا التي ترسم مسارات أخرى للحياة بإشراقاتها ومعانيها الرائقة عوض الانغماس وتكريس تلك المقامات الشائهة لشخصيات الرواية زاد من حدتها وهُوَّتِها السحيقة التشويهُ على مستوى الجسد الذي تعرض له ‘‘الطيب‘‘ باستئصال كليته.
  • حاجة القارئ إلى استشراف وتَوَقُّعِ تلك النهايات السعيدة المفعمة بالحياة والطاقات الإيجابية للاندفاع نحو المستقبل ومحو ما علق بذواتنا من آلام وشروخ يستعصي بعضها على الرتق.
  • جميل أن نشخص الواقع الذي نحياه ونستحضره ونصهر جزءٌ منه في قوالب فنية بديعة وتصويرات تخييلية تتجلى فيها قدرة المبدع (ة) على السبك والحبك ولكن الأجمل أن نحلم ونسعى ونرتقي لتلك العوالم الجميلة وتتوحد فينا قيما سامية نحيى بها ونبثها في الإنسانية. لا نريد أثقالا فوق أثقال وأمراضا على أمراض، يكفي هذا الجسد للأمة المثخن بالجراح.
  • توقعت نهاية تقلب الموازين وتتشارك فيها كل شخصيات الرواية تبث الروائية من خلال حركية مقاماتها ومشاهدها وتفاعل شخصياتها بدائلَ ومواقفَ وإشراقاتٍ وتصوراتٍ وتأصيلاتٍ قِيَمِيَةٍ بشأن عديد القضايا المثارة في متن الرواية؛ قضايا تتجاوز الذات الفرد إلى الجماعة، وتغوص في السياسي والاجتماعي والاقتصادي، تتجاوز الحاضر نحو المستقبل دون إغفال التاريخ، لا تتقوقع ضمن الوطني الإقليمي وإنما تعانق الإنسانية في تجلياتها وفضاءاتها المتعددة..

وهذا ما تفطنت إليه الروائية وطرزته في هذا النص: “جلست مرة أخرى إلى الحاسوب، كنت أريد أن أستدعي أندلس لتجيب عن أسئلة لا تزال عالقة في مصائر بعض الشخصيات، وما انتهى إليه أمرهم، فقد أنهيت تقريبا ملأ كل الفراغات، لكني أجهل تفاصيل شتى.. اعلم أنه في سراديب مجهولة من مختلف الأحجام، كل سرداب يفضي إلى سرداب آخر، لكن قد يكون هناك سرداب معلوم، يمكن أن تكشف عنها، أو على الأقل تستبطن ما في داخله..”[87]. 


المصادر والمراجع

القرآن الكريم. رواية ورش عن نافع

  • لسان العرب لابن منظور.
  • المحيط في اللغة، إسماعيل عباد، تحقيق: محمد حسني آل ياسين، دار عالم الكتب، بيروت، ط1، 1994.
  1. إبداعية الكتابة، دراسة في التحديث الشعري عند محمد الصباغ. أحمد هاشم الريسوني. سليكي إخوان، طنجة. ط1، ماي 2012.
  2. آفاق التناصية: المفهوم والمنظور، تعريب وتقديم: محمد خير البقاعي، جداول، الكويت، ط1، 2013.
  3. إيقاعية السرد في شعر محمود درويش: قاسم محمود محمد. أطروحة دكتوراه، إشراف: أحمد جار الله ياسين، كلية الآداب، جامعة الموصل، 2013.
  4. البناء الفني ودلالته في الرواية العربية الحديثة، نزيهة خليفي، الدار التونسية للكتاب، تونس، ط1، 2012.
  5. البيان في روائع القرآن، حسان تمام، عالم الكتب، القاهرة، ط1، 1993
  6. الدراسات اللغوية والأدبية/ قسم اللغة العربية وآدابها، الجامعة الإسلامية بماليزيا، العدد 2، السنة 5، 2014.
  7. الذاتية في اللغة، أميل بنفنسيت، ترجمة: حميد سمير وعمر حلي، مجلة نوافذ، جدة، العدد 9، 1999.
  8. شرح الحدود النحوية، الفاكهي، عبد الله بن أحمد، تحقيق: محمد الطيب الإبراهيم، دار النفائس، دمشق، ط1، 1996
  9. شموع على الطريق، محمد الصباغ، ط1، تونس، 1968.
  10. في نظرية الرواية، عبد الملك مرتاض، عالم المعرفة، ع240، 1998.
  11. كأنها ظلة، أم سلمى، سعاد الناصر، مطبعة الخليج العربي، تطوان، ط1، 2019.
  12. لسانيات النص: مدخل إلى انسجام الخطاب، خطابي محمد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط2، 2006.
  13. معاني النحو، فاضل صالح السمرائي، دار الفكر للطباعة، والنشر، الأردن، ط1، 1420ه، 2000م.
  14. المغامرة الجمالية للنص الشعري، محمد صابر عبيد. عالم الكتب الحديث، ط1، 2008.
  15. هل أتاك حديث أندلس، سعاد الناصر، مطبعة آنفو، فاس، 2009.

