منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دراسة نقدية لقراءة الحداثيين لعلوم القرآن.

د. رشيد عموري

0

شبهات الحداثيين حول علوم القرآن كثيرة، وسأقتصر على تسع منها تجنبا للإطالة، أما المنهجية المتبعة فهي إيراد العنوان والتأصيل له من تراثنا الإسلامي، ثم إرداف ذلك بشبهة الحداثيين ثم نقدها وبيان ضعفها وزيفها.

1- أصل القرآن:

1-1: هل القرآن لفظا ومعنى من الله (انظر الفيديو).

في محاولة لنزع القدسية والحفظ عن القرآن الكريم قام مجموعة من الحداثيين بنبش التراث الاسلامي وإعادة قراءته بقراءة تخدم الغاية التي يريدونها فكان اعتمادهم في هذه المسألة على نص للإمام السيوطي في الإتقان حيث يقول فيه: “وَقَالَ غَيْرُهُ: فِي الْمُنَزَّلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى وَأَنَّ جِبْرِيلَ حَفِظَ الْقُرْآنَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَنَزَلَ بِهِ….

المزيد من المشاركات
1 من 41

وَالثَّانِي: أَنَّ جِبْرِيلَ إِنَّمَا نَزَلَ بِالْمَعَانِي خَاصَّةً وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ تِلْكَ الْمَعَانِي وَعَبَّرَ عَنْهَا بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَتَمَسَّكَ قَائِلُ هَذَا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ﴾.

وَالثَّالِثُ: أَنَّ جِبْرِيلَ أَلْقَى إِلَيْهِ الْمَعْنَى وَأَنَّهُ عَبَّرَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَأَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ يقرؤونه بِالْعَرَبِيَّةِ ثُمَّ إِنَّهُ نَزَلَ بِهِ كَذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ”[1].

الذي عليه الجمهور منذ نزول القرآن أن القرآن نزل لفظا ومعنى من الله تعالى وأنه معجز بلفظه ومعناه، وَيُؤَيِّدُ هذا أَنَّ جِبْرِيلَ تَلَقَّفَهُ سَمَاعًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ مَرْفُوعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْمُرَ بِأَمْرٍ تَكَلَّمَ بِهِ، فَإِذَا تَكَلَّمَ بِهِ أَخَذْتِ السَّمَاءَ رَجْفَةٌ أَوْ قَالَ رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ، فَإِذَا سَمِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ السَّمَاءِ صُعِقُوا فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ، فَيَمُرُّ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، فَكُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَتْهُ مَلَائِكَتُهَا مَاذَا قَالَ رَبُّنَا؟ قَالَ: قَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَالَ رَبُّكُمُ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ كَمَا قَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِالْوَحْي حَيْثُ أُمِرَ منْ سَمَاءٍ وَأَرْضٍ “[2].

وَأَخْرَجَ أبو داود وغيره مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا تَكَلَّمَ الله بالوحي سَمعَ أهلُ السماء للسّماء صَلْصَلةَ كجَرِّ السِّلَسلَة على الصَّفا، فيُصعَقون، فلا يَزالونَ كذلك حتى يأتيهُم جبريلُ عليه السلام، حتى إذا جاءَهم جبريلُ فزِّعَ عن قلوبهم، قال: فيقولون: يا جبريلُ، ماذا قال ربُّكَ؟ فيقول: الحقَّ، فيقولون: الحقَّ، الحقَّ[3]، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ[4].

يبين عبد المجيد الشرفي أحد المفكرين الحداثيين أن القرآن الكريم خطاب سمعه النبي صلى الله عليه وسلم وأداه في لغة بشرية، أو هو كلام الله وكلامه هو صلى الله عليه وسلم في الآن نفسه. يقول موضحا: “هو كلام الله من حيث مصدره، وكلام البشر من حيث انتماؤه إلى لغة بعينها وصياغته في ألفاظ وتراكيب يقتضيها معجم تلك اللغة ونحوها، وفي أطر فكرية مستمدة من ثقافة المتكلم الشخصية ومن الثقافة المتاحة في الوسط الذي يعيش فيه”[5]. إن الوحي، وفق هذه النظرة، يتشكل إذن بحسب المعرفة التي توفرت للرسول صلى الله عليه وسلم، وهي معرفة محدودة بحدود المعرفة البشرية في ذاك الزمان. وهذا باب واسع يؤدي إلى القول بتاريخية القرآن الكريم. وموضوع التاريخية سنعود إليه في فقرة أخرى لذا يقرر الشرفي أن “ابتعاد المسلمين اليوم عن القول الساذج بأن القرآن كلام الله فقط، والإقرار ببعده البشري الدنيوي التاريخي، إذن النسبي، سيؤدي لا إلى تقويض الإيمان بهذا النص، بل إلى تأويل جديد له، يميز بين قيمته النسبية، من ناحية، وقيمته المطلقة، أو الفائقة للظروف المباشرة، من ناحية ثانية”[6]. ومن شأن هذا التأويل أن “يثبت” تاريخية القرآن الكريم.

إن قراءة متأنية لما أورده الشرفي يتبين أنه لا دليل له على ما طرح إلا قول الإمام السيوطي في الإتقان والذي أورد في مسألة أصل القرآن قول الجمهور وأورده بأدلته وأورد معه قولا قيل في زمانه ولضعفه لم ينسبه حتى، وعبر عنه بقوله: “وقال غيره” ويقصد بالغير العالم أبي شامة المقدسي.

وبناء على هذا الرأي الضعيف الذي أورده السيوطي فإذا كان الرسول أوحي إليه القرآن وعبر عنه بلغته هو أي فقد راعى الظروف المحيطة به وهذا هو وجه التاريخية.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 9

1-2: هل القرآن كلام الله (انظر الفيديو).

