منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مختصر من حكاية رحال المغربي..

محمد عناني

0

لكأني أوشك أن أبوح لكم بسر..
حكاية رحال المغربي، ليس من السهل حكيها. فقد كان فنانا تشكيليا.. كما كان مولعا بالشعر والموسيقى.
وكان يقول لي دائما بأن الفن وحده يجعله يعانق اللانهائي..
ولما كنت أسأله؛ كيف؟
كان يبتسم ويهمس لي؛ هذه حالةٌ تعاش.. ولا تقال.. لوحاتي وشعري وألحاني.. ليست مخططات.. بل حالات.. وأنا في كل حال أنا.. ولا أعرف من أنا.. حتى ما في مكتبتي من مؤلفات، اِقتنيتها بدافع أكاد أجهله. فأنت تعرف أن المقررات الدراسية هي التي اقتنيناها مرغمين.. وبهدف واضح؛ النجاح من أجل العمل.. وقد أفادتنا أيضا في محو الأمية.. وبعض المعلومات.. وشرَّعت لنا بابا لنبدأ الطريق.. ثم إن في حياتي أسراراً نسيتها.. ربما كل إبداعاتي هي هبةُ النسيان..
وتنهد رحال .. ورأيت الدمع يطفر إلى عينيه.
قلت له يا رحال، تحدث..
— قال شأني شأن ابن الرومي في مرضه الأخير، سئمتْ نفسي مآربَ الحياة كلها إلا الحديث.. سأحكي لك قليلا.. فلا تتعجب.. من حقك ألا تصدقني.. لكن ليس من حقك أن تكذبني..
– راودتني فكرة أن أبحث عن طريقة، أكثف فيها التشكيلَ واللحن والشعر في نص واحد.. يكون آخر إنتاجاتي.. ولصعوبة المهمة، ذهبت عند العرافة. قالت لي عليك أن تأخذ مركبا تطوف به البرية.. وستجد من يهديك إلى ما تبغي.. لكن ستنتهي حياتك بنهاية حلمك..
صنعتُ لي مركبا بريا، وبدأت أجوب البرية. قد لا تصدق أن الأمر حدث ليلا.. وهذا الليل طال طوال رحلتي، التي اِستغرقت سنوات وسنوات.. كنت في حاجة لنجمةٍ تهديني وتدلني على الطريق.. لكن الغيوم كانت تحجب ضوءَ النجوم.. وبقيت أطوف بمركبي.. وحيدا.. بدون سند.. كسيرَ الجناح.. فما أقسى أن تمضي في ليل طويل.. بلا نجمة تضيء طريقك.. لكنني لم أيأس وقلت لنفسي، لا يمكن أن ألهث خلف حبٍّ يكون مجردَ حلم من الأحلام.. ثم إن النجمة قد تبزغ فضية قوية.. وتبدد حلكة هذا الليل الذي يغللني..
ومضيت..
تعبت.. بقيَتِ السماء غائمةً.. وأنا لا أعرف أين أمضي..
بلغني صوت العرافة؛ إنما أتيتَ لتصبر..
اِبتهلت وصليت داخلي..
وبينما أنا تائه في مركبي.. قيل لسنوات.. وقيل لعمر بكامله.. إذا بنجمة فضية تضيء.. وتبدد الظلام.. كانت تهبط باتجاهي.. وأنا في حالة انبهار.. وهي تهبط، ضحكتِ الأرياف.. خفقت أجنحةُ الليل وابتهج.. صارا فجراً .. وحلق سرب من الحمام.. واخضَرَّ العشب اليابس.. وتفجرت عيون من الماء من حولي.. وبلغني هسيس الزمن لحنا للأبدية..
وبدا لي أن ضوءَ النجمة لا يشبه في شيء ضوءَنا.. كان يمتزج بالتلال والسهول.. والأعالى.. و الاِمتداد اللانهائي..
بدأت أرتعش.. لأن التشكيل واللحن والشعر.. صار شيئا واحدا..
جلستْ أمامي.. اِبتسمتْ.. همستُ لها أرغب بعناقك.. على كتفيها بكيت.. وفي حضنها نمت.. نمتُ فانتبهت..
غنتْ لي غناءَ السيرانات.. سحرني الغناء.. لكنها لم تلتهمني كما كانت تفعل حوريات البحر.. يسحرن السامع ويلتهمنه.
لقد استحالت النجمة حوريةً برٍّيَّةً لطيفةً.. تغني كطيور الفجر.. فتطرب الأعالي والسفوح.. ويلوح في الأفق نور لطيف ترتاح له النفس.. هذا ما حدث لي، أنا رحال المغربي.. عندما كنت أحتضر، رفعت عينيَ إلى وجهها وابتسمت.. كنت أنعم بفرح هائل في حضنها.. لم أفعل أبدا ما يسيء إليها.. وكان حبي لها يمتزج بالترابِ ويتطلع شوقا إلى السماء..
– عندها سألته، ألا تبالغ يا رحال؟
أجابني ببرود؛ مُقدرٌ علينا أن نخلصَ لمن أحبَّنا- نحن الذين نجمع بين الرهافة والقوة-.. فكيف إذا كان المحبوبُ نجمةً أضاءت ليلا طال لعمر بكامله..
— ألا تخشى أن تلتهمك لحظة يتغير مزاجها.. ويكف قلبها؟!
عندها غنى؛ لكأني أوشك أن أبوح لك؛ الله يريد أن يسكِّنَ أحزان العمر.. بعث لي خلاصا في نجمةٍ.. في وطنٍ لم أجنِ منه غير الأسى.. وعادت الطفولةُ والسكينةُ.. وكان إبداع نهاية العمر..
— وكيف كثَّفتَ في فنك كل الفنون..
– رسمت ( أحبك) كتبت ( أحبك).. وغنيت (أحبك) .. ثم نظرت في وجهها باسما. فتحققت نبوءةُ العرافة.. لكن..
— لكن ماذا !!
— عشت في حضنها.. ومت في حضنها.. وأنا أغني؛ أحبك..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.