Gérard Genette, Figures III, Cérés Tunis 1996

www.adibaat.net

————————————————————————

كأنها ظلة، رواية للدكتورة سعاد الناصر، مطبعة الخليج العربي، تطوان، ط1، 2019.

 البناء الفني ودلالته في الرواية العربية الحديثة، نزيهة خليفي، الدار التونسية للكتاب، تونس، ط1، 2012، ص: 12[1]

 المرجع نفسه، ص: 8 [2]

[3] لمزيد من التوسع ينظر الموقع الإلكتروني: https://www.adibaat.net

[4] الفرق بين ‘‘ الانكتاب ‘‘ و ‘‘ الاكتتاب ‘‘؛ فحين ينكتب النص، إنما تكون الولادة آتية من المستقبل، من أفق بكر، لم يمسسه ظل بعد، أما حين يُكْتَتَبُ النصُّ، فإن الذاكرةَ تكون مهيمنةً، والماضي باسطا ظلاله في المدى. ( إبداعية الكتابة، دراسة في التحديث الشعري عند محمد الصباغ. أحمد هاشم الريسوني. ص:177 )

 إبداعية الكتابة، دراسة في التحديث الشعري عند محمد الصباغ. أحمد هاشم الريسوني. سليكي إخوان، طنجة. ط1، ماي 2012. ص:231[5]

 المحيط في اللغة، إسماعيل عباد، تحقيق: محمد حسني آل ياسين، دار عالم الكتب، بيروت، ط1، 1994، 10/ 404-405 [6]

 البناء الفني ودلالته في الرواية العربية الحديثة، ص: 21 [7]

 المرجع نفسه، ص: 21[8]

 المرجع نفسه، ص:21 [9]

[10] أقول القيم السلبية هي الغالبة في متن الرواية وإلا فإن هناك قيم إيجابية جميلة كالحب والمحبة والفداء والعشق والحقيقة والمحافظة على السر وكتمانه والصبر والحفاظ على التراث واستدعائه… إلخ

[11] قصدت به الروائية ‘‘ يوم الزفاف ‘‘. ( كأنها ظلة. ص: 43 ). ‘‘ التوحد الأكبر ‘‘ وغيره من المصطلحات يعد نحتا خاصا للكاتبة وهو ما يحيلنا لسؤال المصطلح والدلالة والمعجم الخاص بها.

 كأنها ظلة، سعاد الناصر، مطبعة الخليج العربي، تطوان، ط1، 2019، ص: 7 [12]

 المرجع نفسه، ص: 7 [13]

[14] هل أتاك حديث أندلس، سعاد الناصر، مطبعة آنفو، فاس، 2009.

 كأنها ظلة، ص:11[15]

 المرجع نفسه، ص: 12[16]

 المرجع نفسه، ص: 13[17]

 المرجع نفسه، ص: 13[18]

 كأنها ظلة، ص: 8[19]

 المرجع نفسه، ص: 9[20]

 المرجع نفسه، ص: 10 [21]

 العنوان مقتبس من كتاب: البناء الفني ودلالته في الرواية العربية الحديثة، نزيهة خليفي، الدار التونسية للكتاب، تونس، ط1، 2012، ص: 16 [22]

 كأنها ظلة، ص:18[23]

 المرجع نفسه، ص: 19[24]

[25] آثرت تقديم هذه الرجة التي تأتي ثالثة من حيث الترتيب انسجاما مع التمهيد والتعريف بالحدث المركزي أو الحدث الصدمة. إذا لا وجه للغرابة في تقديم ‘‘ الرجة الثالثة ‘‘.