ذكر علماؤنا كيفية الوحي وهي خمسة: نزول الملَك جبريل على صورة رجل، النفث في الروع، نزول الوحي كصلصلة الجرس، نزول الوحي في حالة نوم النبي صلى الله عليه وسلم، تكليم الله للنبي مباشرة. ويهمنا من هذه الأنواع نزول الوحي كصلصلة الجرس وهي الحالة التي اتخذها الحداثيون ومن قبلهم المستشرقون مطية للطعن في القرآن الكريم.

فما معنى صلصلة الجرس؟ يقول الْخَطَّابِيُّ: “وَالْمُرَادُ أَنَّهُ صَوْتٌ مُتَدَارِكٌ يسمعه ولا يبين له أَوَّلَ مَا يَسْمَعُهُ حَتَّى يَفْهَمَهُ بَعْدُ. وَقِيلَ: هُوَ صَوْتُ خَفْقِ أَجْنِحَةِ الْمَلَكِ وَالْحِكْمَةُ فِي تَقَدُّمِهِ أَنْ يَفْرُغَ سَمْعُهُ لِلْوَحْيِ فَلَا يَبْقَى فِيهِ مَكَانًا لِغَيْرِهِ”[7].

نفد الحداثيون من هذه الحالة التي كانت تعتري النبي صلى الله عليه وسلم ليقولوا بأن النبي لا يكون في كامل وعيه ومن تم فإن تعبيره عن الوحي بعد زوال هذه الحالة يكون بما تذكره وبقي في خلده وبما يعرفه هو، فيختلط كل هذا، أي القرآن والكلام البشري المتمثل في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الرأي، ليس بالشيء الجديد، بل لا يكون الباحث مبالغا إذا قال إن هذا تقليد للمستشرقين، خاصة شيخهم تيودور نولدكه الذي توقف حول القرآن الكريم فيما يتعلق مصدره فقال: “إن الدين الذي قدر له أن يهز العالم انصهر في وجدان (محمد صلى الله عليه وسلم) من مواد مختلفة. ما أضافه هو إلى ذلك يقل أهمية عما أخذه عن الآخرين”[8].

وهذه المواد المختلفة هي ما كان سائدا من تعاليم ديانات بلاد العرب. ويعتبر تيودور نولدكه شيخ المستشرقين أن محمد – صلى الله عليه وسلم -كان مصابا بنوع من الجنون يشبه الصرع[9] وهو الرأي نفسه الذي ذهب إليه عبد المجيد الشرفي الذي صرح بأن اللاوعي هو مصدر الوحي، فيقول: ” الوحي إذا هو مصدر علم النبي: أم تلك الحالة الاستثنائية التي يغيب فيها الوعي، وتتعطل المتلكات المكتسبة، ليبرز المخزون المدفون في أعماق اللاوعي بقوة خارقة لا يقدر النيب على دفعها ُّ ولا تتحكم فيها ارادته وليبرز على نحو متميز ذلك التمثل المخصوص لما تمليه عليه الإرادة الإلهية واللامتناهي واللاورائي مما لا يمكن للإنسان العادي بلوغه بوسائله العقلية المحدودة”[10]

هذه الحالة – مثل صلصلة الجرس- التي لم يفهمها المستشرقون والحداثيون من بعدهم جعلتهم يقدمون تصورات غريبة مثل الصرع الجنون اختلاط البشري مع الالهي وهي كلها تصورات لا دليل عليها وإن أبسط قراءة متأنية للقرآن الكريم ليؤكد بجلاء بطلان ما ذهبوا إليه، فالله تعالى تعهد بحفظ القرآن الكريم فقال:﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[11] وتوعد النبي صلى الله عليه وسلم بهلاك إن هو زاد أو نقص في القرآن الكريم وما كان له صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك وإنما الغرض من الآية أن يبين سبحانه مصدر القرآن الكريم وهو الله تعالى وحده. فقال سبحانه: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾[12].

2- النسخ في القرآن الكريم (انظر الفيديو).

2-1: أنواع النسخ.

النسخ هو تبديل حكم بحكم لعلة من الله اقتضت ذلك، ومنها: التدرج والتيسير على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾[13]

الذي يهمنا في هذه الدراسة في موضوع النسخ هو أقسامه في القرآن الكريم. قال الإمام السيوطي: “النَّسْخُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:

أَحَدُهَا: مَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ وَحُكْمُهُ مَعًا قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ ” عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ “، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِي قَوْلِهَا….

الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا نُسِخَ حُكْمُهُ دُونَ تِلَاوَتِهِ وَهَذَا الضَّرْبُ هُوَ الَّذِي فِيهِ الْكُتُبُ الْمُؤَلَّفَةُ وَهُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ قَلِيلٌ جِدًّا وَإِنْ أَكْثَرَ النَّاسُ مِنْ تِعْدَادِ الْآيَاتِ فِيهِ فَإِنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ بَيَّنَ ذَلِكَ وَأَتْقَنَهُ فَهَذِهِ إِحْدَى وَعِشْرُونَ آيَةً مَنْسُوخَةً عَلَى خِلَافٍ فِي بَعْضِهَا لَا يَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ فِي غَيْرِهَا فَإِنْ قُلْتَ مَا الْحِكْمَةُ فِي رَفْعِ الْحُكْمِ وَبَقَاءِ التِّلَاوَةِ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقُرْآنَ كَمَا يُتْلَى لِيُعْرَفَ الْحُكْمُ مِنْهُ وَالْعَمَلُ بِهِ فَيُتْلَى لِكَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ فَيُثَابُ عَلَيْهِ فَتُرِكَتِ التِّلَاوَةُ لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ النَّسْخَ غَالِبًا يَكُونُ لِلتَّخْفِيفِ فَأُبْقِيَتِ التِّلَاوَةُ تَذْكِيرًا لِلنِّعْمَةِ ورفع المشقة…..

الضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ دُونَ حُكْمِهِ وَقَدْ أَوْرَدَ بَعْضُهُمْ فِيهِ سُؤَالًا وَهُوَ مَا الْحِكْمَةُ فِي رَفْعِ التِّلَاوَةِ مَعَ بَقَاءِ الْحُكْمِ وَهَلَّا بَقِيَتِ التِّلَاوَةُ لِيَجْتَمِعَ الْعَمَلُ بِحُكْمِهَا وَثَوَابِ تِلَاوَتِهَا”[14].

في الضرب الثاني أورد علماؤنا مجموعة من الروايات وهي أخبار آحاد منها الصحيح ومنها الضعيف ومنها الشديد الضعف وهي تتحدث عن مجموعة من الآيات أو السور المنسوخة، ويلاحظ عدم تمحيص الروايات ونقدها والتعليق عليها، وكأن العبرة تكمن في إيرادها فقط وليس فيما تدل عليه من معان. وهنا تدعو الضرورة إلى تمحيص الروايات المتعلقة بالقرآن الكريم جمعا ونزولا، ولا يكفي أن يكون سندها صحيحا للحكم عليها، بل يجب النظر إليها في إطار الرؤية القرآنية الكلية.

وبناء على وجود هذه الروايات في كتاب الإتقان وغيره أورد المفكر الجابري مجموعة من الروايات تفيد أنه وقع اضطراب في جمع القرآن الكريم. وهذه الروايات أوردها تحت عنوان: “قرآن كريم ذهب: رُفع أو أو نسخ أو أنسي”[15] صدرها بقوله: وذكر السيوطي في باب الناسخ والمنسوخ ما يلي[16].

بعد هذا يستنتج الجابري قائلا في آخر الفصل: “وخلاصة الأمر أنه ليس ثمة أدلة قاطعة على حدوث زيادة أو نقصان في القرآن كما هو في المصحف الذي بين أيدي الناس، منذ جمعه زمن عثمان. أما قبل ذلك فالقرآن كان مفرقا في “صحف” وفي صدور الصحابة… ومن الجائز أن تحدث أخطاء حين جمعه، زمن عثمان أو قبل ذلك، فالذين تولوا هذه المهمة لم يكونوا معصومين، وقد وقع تدارك بعض النقص كما ذكر في مصادرنا”[17].

إن هذا الكلام هو نفسه كلام نولدكه حينما كتب عن ما ضاع من القرآن الكريم فقال: “ولم يكن اللاحقون الذين تولوا مهمة جمع تركته أقل منه (أي النبي صلى الله عليه وسلم) عرضة للخطأ”[18]. أما الأمثلة التي وردت هنا فقد أوردها نولدكه نفسه، ولم يقم الجابري هنا سوى باختصارها، مع ملاحظة أنه لم يحافظ على منهج نولدكه فجاء متنه بمثل هذا الاضطراب. وهنا يتبين للقارئ مرة أخرى آفة التقليد الحداثي والنزوع إلى كل ما هو غربي ويتأكد له حجم الاستفادة من جهود المستشرقين، بل تقليدهم فيما يقولون بغير علم ودراية أحيانا.

أما فيما يخص الضرب الأول: وهو نسخ الرضعات العشر بخمس والذي قالت فيه عائشة رضي الله عنها أن رسول الله توفي وهن مما يقرأ من القرآن؛ فقد أجاب علماءنا عن هذا الضرب من النسخ وَهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ ” فَإِنَّ ظَاهِرَهُ بَقَاءُ التِّلَاوَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ: قَارَبَ الْوَفَاةَ أَوْ أَنَّ التِّلَاوَةَ نُسِخَتْ أَيْضًا وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ كُلَّ النَّاسِ إِلَّا بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتُوُفِّيَ وَبَعْضُ النَّاسِ يَقْرَؤُهَا. وهذا النوع من النسخ استغربه كثير من العلماء حتى قال مكي: “هَذَا الْمِثَالُ فِيهِ الْمَنْسُوخُ غَيْرُ مَتْلُوٍّ وَالنَّاسِخُ أَيْضًا غَيْرُ مَتْلُوٍّ وَلَا أَعْلَمُ لَهُ نَظِيرًا “[19]. وتلقف الحداثيون هذا النص وفهموا منه إمكانية النسخ بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن تم يمكننا نحن أيضا أن نقوم بالنسخ متى ما ظهرت الحاجة الى ذلك.

يقول حامد نصر أبو زيد: “ما دام النسخ ممكنا بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) فإن ذلك يفتح الباب واسعا أمام الشك في مصداقية النص لا من الوجهة الدينية فحسب بل من الوجهة الثقافية أيضا”[20].

ويقصد نصر حامد أبو زيد بهذا الكلام إمكانية تجاوز الأحكام والآيات تحت ذريعة النسخ. وهذا جوهر ما يقصد بالتاريخية. وتبريره لذلك أنه ما دامت هناك أحكام وآيات تغيرت أو نسحت بعد وفاة النبي صلى اله عليه وسلم فإن ذلك لا يمنع أن تتغير أحكام وتنسخ آيات بحجة الواقع لم يعد ملائما لها.

في رسالة طريفة بين العلامة عبد الله بن الصديق رحمه الله حقيقة ما يعنيه القول بالنوعين الأول والثالث من النسخ، ودحض ذلك بمجموعة من الأدلة كانت الآتي[21]:

1- أنه يستلزم البداء، وهو ظهور المصلحة في حذف الآية بعد حفائها وهو في حق الله محال. وما أبدوه من حكمة في جوازه مجرد تمحل وتكلف لا يدفع المحال.

2- أن تغيير اللفظ بغيره أو حذفه بجملته إنما يناسب البشر لنقصان علمه وعدم إحاطته، ولا يليق بالله الذي يعلم السر وأخفى، فإنا نرى الكاتب البليغ والخطيب المفوه ينشئ موضوعا يتأنق فيه ثم يعيد نظره عليه، فيجد أن بعض كلماته وجمله يجب أن يحذف، وبعضها يجب أن يغير بما هو أفصح منه أو أوفق أو أليق.

