منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سنة عرض القرآن في رمضان

سنة عرض القرآن في رمضان/ حسن القرشي

0

سنة عرض القرآن في رمضان

حسن القرشي

رمضان شهر القرآن، تلاوة وحفظاً ومدارسة وتعهداً واستماعاً، غير أني سأكتفي في هذه السطور بالوقوف على سنة نبوية حميدة واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان خاصة، فقد كان ” جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم القرآن”[1]، وبذلك تواترت روايات عرض النبي عليه السلام القرآن على جبريل، أذكر منها قول الشعبي حين سئل عن قَوْله تَعَالَى ( شَهْر رَمَضَان الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن ) أَمَا كَانَ يَنْزِل عَلَيْهِ فِي سَائِر السَّنَة ؟ قَالَ : بَلَى،  وَلَكِنْ جِبْرِيل كَانَ يُعَارِض مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَان مَا أَنْزَلَ اللَّه ، فَيُحْكِم اللَّه مَا يَشَاء ، وَيُثْبِت مَا يَشَاء”[2] .

المقصود بعَرْض القرآن في مجموع روايات أحاديث عرض القرآن بين النبي عليه السلام وجبريل:

هو قراءة النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على جبريل، وقراءة جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، والمعارضة التي تفيد المشاركة من الطرفين، وكذلك بلفظ المدارسة وهي أعمّ من المعارضة لزيادتها على اللفاظ المعاني.

شُرعت سنّة العرض بين النبي عليه السلام  وجبريل لحكمتين: “احداهما تعاهده, والأخرى تبقية ما لم ينسخ منه ورفع ما نسخ”[3]، فأحيا عليه السلام هذه السنة المباركة بين أصحابه، تعليماً وإرشاداً، عرضاً وسماعاً، ومن ذلك قوله عليه السلام لابن مسعود رضي الله عنه ” اقرأ علي.. إني أحب أن أسمعه من غيري”[4]، قال ابن بطال “يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سنة، ويحتمل أن يكون لكي يتدبره ويتفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها”[5] ، فكان ابن مسعود يحدث أصحابه يهذه الفضيلة فيقول: “وإن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  كان يعارَضْ بالقرآن في كل رمضان، وإني عرضتُ في العام الذي قُبض فيه مرتين، فأنبأني أني محْسِن، وقد قرأتُ مِنْ في رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سبعين سورة[6].

وهذا أبي بن كعب رضي الله عنه، حين قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا المنذر! إني أمرت أن أعرض عليك القرآن، قال: يا رسول الله! ذكرت هناك؟ قال: نعم، باسمك ونسبك في الملأ الأعلى”[7]،  فكانت بذلك قراءته عليه السلام ” ليَسنّ عرض القرآن على حفاظه البارعين فيه، المجيدين لأدائه، وليسنّ التواضع في أخذ الانسان القرآن وغيره من العلوم الشرعية من أهلها، وإن كانوا دونه في النسب والدين والفضيلة والمرتبة والشهرة وغير ذلك”[8].

فهي إذن خصلة حميدة، وسنة متبعة، لا ينبغي أن يغفل عنها مؤمن، حتى أن البيهقي رحمه الله جعلها شعبة من شعب الإيمان، فبوّب فصلاُ في كتابه “شعب الإيمان” عنونه: “فصل في استحبابنا للقارئ عرض القرآن في كل سنة على من هو أعلم منه”[9].

لا يظن ظانٌّ أنها خصيصة بالحفاظ المستكملين وطلبة المدارس القرآنية فقط، بل هي سنة تعم كل من جَمَع ولو آية في صدره، ولا ينبغي أن يتدرع أحدنا بحُجّة أنه لم يستكمل بعد حفظ القرآن كاملا، فإطلاق القرآن  في الأحاديث السالفة الذكر مجاز والمراد بعضه لا كلُّه،  ولا أدل على ذلك أن ” أول رمضان من بعد البعثة لم يكن نزل من القرآن إلا بعضه ثم كذلك كل رمضان بعده إلى رمضان الأخير فكان قد نزل كله إلا ما تأخر نزوله بعد رمضان المذكور وكان في سنة عشرٍ إلى أن مات النبي صلى الله عليه وسلم”[10].

إن كان رمضان شهر القرآن، فلا يجب أن ينصرف النظر إلى التلاوة وحدها، وإن كنت مطلوبة لذاتها، ولكن بشرط تحري تحسينها على قدر الاستعداد، فقد ألمح ابن الجزري قديماً في مقدمته بقوله:

وبعد إن هذه مقدمه … فيما على قارئه أن يعلمه

إذ واجب عليهم محتم … قبل الشروع أولا أن يعلموا

مخارج الحروف والصفات … ليلفظوا بأفصح اللغات

لا غرو أن عرض المحفوظ على الضابط المتقن إن وجد، أو على الصديق المُلم بمبادئ علم الأداء حسب الاستعداد، لقمين أن يساعد على تجويد الحفظ واللفظ، وصيانة اللسان من إساءة الأدب مع الباري عز وجل، قال تعالى “ورتل القرآن ترتيلا” (المزمل آية 4).


[1] الأدب المفرد، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار البشائر الإسلامية بيروت، ط2، 1409ه 1989م، كتاب حسن الخلق، باب حسن الخلق إذا فقهوا

[2] فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة بيروت، 1379ه، ج9 ص45

[3] فتح الباري، ابن حجر، ج9 ص5

[4] صحيح البخاري، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط1، 1422هـ، كتاب فضائل القرآن، باب البكاء عند قراءة القرآن

[5] شرح صحيح البخاري لابن بطال، ابن بطال أبو الحسن علي بن خلف، تحقيق أبو تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد السعودية، ط2، 1423هـ – 2003م، ج19 ص 365

[6] مسند الإمام أحمد، أبو عبد الله أحمد بن حنبل، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار الحديث القاهرة، ط1، 1416 هـ 1995 م، مسند عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه

[7] كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، علاء الدين المتقي الهندي، تحقيق بكري حياني ، مؤسسة الرسالة، ط5، 1401هـ 1981م، باب في فضائل الصحابة، حرف الألف، أبي بن كعب رضي الله عنه

[8] المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي بيروت، ط2، 1392ه، ج16 ص 21

[9] شعب الإيمان، أبو بكر البيهقي تحقيق عبد العلي عبد الحميد حامد مختار أحمد الندوي، الدار السلفية ببومباي الهند، ط1، 1423 هـ 2003 م

[10] فتح الباري، ابن حجر، ج9 ص44

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.