منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تأملات قرآنية -التفسير المقاصدي-

تأملات قرآنية -التفسير المقاصدي- / د. عثمان كضوار

0

تأملات قرآنية- التفسير المقاصدي-

 د. عثمان كضوار

كثيرا ما تستوقفني آيات الذكر الحكيم متسائلا عن مراميها ومقاصدها، ذلك بأن ظاهر اللفظ لا يفي بالمعنى إلا بسبر أغوار دلالته، وفي ذلك تنبيه إلا أن فهم القرآن الكريم يتحصل بمدى تمكن القارئ والمفسر من علم الآلة، وهذا ما أشار إليه الشاطبي رحمه الله  في كتابه الماتع الموافقات عندما تحدث عن قصد الشارع، وبوب لذلك مبحثا بعنوان ” قصد الشارع من وضع الشريعة للإفهام” فالرجل وهو يتحدث بلغة القرن السابع الهجري يدرك خطورة – أهمية- اللغة التي يخاطب به المولى عزوجل المكلفين، فيبرز دورها في إدراك الدلالة اللغوية في خطاب الشارع، فاللسان العربي أساس البيان ومناط الاستيعاب لاستخراج أسرار القرآن الكريم، لذلك وضع الشاطبي شرطين في فهم آيات الله ” مقاصد الشريعة، واللغة العربية بجميع مكوناتها”.

ومن الآيات البينات التي اثارت اهتمامي قوله تعالى” اعملوا آل داود شكرا” لعل القارئ يتساءل عن كيفية الشكر عملا، وقد عهدنا بأن الشكر قول باللسان، لكن بالعودة إلى بنية الكلمة وإعرابها يتبين أن الأمر يتسع إلى أكثر من ذلك، فكلمة ” شكرا” تعرب مفعولا به، ليتحقق الشكر بالفعل كما يتحقق بالقول، وذلك بإبراز ما يثبت الشكر عمليا من خلال الصدقة أو نحوها، وهو مقام من مقامات الشكر.

وهناك وجه آخر من الإعراب، بحيث أعربت مفعولا لأجله، فالغاية من الشكر التعبير وإظهار فضل الله الله على المرء، فلأجل ذلك نشكر الله بشتى الطرق المحققة لبيان فضل المنعم، فالشكر أسمى درجة العبادة بل هو العبادة نفسها، لأن الله خالقنا ورازقنا فوجب شكره من باب الأولى وهو المقصد العام، أو مايسمى بالمقصد الأصلي، لتأتي مقاصد تبعية تكمن بالخصوص في طلب مغفرة الله رجاء في الجنة وخوفا من عقابه.

المزيد من المشاركات
1 من 11

أما الوجه الثالث من الإعراب فذكرت “حالا” بحيث يلزم شكر الله في جميع الأحوال، فما يقدره سبحانه ويقضيه لا يمكن إلا أن يكون خيرا ينبغي مقابلته بالشكر والامتنان له سبحانه، بل يعد التضييق أحيانا على المؤمن مؤشرا عن مكانة العبد الرفيعة والعالية، والأدلة على ذلك متعددة غير محصورة، وبقدر الشكر يزيد مقام المؤمن ” لأزيدنكم”.

ومن آياته تعالى قوله عزوجل: ” يرزق من يشاء بغير حساب” فقوله ” بغير حساب” تفسر مقاصديا بأكثر من معنى، من ذلك أن الله يرزق دون أن يحاسبه أحد، ولذلك تجد سبحانه يرزق الكافر بقدر ما يرزق المؤمن، ذلك أن ملكه له سبحانه، يرزق من يشاء ويمنع من يشاء.” قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ “  سورة آل عمران الآية 26، وقوله تعالى ” إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا” سورة الإسراء الآية 30، معنى هذا أن الله لايرزق المرء على قدر الطاعة ولاعلى قدر السعي” كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا “ سورة الإسراء الآية20، فالرزق لا يدل على رضا الله ولا على سخطه.

كذلك يحتمل قوله ” بغير حساب” العطاء دون الخشية من نفاذ ” انتهاء”خزائنه سبحانه وتعالى.

وتشمل كذلك رزق العبد من غير أن يحتسب” وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ “ سورة الطلاق الآية 3.

ومن معانيها أيضا ما ندركه بالمعنى الظاهر، أي أن ما يتفضل به علينا سبحانه لا يمكن حسابه لكثرته وتنوعه ” وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ” سورة النحل الآية 18.

فكل هذه المعاني مندرجة في جوامع الكلم الذي يميز القرآن الكريم، وهو حرف من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم يلزم على المهتم بالعلوم الشرعية لاسيما جانب التفسير الحرص على أن يوليها عناية خاصة.

فالتفسير المقاصدي على النحو الذي ذكرته يهتم بالكلمة من حيث وجوه إعرابها لاستخلاص ماهيتها ودلالتها، ليست مجردة وإنما باستحضار سياقها وقرائنها وكلياتها، وهو بذلك يتقاسم مع علم أصول الفقه، ويطبق إحدى مجالاته التي اشتغل عليها الأصوليون منذ سنين، يتعلق الأمر بما يسمى بالدلالات اللغوية، أما التفسير الجزئي فلا يسعف في كثير من المواطن، لذلك أحببت الإشارة ولو في سطور إلى هذا اللون الجديد من التفسير، سعيا مني إلى تبسيط هذا العلم ليكون في متناول الجميع.

 

مقالات أخرى للكاتب
1 من 7
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.