3- أن ما قيل: أنه كان قرآنا ونسخ لفظه لا نجد فيه أسلوب القرآن ولا طلاوته ولا جرس لفظه.

4- إن منه ما يخالف أسلوب القرآن، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (النور: 2) قال العلماء: “قدمت الزانية في الذكر للإشارة إلى أن الزنا منها أشد قبحا، ولأن الزنا في النساء كان فاشيا عند العرب”، لكن إذا قرأت: “الشيخ والشيخة إذا زنيا… ” وجدت الزاني مقدما في الذكر على خلاف الآية، وهذا يقتضي أن تقديم أحدهما كان مصادفة لا لحكمة، وهذا لا يجوز لأن من المقرر المعلوم أن ألفاظ القرآن الكريم موضوعة وضعا حكيما، بحيث لو قدم أحدهما عن موضعه أو أخر اختل نظام الآية.

5- أنه ورد في سبب نسخ هذه الجملة من القرآن أخبار منكرة. وقد أورد هنا مجموعة من الأمثلة.

6- أن تلك الجمل التي كانت في القرآن فيما قيل جاءت متقطعة لا رابط يربطها بآيات القرآن الكريم، ولم يقولوا لنا أين كان موضعها في المصحف الشريف؟

7- إذا قرأت خواتيم سورة البقرة وخواتيم سورة آل عمران وما فيها من دعاء وتوجه إلى الله بأسلوب في نهاية البلاغة، ووازنته بما قيل إنها كانت سورة الحفد، وجدت الفرق بينهما بعيدا جدا هو الفرق بين كلام الله وكلام البشر، لأن قنوت الحفد من إنشاء عمر رضي الله عنه.

8- تقرر في علم الأصول: أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وما لم يتواتر لا يكون قرآناً، والكلمات التي قيل بقرآنيتها ليست بمتواترة، فهي شاذة، والشاذ ليس بقرآن، ولا تجوز تلاوته.

9- أن السنة النبوية وقع فيها نسخ المعنى، أي الحكم كما وقع في القرآن الكريم، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه رجع عن لفظ من ألفاظ حديثه، أو بدله بغيره، أو قال للصحابة عن حديث لا تحفظوه فقد نسخت لفظه، أو رجعت عنه فلا تبلغوه عني، لم يثبت هذا عنه أصلا، بل يصح عنه من طرق بلغت حد الاستفاضة والشهرة أنه قال: “نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا وَبَلَّغَهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ”.

وإذا كان الأمر كذلك فكيف يجوز أن ينسب إلى الله تعالى رجوعه عن لفظ آية، أو نسخ تلاوة؟

لكن، ما الذي يترتب عن القول بنسخ التلاوة؟

يجيب الشيخ عبد الله بن الصديق قائلا: (يلزم القائلين بنسخ التلاوة إشكال خطير… معنى نسخ التلاوة عند القائلين به أن الله أسقط الآية المنسوخة من القرآن، وهذا خطير جداً؛ لأن كلام الله قديم، وكيف يعقل أن يغير الله كلامه القديم، بحذف آية منه؟!! وما القول في هذه الآيات المنسوخة؟ هل يقال: كانت من كلام الله والآن ليست منه؟ وكيف يجوز هذا والله تعالى يقول: “لا تبديل لكلمات الله”؟ إشكال لا سبيل إلى حله”[22].

2-2: نسخ التلاوة عند علماء الشريعة وعند الحداثيين.

والسؤال هو: هل ضاع شيء من القرآن؟ (انظر الفيديو)

جمع القرآن في زمن عثمان رضي الله عنه، وقد أورد علماؤنا أحاديث بينت آيات منسوخة لم تدون في المصحف العثماني لأنها رفعت تلاوتها، لكن الحداثيين والمستشرقين يوردونها ليوهموا الناس ان القرآن ضاع منه الشيء الكثير، ويوردون مجموعة من النصوص التي قالها الصحابة وهم يتحدثون عن المنسوخ من القرآن، من ذلك[23]:

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: قَدْ أَخَذْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَمَا يُدْرِيهِ مَا كُلُّهُ قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ قُرْآنٌ كَثِيرٌ وَلَكِنْ لِيَقُلْ قَدْ أَخَذْتُ مِنْهُ مَا ظَهَرَ.

وَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَتْ سُورَةُ الْأَحْزَابِ تُقْرَأُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَتَيْ آيَةٍ فَلَمَّا كَتَبَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ لَمْ يُقَدَّرْ مِنْهَا إِلَّا عَلَى مَا هُوَ الْآنَ.

وَقَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عن زز بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قَالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ كَأَيٍّ تَعُدُّ سُورَةَ الْأَحْزَابِ قُلْتُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ آيَةً أَوْ ثَلَاثَةً وَسَبْعِينَ آيَةً قَالَ إِنْ كَانَتْ لَتَعْدِلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَإِنْ كُنَّا لَنَقْرَأُ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ قُلْتُ وَمَا آيَةُ الرجم قال: ” إذا زنا الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.”

ولاضطراب هذه الروايات وضعفها فقد حَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي الِانْتِصَارِ عَنْ قَوْمٍ: إِنكَارَ هَذَا الضَّرْبِ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ فِيهِ أَخْبَارُ آحَادٍ وَلَا يَجُوزُ الْقَطْعُ عَلَى إِنْزَالِ قُرْآنٍ ونسخه بأخار آحَادٍ لَا حُجَّةَ فِيهَا[24].

وأجيب بأن القرآن لم يذهب منه شيء لسبب واحد أنه محفوظ من الله تعالى بنص القرآن.