 كأنها ظلة، ص: 15[26]

 المرجع نفسه، ص: 15 [27]

 كأنها ظلة، ص: 4[28]

 كأنها ظلة، ص: 8[29]

[30] المرجع نفسه، ص: 16

[31] المرجع نفسه، ص: 17

[32] المرجع نفسه، ص: 20

[33] المرجع نفسه، ص: 21

[34] كأنها ظلة، ص: 21

[35] المرجع نفسه، ص: 26

[36] كأنها ظلة، ص: 24-25

[37] المرجع نفسه، ص: 24

[38] المرجع نفسه، ص: 23

[39] المرجع نفسه، 23

[40] المرجع نفسه، 42

[41] المرجع نفسه، 43

[42] كأنها ظلة، ص: 39

[43] المرجع نفسه، ص: 40

[44] المرجع نفسه، ص: 65

[45] المرجع نفسه، ص: 85

[46] المرجع نفسه، ص: 86

 المرجع نفسه، ص:15 [47]

 كأنها ظلة، ص:15 [48]

[49] المرجع نفسه، ص: 59-60

[50] المرجع نفسه، ص: 59

 Gérard Genette, Figures III, Cérés Tunis 1996, p.109 [51]

 المغامرة الجمالية للنص الشعري، محمد صابر عبيد. عالم الكتب الحديث، ط1، 2008، ص: 102 [52]

[53] آفاق التناصية: المفهوم والمنظور، تعريب وتقديم: محمد خير البقاعي، جداول- الكويت، ط1، 2013، ص:37

 كأنها ظلة، ص: 28[54]

 كأنها ظلة، ص: 37[55]

[56] نفسه، ص: 68

[57] نفسه، ص: 69

 Gérard Genette, Figures III, p. 155 [58]

[59] البناء الفني ودلالته في الرواية العربية الحديثة، ص: 8

[60] الضمير ودوره في التشكيل الإحالي، سليمان بوراس. مجلة الدراسات اللغوية والأدبية / قسم اللغة العربية وآدابها، الجامعة الإسلامية بماليزيا، العدد 2 السنة 5، 2014، ص: 24

 ينظر لسان العرب مادة نظر [61]

 معاني النحو، فاضل صالح السمرائي، دار الفكر للطباعة، والنشر، الأردن، ط1، 1420ه، 2000م، 1/42.[62]

 شرح الحدود النحوية، الفاكهي، عبد الله بن أحمد، تحقيق: محمد الطيب الإبراهيم، دار النفائس، دمشق، ط1، 1996 ص: 108[63]

 البيان في روائع القرآن، حسان تمام، عالم الكتب، القاهرة، ط1، 1993، 1/137 [64]

 لسانيات النص: مدخل إلى انسجام الخطاب، خطابي محمد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط2، 2006 ص: 17 [65]

 إيقاعية السرد في شعر محمود درويش: قاسم محمود محمد. أطروحة دكتوراة، إشراف: أحمد جار الله ياسين، كلية الآداب، جامعة الموصل،2013[66]

 الذاتية في اللغة، أميل بنفنسيت، ترجمة: حميد سمير وعمر حلي، مجلة نوافذ، جدة، العدد 9، 1999. ص: 64[67]

 في نظرية الرواية، عبد الملك مرتاض، عالم المعرفة، ع240، 1998، ص: 185 [68]

المرجع نفسه، ص: 185 [69]

 كأنها ظلة، ص: 19[70]

[71] كأنها ظلة، ص: 12

[72] كأنها ظلة، ص: 13

[73] لم يستكمل التحليل بشأنها.

[74] لم يستكمل التحليل بشأنها.

[75] لم يستكمل التحليل بشأنها.

[76] كأنها ظلة، ص: 5

[77] المرجع نفسه، ص: 11

[78]إبداعية الكتابة، ص:177

[79]كأنها ظلة، ص: 43

[80] نفسه، ص: 44

[81] كأنها ظلة، ص: 189

[82] كأنها ظلة، ص: 57

[83] نفسه، ص: 62

[84] شموع على الطريق، محمد الصباغ، ط1، تونس، 1968، مطلع الكتاب.

[85] إبداعية الكتابة، دراسة في التحديث الشعري عند محمد الصباغ. ص:177

[86] إبداعية الكتابة، دراسة في التحديث الشعري عند محمد الصباغ. ص:178

[87] كأنها ظلة، ص: 212

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.