منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أساسُ طلب القرآن وثَمرتُه

أساسُ طلب القرآن وثَمرتُه/ د.عبد القادر الدحمني

0

أساسُ طلب القرآن وثَمرتُه

الدكتور عبد القادر الدحمني

تلاوة القرآن والإنصات إليه قربة وأية قربة، وحفظُهُ مِنَّةٌ جُلّى وتوفيقٌ خالصٌ من المولى الكريم سبحانه.

أن يَهَبكَ المنّانُ القُرآن الكريمَ ابتداءً، ذلك سابق كَرَمٍ وفضلٍ ووراثة، لكن كيف أرتقي وإياك من الظُّلم أو خلط الصالح بالفاسد، إلى مقام السّابقين؟ “ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا، فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ”.

تنزّل القرآن غضًّا طريًّا على قلوب الصحابة الكرام وقد تشرّبت الإيمانَ وسُقيت الإحسان، في مجالس الذكر الأرقمية، والصلوات المُنوَّرة القُبائية، فنزل القرآن على أرضية إيمانية، هي تلكم الأمانة التي جعلها الله في جِذر قلوب الرجال، فإذا القرآن روح ربانية بانية، نبتت بها أخلاق سامية، وصدرت عنها إرادات علِيَّةٌ عالية، وحركة جهادية ساعية، كانت ترجمانَ القرآن: ابتدارا لأمره ونهيه، وتعبيرا عن قِيَمِهِ ومعانيه وتفسيرا لتشريعاته وأحكامه، كيف لا والعملية كانت تجري تحت رعاية من كان قرآنا يمشي على رجليه، صلوات ربّي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه؟ !

فكيف نسعى كي لا نكون ممن قال فيهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم: “رُبَّ قارئ للقرآن والقرآن يلعنه”؟ وكيف نتلوه تلاوة الأبرار، ونتلقاه بنيّة الائتمار والابتدار؟

سنة الله تعالى في دينه أن يكون الأصل الإيماني بسبب صحبة منوّرة، في رفقة مُنيبة ذاكرة مجاهدة، هذا هو الأصل، الأصل تعلُّم الإيمان قبل القرآن، كما قال سيّدنا عبد الله بن عمر: “كنَّا معَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ونحنُ فتيانٌ حزاوِرَةٌ فتعلَّمنا الإيمانَ قبلَ أن نتعلَّمَ القرآنَ ثمَّ تعلَّمنا القرآنَ فازددنا بِه إيمانًا”. هذا هو الأصل، وإلا نثرناه نثْرَ الدَّقل، أو قرأناه لا يُجاوزُ حناجرنا، عافانا الله.

فإذا ثبت الأصل، ولا يثبت إلا بساقية الذكر، وشرط الصدق، فقد تنزّل القرآن على قلب امتلك شروط التربية والاستعداد للتلقي القرآني، فيزداد خشوعا بتلاوته، وتلين الجلود والجوارح لطاعة أوامره واجتناب نواهيه، وإلا كان لقلقة في اللسان، أو تنغُّما بالألحان، قد يشيع بعض الاطمئنان، دون أن يلامس عمق الروح، أو يستنهض الهمّة ويحرّك الجِنان.

ولذلك أيضا، قد يتسابق الحكام مع الدعاة على خدمة القرآن، والتشجيع على حفظه والمنافسة في تجويد تلاوته، وتوزيع آلاف النسخ وإكرام الخطّاطين والتفنن في الطباعة والدعاية، وأعظم بها من خدمة، يجازي الله تعالى عليها حسب صفاء النية وسلامة الطوية وسموِّ القصد.

ومع هذا، كن متأكدا، أنك قلّما تجد من يريد أن يجتمع القرآن في صدور التَّالين الحافظين، فهما وإيمانا وإرادة ولوعة على الإسلام، وحركة قائمة بالحق، مستجيبة لنداءِ مُنَزِّلِ القرآن سبحانه وتعالى، الآمر بالعدل والإحسان.

قلّما، بل تكاد تعدم، خاصة من الحكام الظلمة، من لا يتوجّس خيفة من أن تَشِيعَ وتُشِعَّ روح القرآن، وتشرقَ شمسُه في الصدور إيمانا ويقينا، يرفع الهمة ويحرك الإرادة ويرشد الخطى في حركة ساعية، قد تمثّلت القرآن تربية وعلما وأخلاقا ونظام حياة. هذه العملية القرآنية المتكاملة، والنورانية الشاملة، هي الكفيلة بفضح التحالف الشيطاني المستعلي، والقادرة على تعرية زيف الادعاء، وإزهاق تعاويذ الظلام، وهي هي، ما يخشاه الحكام ومن وراءهم من سدنة الفرعونية وحماتها في بلاد المسلمين، لأنها هي ما يهدّد أنظمة الجور حقّا.

نعم، يحفظ الله تعالى كتابَه وعدًا منه سبحانه بألطف السبل، “إن ربَّك لطيف لما يشاء”، ويحفظه أيضا، بذلك “التمسّح الثعلبي” لبعضهم به وبخدمته، من يخدمون القرآن في العلن، ويمزّقونه في قواعد الحكم، وأحكام الشرع، ومخفيات القرارات.

لقد كان الحجاج ابن يوسف الثقفي ضارب الأعناق، حاملا لكتاب الله، لكنّ القرآن لا ينفع الظالمين ذوي القلوب القاسية التي لم يطرقها طارق الإيمان والخشية: “وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا”.

إن الإقبال على كتاب الله عنوان الفلاح وسبيل كل خير، إن كان مع القرآن، قبله، ومعه، وبعده، التياعٌ إيمانيٌّ محفّزٌ على ابتغاء الله وما عنده، واقترن القرآن بالتقوى، وكان تتويجا لإقبالٍ صادِقٍ على الله تعالى، وتزكيةً لمريدِ وجه الله تعالى، ونورًا لمقبلٍ على جهاد.

أما إن استحلى قارئ صوتَه، واكتفى بالترنّم والتنسُّم عن الاستجابة، فذلك قصور وحرمان، وأما الذين يجعلون القرآن عِضين، فينتقون منه حسب أهوائهم، أو يؤمنون ببعضه ويكفرون ببعض، أو يشترون به ثمنا قليلا، عندما يلوون أعناق آيِه لتبريرِ ظلمٍ، أو تغطيةِ هوًى، فتلك الرزيّة العظمى، عافانا الله وإياكم.
القرآن كلام الله تعالى، كلُّه نور، وعلى قدر تصفية القلب، يزداد تعطّشُه لنور الله، وعلى قدر صقل القلب بذكر لا إله إلا الله والاستغفار والصلاة على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والتزام صحبة أهل الله في سرب الصادقين المقبلين على الله تعالى، تظهر ثمارُهُ، ويعالِجُ ترياقه ما يعتري النفسَ من عِلَلٍ وأعطاب: “القرآن يربّي الإرادة”.

وآنئذ، يخرج قارئ القرآن من غثائيته، ويتخلّص حافِظُهُ من استعلاء أنانيته، ويُعْرِضُ القائِمُ به عن تكَلُّسِ عادته، وحينئذ ينتفع به وينفع، إذ يكون لَبِنَةَ حقٍّ ومصباح رُشدٍ ومنارة عزٍّ.

اللهمّ أعِزّنَا بالقرآن الكريم، واجعلنا من الذين يقرأونَهُ فيرقون ولا يشقون. آمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.