في كتب الحديث يورد الحداثيون حديث عائشة رضي الله عنها، فعن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها”[25].

وهذا حديث لا يصح، تفرد به محمد بن إسحاق صاحب المغازي، وفي متنه نكارة، وعلى فرض صحته هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختص عائشة رضي الله عنها بالقرآن دون الصحابة، ولم يذكر الآية إلا لها فضاعت منها. إن رسول الله أمين وتلقى القرآن من الأمين وكلما نزل عليه شيء من القرآن نادى كتبة الوحي وقال اكتبوا آية كذل في مكان كذا إضافة إلى إقرائه ما نزل عليه على الصحابة فيحف ذلك الناس وتاتي الكتابة لتعزز حفظهم.

3: القراءات القرآنية.

3-1:الاحرف السبعة وعلاقتها بالقراءات القرآنية( انظر الفيديو)

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسر”[26].

اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى نَحْوِ أَرْبَعِينَ قَوْلًا، والراجح منها قولان:

الأول: أَنَّ الْمُرَادَ سَبْعَةُ أَوْجُهٍ مِنَ الْمَعَانِي الْمُتَّفِقَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ نَحْوَ أَقْبِلْ وَتَعَالَ وَهَلُمَّ وَعَجِّلْ وَأَسْرِعْ وَنَسَبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَيَدُلُّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ” أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ قَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ… حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، قَالَ: كُلُّ شَافٍ كَافٍ ما لم تختم آيَةُ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ أَوْ رَحْمَةٌ بِعَذَابٍ نَحْوُ قَوْلِكَ: تَعَالَ وَأَقْبِلْ وَهَلُمَّ وَاذْهَبْ وَأَسْرِعْ وَعَجِّلْ “. هَذَا اللَّفْظُ رِوَايَةُ أَحْمَدَ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا ضَرْبَ الْمَثَلِ لِلْحُرُوفِ الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَيْهَا أَنَّهَا مَعَانٍ مُتَّفِقٌ مَفْهُومُهَا مُخْتَلِفٌ مَسْمُوعُهَا.

الثانيُ: أَنَّ الْمُرَادَ سَبْعُ لُغَاتٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تُقْرَأُ عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ بَلِ اللُّغَاتُ السَّبْعُ مُفَرَّقَةٌ فِيهِ فَبَعْضُهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ وَبَعْضُهُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ وَبَعْضُهُ بِلُغَةِ هَوَازِنَ وَبَعْضُهُ بِلُغَةِ الْيَمَنِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ وَبَعْضُ اللغات أسعد بها مِنْ بَعْضٍ وَأَكْثَرُ نَصِيبًا[27].

والراجح عند علمائنا أن نزول القرآن على سبعة أحرف هو السبب في وجود القراءات القرآنية المتواترة والشاذة.

3-2: الاحرف السبعة وشبهات الحداثيين.(انظر الفيديو)

ما الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف؟

قَالَ الطَّحَّاوِيُّ: وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ رُخْصَةً لِمَا كَانَ يَتَعَسَّرُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمُ التِّلَاوَةُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالْكِتَابَةِ وَالضَّبْطِ وَإِتْقَانِ الْحِفْظِ ثُمَّ نُسِخَ بِزَوَالِ الْعُذْرِ وَتَيَسُّرِ الْكِتَابَةِ وَالْحِفْظِ[28].

قال ابن قتيبة: ” فكان من تيسيره أن أمره بأن يُقرئ كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم، فالهذلي يقرأ ﴿ عتى حين ﴾ يريد ﴿ حتى حين ﴾، لأنه هكذا يلفظ بها ويستعملها، والأسدي يقرأ: تِعلمون ويِعلم و ﴿ تِسودُّ وُجوه ﴾ و ﴿ ألم اِعهد إليكم﴾، والتميمي يهمز والقرشي لا يهمز، والآخر يقرأ ﴿وإذا قل لهم﴾ و﴿ وغيض الماء ﴾ بإشمام الضم مع الكسر و﴿ هذه بضاعتنا ردت إلينا﴾ بإشمام الكسر مع الضم و ﴿ مالك لا تامنا ﴾ بإشمام الضم مع الإدغام، وهذا ما لا يطوع به كل لسان. فلو أن كل فريق من هؤلاء أجبر أن يزول عن لغته، وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئا وكهلا لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتدليل للسان، وقطع للعادة “[29]

وأكد ابن الجزري هذا الأمر في النشر فقال: ” فَلَوْ كُلِّفُوا الْعُدُولَ عَنْ لُغَتِهِم وَالِانْتِقَالَ عَـنْ ألسِنَتِهِمْ لَكَانَ مِنَ التكْلِيفِ بِمَا لَا يُسْتَطَاعُ “[30]

أما الحداثيون ومن قبلهم المستشرقون من أمثال تيودور نولدكه في كتابه تاريخ القرآن فقد تناول القراءات القرآنية في مئة صفحة ويرى ان هناك تحولا من النقل الشفوي الى المكتوب ويوضح ذلك بان النسخ التي أرسلها عثمان تأثرت بطريقة النطق في هذه المدن ودخلت فيها بعض أخطاء النسخ ثم يخرج بخلاصة ان كمية كبيرة من القراءات خرجت من النسخ وتكونت خلال نصف قرن، وهو بهذا يرى أن الطريقة التي كتب بها المصحف هي التي أخرجت هذه القراءات القرآنية مع أن العكس هو الصحيح القراءات كانت موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكتب المصحف العثماني ليستوعب القراءات المتواترة كلها. ويرى ان ابن مجاهد هو من أوقف هذا التطور.

أما المستشرق جولدتسيهر في كتابه مذاهب التفسير الاسلامي فقد تناول القراءات القرآنية في سبعين صفحة، وعنده أن القراءات ما هي الا وجه من وجوه تفسير القرآن الكريم، وينفي أن يكون هناك نص موحد للقرآن الكريم وأول الرغبات في التوحيد كانت في جمع عثمان للقرآن، وهذه الرغبة لم يحالفها توفيق كبير. ويرى أن اختلاف القراءات يرجع الى خصوصية الخط العربي. وأنه كانت هناك حرية القراءة وما نتج عنها من إمكانية قراءة القران بالمعنى، وهذا الأمر نجده عند مستشرقين آخرين مثل الفرنسي ريجيس بلاشير الذي يقول بأن بعض المؤمنين لم ينغلقوا على نص القرآن بحرفه بل رأوا أن المهم إنما هو روحه.

4- هل يوجد اختلاف في كتاب الله عزوجل.(نظر الفيديو)

الْمُرَادُ بالاختلاف في كتاب الله عز وجل مَا يُوهِمُ التَّعَارُضَ بَيْنَ الْآيَاتِ، وَكَلَامُهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾، وهذا نص لابن عباس في هذا الأمر.

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عَنْ رَجُلٍ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: رَأَيْتُ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا هُوَ؟ أَشَكٌّ قَالَ: لَيْسَ بِشَكٍّ وَلَكِنَّهُ اخْتِلَافٌ، قَالَ: هَاتِ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾

وَقَالَ: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ فَقَدْ كَتَمُوا وَأَسْمَعُهُ يَقُولُ ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ وقال: ﴿لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ حتى بلغ ﴿طَائِعِينَ﴾ ثُمَّ قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ وأسمعه يقول: ﴿كَانَ اللَّهُ﴾ ما شأنه يقول: ﴿كَانَ اللَّهُ﴾

فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَّ اللَّهَ يغفر الذُّنُوبَ وَلَا يَغْفِرُ شِرْكًا، وَلَا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ أَنْ يَغْفِرَهُ، جَحَدَهُ الْمُشْرِكُونَ رَجَاءَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ فَقَالُوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا” وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ فَإِنَّهُ إِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ في السموات وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فَإِنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ وَكَانَتِ السَّمَاءُ دُخَانًا فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سموات فِي يَوْمَيْنِ بَعْدَ خَلْقِ الْأَرْضِ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾، يَقُولُ: جَعَلَ فِيهَا جَبَلًا، وَجَعَلَ فِيهَا نَهْرًا وَجَعَلَ فِيهَا شَجَرًا، وَجَعَلَ فِيهَا بُحُورًا

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿كَانَ اللَّهُ﴾ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ عَلِيمٌ قَدِيرٌ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ

فَمَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ مِنَ الْقُرْآنِ فَهُوَ يُشْبِهُ مَا ذَكَرْتُ لَكَ وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ أَصَابَ الَّذِي أَرَادَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.

وقد ذكر الزَّرْكَشِيُّ فِي الْبُرْهَانِ أن لِلِاخْتِلَافِ أَسْبَابٌ كثيرة[31]. أقتصر منها على مثال واحد.

أَحَدُهَا: وُقُوعُ الْمُخْبَرِ بِهِ على أنواع مُخْتَلِفَةٍ وَتَطْوِيرَاتٍ شَتَّى كَقَوْلِهِ فِي خَلْقِ آدَمَ: ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ ومرة: ﴿مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ ومرة ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ ومرة ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ فَهَذِهِ أَلْفَاظٌ مُخْتَلِفَةٌ وَمَعَانِيهَا فِي أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ لِأَنَّ الصَّلْصَالَ غَيْرُ الحمإ والحمأ غير التراب إِلَّا أَنَّ مَرْجِعَهَا كُلَّهَا إِلَى جَوْهَرٍ وَهُوَ التُّرَابُ وَمِنَ التُّرَابِ تدرجت هَذِهِ الْأَحْوَالُ.

5- جمع القرآن.

5-1: الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان (انظر الفيديو)

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا لَمْ يجمع الْقُرْآنَ فِي الْمُصْحَفِ لِمَا كَانَ يَتَرَقَّبُهُ مِنْ وُرُودِ نَاسِخٍ لِبَعْضِ أَحْكَامِهِ أَوْ تِلَاوَتِهِ فَلَمَّا انْقَضَى نُزُولُهُ بِوَفَاتِهِ أَلْهَمَ اللَّهُ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ ذَلِكَ وَفَاءً بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ بِضَمَانِ حِفْظِهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ فَكَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ عَلَى يَدِ الصِّدِّيقِ بِمَشُورَةِ عُمَرَ[32].

رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخِطَّابِ عِنْدَهُ فقال أبوبكر: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبُ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ فَقُلْتُ: لِعُمَرَ كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال عمر: وهو وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنِ فَاجْمَعْهُ – فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ – قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ بِهِ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ وَوَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ غَيْرِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾. حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةٍ. فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ[33].

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: قَدِمَ عُمَرُ فَقَالَ: مَنْ كَانَ تَلَقَّى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ فَلْيَأْتِ بِهِ وَكَانُوا يَكْتُبُونَ ذَلِكَ فِي الصُّحُفِ وَالْأَلْوَاحِ وَالْعُسُبِ وَكَانَ لَا يَقْبَلُ مِنْ أحد شيئا حتى يشهد به شَهِيدَانِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ زَيْدًا كَانَ لا يكتفي لمجرد وِجْدَانِهِ مَكْتُوبًا حَتَّى يَشْهَدَ بِهِ مَنْ تَلَقَّاهُ سَمَاعًا مَعَ كَوْنِ زَيْدٍ كَانَ يَحْفَظُ فَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي الِاحْتِيَاطِ[34].

وَقَالَ السَّخَاوِيُّ فِي جَمَالِ الْقُرَّاءِ: الْمُرَادُ أَنَّهُمَا يَشْهِدَانِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَكْتُوبَ كتب بين يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوِ الْمُرَادَ أَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنِ الْوُجُوهِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ[35].

قَالَ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ: الْفَرْقُ بَيْنَ جَمْعِ أَبِي بَكْرٍ وَجَمْعِ عُثْمَانَ أَنَّ جَمْعَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ لِخَشْيَةِ أَنْ يَذْهَبَ مِنَ الْقُرْآنِ شيء بذهاب جملته لْأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَجْمُوعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَجَمَعَهُ فِي صَحَائِفَ مُرَتِّبًا لِآيَاتِ سُوَرِهِ عَلَى مَا وَقَّفَهُمْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَمْعُ عُثْمَانَ كَانَ لَمَّا كَثُرَ الَاخْتِلَافُ فِي وُجُوهِ القراءة حتى قرؤوه بِلُغَاتِهِمْ عَلَى اتِّسَاعِ اللُّغَاتِ فَأَدَّى ذَلِكَ بَعْضَهُمِ إِلَى تَخْطِئَةِ بَعْضٍ فَخَشِيَ مِنْ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَ تِلْكَ الصُّحُفَ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ مُرَتِّبًا لِسُوَرِهِ وَاقْتَصَرَ مِنْ سَائِرِ اللُّغَاتِ عَلَى لُغَةِ قُرَيْشٍ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ وإن كان قد وسع قِرَاءَتِهِ بِلُغَةِ غَيْرِهِمْ رَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ فَرَأَى أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ قَدِ انْتَهَتْ فَاقْتَصَرَ عَلَى لُغَةٍ وَاحِدَةٍ[36].

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي الَانْتِصَارِ: لَمْ يَقْصِدْ عُثْمَانُ قَصْدَ أَبِي بَكْرٍ فِي جَمْعِ نَفْسِ الْقُرْآنِ بَيْنَ لَوْحَيْنِ وَإِنَّمَا قَصَدَ جَمْعَهُمْ عَلَى الْقِرَاءَاتِ الثَّابِتَةِ الْمَعْرُوفَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلْغَاءَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَأَخْذِهِمْ بِمُصْحَفٍ

لَا تَقْدِيمَ فِيهِ وَلَا تَأْخِيرَ وَلَا تَأْوِيلَ أُثْبِتَ مَعَ تَنْزِيلٍ وَلَا مَنْسُوخٌ تِلَاوَتُهُ كُتِبَ مَعَ مُثْبَتٍ رَسْمُهُ وَمَفْرُوضٌ قِرَاءَتُهُ وَحِفْظُهُ خَشْيَةَ دُخُولِ الْفَسَادِ وَالشُّبْهَةِ عَلَى مَنْ يَأْتِي بَعْدُ[37].

بالنسبة للحداثيين فيرون بأن القرآن الذي بين أيدينا اليوم ليس هو القرآن الكامل الذي أنزل على رسولنا الكريم فهذا عبد المجيد الشرفي يرى أن لفظ “القرآن” لا يصح أن يطلق حقيقة إلا على الرسالة الشفوية التي بلغها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الجماعة التي عاصرته. أما ما جمع بعد وفاته في ترتيب مخصوص ودون “بين دفتين”، فمن المعروف أن الصحابة أنفسهم لم يكونوا في البداية متفقين حول مشروعية هذا الجمع الذي لم يقم به النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر به…

من هنا، فإن “النتيجة المنطقية التي تفرض نفسها… أن “الذكر” الذي وعد الله بحفظه هو المحتوى وليس الظرف، هو مضمون الدعوة بما انطوت عليه من تبشير وإنذار ومن توجيه وإرشاد، وليس الألفاظ والتعابير التي صيغت فيها تلك الدعوة والتي دونت في ظرف معين وتنتسب إلى قوم بأعيانهم ولها نحوها وصرفها وقواعدها ولا تختلف في هذا المستوى عن أي لغة أخرى”[38]. ويؤيد هذه النتيجة بقبول النبي صلى الله عليه وسلم للتلاوات المختلفة التي كان الصحابة يقرؤون بها بحجة سماعهم لها من النبي صلى الله عليه وسلم.

5-2: هل يخالف مصحف بن مسعود المصحف العثماني (انظر الفيديو).

أثارت قضية مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه جدلا كبيرا في القديم والحديث. وإذا كان هم الناس في القديم إثبات صحة القرآن الكريم ودرء الشبهات عنه، فإن اليوم تثار هذه القضية من قبل المستشرقين وقد سبق الوقوف عندها مع نولدكه، كما تثار أيضا من قبل بعض المسلمين من أجل إثارة الشبهات حول جمع القرآن الكريم والطعن في صحته. وتعتبر هذه القضية فعلا من القضايا المحيرة التي قد تزعزع إيمان كثيرين بالوحي. والسبب أن بعض الأخبار تحدثت عن مصحف عبد الله بن مسعود، منها:

– عن زر بن حبيش قال: لقيت أبي بن كعب رضي الله عنه فقلت له: “إن ابن مسعود رضي الله عنه كان يحك المعوذتين من المصاحف ويقول: إنهما ليستا من القرآن فلا تجعلوا فيه ما ليس منه”[39].

والجواب عند علمائنا المتقدمين أن ابن مسعود رضي الله عنه لم يحفظ ولم يعلم بهاتين السورتين، وغيره من سائر الصحابة رضي الله عنهم عَلمها وحَفظها فالحجة لهم عليه، ومن حفظ وعلم حجة على من لم يحفظ ولم يعلم. بل إن ابن مسعود رضي الله عنه لم يتابعه أحد ولو من تلامذته على رأيه هذا، فهذا النخعي قال: قلت للأسود بن يزيد (وكان من أعلم أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه) من القرآن هما (يقصد المعوذتين)؟ قال: نعم[40].

قال الباقلاني: “وأما المعوذتان، فكل من ادَّعى أن عبد الله بن مسعودٍ أنكر أن تكونا من القرآن، فقد جهل، وبعُد عن التحصيل”[41]. وقال ابن حزم: “وكل ما روي عن ابن مسعود من أن المعوذتين وأم القرآن لم تكن في مصحفه فكذبٌ موضوع، لا يصح، وإنَّما صحَّت عنه قراءة عاصمٍ عن زِرِّ ابن حبيش عن ابن مسعود، وفيها أم القرآن والمعوذتان”[42].

والذي تجدر الإشارة إليه أن “ترك كتابة ابن مسعودٍ المعوذتين في مصحفه ليس بالضرورة إنكارًا لقرآنيتهما، إذ ليس يجب على الإنسان أن يكتب جميع القرآن، فلو أنه كتب بعضًا وترك بعضًا، فليس عليه عيب ولا إثم”[43]. وقال البزار: “لم يتابع عبدَ الله أحدٌ من الصحابة”[44].

ويذهب الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني إلى أن ليس هناك شك في كون “إجماع الصحابة على قرآنيتهما كافيا في الرد على هذا الطعن، ولا يضر ذلك الإجماعَ مخالفةُ ابن مسعود، فإنه لا يُعقل تصويب رأي ابن مسعود وتخطئة الصحابة كلهم، بل الأمة كلها”[45].

من هنا نخلص إلى أن القرآن الذي أجمع عليه المسلمون لم يخل من إجماع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. ويبين هذا الروايات التي رويت بها القراءات السبع. قال ابن الجزري: “وإليه تنتهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي وخلف والأعمش”[46].


[1] – الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة: 1394هـ/ 1974 م.1/157-158.

[2] – أخرجه الطبراني، مسند الشاميين، مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ مُسْنَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرِ، رقم: 591.

[3] – سنن أبي داود، أول كتاب السنة، باب في القُرآن، رقم: 4738.

[4] – صحيح البخاري، كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾.

[5]– الإسلام بين الرسالة والتاريخ، عبد المجيد الشرفي، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثانية، 2008، ص 36.

[6]– الشرفي، الدين منتج للمعنى، حوار حسن بن عثمان، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العددان 41-42.

[7] – الإتقان في علوم القرآن، 160.

[8]– تاريخ القرآن، تيودور نولدكه، ترجمه للعربية: د. جورج تامر، بيروت، الطبعة الأولى، 2004م، ص 19. وينظر ص 6 و 18 أيضا.

[9] – تاريخ القرآن، ص: 23-24.

[10] – الإسلام بين الرسالة والتاريخ، عبد المجيد الشرفي، ص 40.

[11] – سورة الحجر، 9.

[12] – سورة الحاقة، 44-47.

[13] -سورة البقرة، 106.

[14] – الإتقان في علوم القرآن، 3/70-81.

[15] – ينظر مدخل إلى القرآن الكريم، الجابري، ص: 225-226.

[16]– نفس المرجع.

[17] – مدخل إلى القرآن الكريم، الجابري، ص 232.

[18]– تاريخ القرآن، نولدكه، ص 291.

[19] – الإتقان في علوم القرآن، 3/71.

[20]– مفهوم النص، نصر حامد أبو زيد، ص 128.

[21]– ذوق الحلاوة ببيان امتناع نسخ التلاوة، عبد الله بن الصديق، (جمعية آل البيت للتراث والعلوم الشرعية، فلسطين، 2007) ص 10 وما بعدها.

[22]– ذوق الحلاوة ببيان امتناع نسخ التلاوة الصفحة: 12.

[23] – ينظر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، 3/ 81-82.

[24] – الإتقان في علوم القرآن، 3/ 85.

[25] – رواه ابن ماجة، أَبْوَابُ النِّكَاحِ، بَابٌ لا رَضَاعَ بَعْدَ فِصَالٍ، رقم: 1944.

[26] – مسند أحمد، مسند العشرة المبشرين بالجنة، حديث/ عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنه، رقم: 296.

[27] – الإتقان في علوم القرآن، 1/ 164-171.

[28] – نفس المرجع، 1/ 168.

[29] – تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة، 32.

[30] – النشر في القراءات العشر، ابن الجزري، 1/22.

[31] – البرهان في علوم القرآن، الزركشي، 2/54-66.

[32] – الإتقان في علوم القرآن، 1/ 202.

[33] – صحيح البخاري، كِتَابُ فَضَائِلِ القُرْآنِ، بَابُ جَمْعِ القُرْآنِ، رقم: 4986.

[34] – الإتقان في علوم القرآن، 1/205.

[35] – جمال القراء وكمال الإقراء، السخاوي، 1/ 303.

[36] – الإتقان في علوم القرآن، 1/ 210.

[37] – نفس المرجع، 1/235.

[38] – الإسلام بين الرسالة والتاريخ، الشرفي، ص 50.

[39]– فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن حجر العسقلاني، (دار المعرفة، بيروت، 1379)، 8/742.

[40]– رواه ابن أبي شيبة في المصنف، تحقيق أبي أسامة بن إبراهيم بن محمد، (الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، ط1، 1429-2008)، كتاب فضائل القرآن، في المعوذتين.

[41]– نكت الانتصار لنقل القرآن، أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، تحقيق محمد زغلول سلام، (منشأة المعارف، الإسكندرية 1971)، ص 90.

[42] – المحلى، ابن حزم الظاهري، (دار الآفاق الجديدة، دار الجيل، بيروت، د.ت)، 1/13.

[43] – تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة، (دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1)، 2001، ص 49.

[44] – فتح الباري، ابن حجر، 8/742.

[45] – مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزرقاني، 1/276-277.

[46]– غاية النهاية في طبقات القراء، ابن الجزري، (دار الكتب العلمية، بيروت، ط3، 1402هـ)، 1/459.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.