منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رمضان… وحالة الطوارئ

بتول بلمودن

0

 

رمضان شهر الله المعظم الذي يفرح المسلمون جميعا بقدومه، ويهرعون لاستقباله ضيفا عزيزا طالت غيبته. وقد شاءت إرادة المولى القدير سبحانه أن نعيش رمضان زمن كورونا covid-19للسنة الثانية على التوالي. فانشغل البعض باحتياطات الوباء وإجراءات حالة الطوارئ التي نغصت فرحة قد أتت وأذكت مشاعر الأسى على أيام منيرات خلت… في حين انبرى علماء أجلاء ودعاة أمناء لبث الأمل في نفوس المسلمين، ودعوتهم إلى التوبة والثبات، وإلى تعلم اليقين وتعظيم شعائر هذا الدين.

وإنما يعرض هذا المقال لرسالة واحد من هؤلاء العلماء العاملين بخصوص رمضان، وهو الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي[1] بارك الله فيه ونفع بعلمه.

 أولا- رمضان… حالة طوارئ إيمانية

” أدعوكم أحبابنا الكرام إلى أن تعيشوا ما يمكن أن نسميه حالة طوارئ إيمانية”[2]: هكذا توجه الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي للمسلمين، بعد أن بارك لهم قدوم الضيف الكريم الذي انتظروه بشوق لأحد عشر شهرا. ويريد الدكتور الخالدي بقوله هذا أن: الشهر العظيم هو موسم المسلم الذي يليق به أن يحسن استقباله، وأن يجتهد في الاستفادة منه بالإقبال على الله عز وجل بجميع أنواع القربات، وبالانقطاع عن باقي الشواغل من السفاسف والمهلكات. والحاجة إلى إعلان حالة الطوارئ الإيمانية، في رأيي، هي أوكد وأوجب في حق المسلم إن كان ممن فرضت عليه للسنة الثانية حالة الطوارئ الصحية، فحرمته من أعز ما تعود أن يعول عليه في تقوية تدينه وتزكية نفسه: ألا وهو حضور المساجد في صلاة التراويح، تنسما لنفحاتها القدسية، وتعرضا لرحمات الله عز وجل التي تتنزل على صفوف المصلين الخاشعين المنيبين.

المزيد من المشاركات
1 من 46

واغتنام المؤمن لهذه لفرصة رمضان الذهبية يكون، بحسب الدكتور الخالدي، بتوظيف كل يوم من أيامه، بل كل لحظة من لحظاته، في أعمال البر والطاعات. كما يكون استثمار هذه الأيام المعدودات، شهر رمضان الكريم بوصف الحكيم الخبير، بالتخلي عن المعاصي والغفلة وسائر ما يضيع الأوقات. والحمد لله الكريم الوهاب أن جعل الطاعات ألوانا شتى، والإيمان شعبا[3] عديدة كلها سبل سيارة إليه سبحانه وتعالى موصلة. فللمسلم في رمضان، تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يتقرب إلى ربه عز وجل بالذكر، وبالقرآن، وبالقيام، وبحفظ اللسان، وبالإنفاق، وبالإصلاح بين الناس، وبمواساة المحتاجين، وبإكرام الضيوف، وبالإحسان إلى الجيران، وبالجهاد في سبيل الله نصرة للإسلام والمسلمين….

ثانيا- قد هبت رياحكم فاغتنموها

إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة همود[4]

أورد الدكتور الخالدي هذا البيت الشعري، ليؤكد على أهم ما تقتضيه حالة الطوارئ الإيمانية، وهو: تجديد النية وعقد العزم، على بذل الوسع في التعرض لنفحات رمضان المباركات. ذلك أن عامل بركة الزمان المستمد من تخصيص الحكيم العليم لشهر رمضان بعدد من المزايا الثابتة بنصوص القرآن الكريم والسنة المشرفة، مضاف إليه أثر الصوم في تهذيب النفس وتأهيلها لاستقبال الأنوار الربانية، تجعله فرصة مواتية لاستنزال عطايا وألطاف الغني الحميد سبحانه وتعالى. كما أن استحضار هذه المعاني العظيمة باعث قوي لانخراط المسلم في حالة الطوارئ الإيمانية، ودافع له حافز على التعامل مع رمضان بما يستحق من همة وجدية. وإن من المعايش المجرب أن لرمضان أجواء روحانية خاصة، تبعث على الصفاء وتعين على طلب الارتقاء. ومنه فرمضان للمسلم هو: اللحظة المثالية للقطع مع التسويف بالبدء عمليا في صعود مدارج الكمال الإنساني سموا بالروح، وتزكية للنفس.

ثالثا- سابقوا وسارعوا… فرمضان مضمار للتنافس

” كن أولا أو ثانيا ولا تجر في المضمار رابع” قول قائل يخاطب المتنافس في ميادين السباق الدنيوي، ساقه الدكتور الخالدي ليوصي به الصائم القائم في مضمار تنافس المؤمنين على الاستفادة من رمضان، والاستزادة فيه من العبادات والنوافل طلبا للفوز برضا المولى سبحانه، والكينونة من الأوائل المقربين. وأحسب أن هذا الاقتباس من الدكتور الخالدي مستنده الاستعمال القرآني لمصطلح السباق، الذي يتضح من خلاله أن القرآن الكريم قد جعل المبادرة إلى ما عند الله مجال التنافس الحق كما يتبين من مجموعة من الآيات القرآنية، منها قول المولى عز وجل:

(وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ )[5]، وكذلك قول الله تعالى: ( سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)[6].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

رمضان دورة مكثفة في التخلق بهذا الدين الذي جعله الله تعالى إسلاما وإيمانا وإحسانا، فخليق بالمسلم أن يتوق فيه إلى أعلى المراتب، وأن يعمل على هذا فيري الله تعالى من نفسه خيرا. ولن تمنع حالة الطوارئ الصحية، ولا غيرها من الإجراءات والظروف، المسلمين من إعلان رمضان حالة طوارئ إيمانية شكرا لنعمة الله تعالى عليهم أن بلغهم هذا الشهر الكريم، وطلبا لما عنده عز وجل سبحانه المجيب العزيز القدير.

وفي الختام، أسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يعيننا على صيام رمضان إيمانا واحتسابا، وأن يصرف عنا الوباء والبلاء، وأن يوفقنا لنكون عنده من الفائزين.

إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


هذا المقال تفاعل للكاتبة مع مقطع مسموع للدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي بعنوان: ” رمضان… حالة طوارئ إيمانية”. الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=Z0neg1_M16U[1]

https://www.youtube.com/watch?v=Z0neg1_M16U [2]

[3] بناء على الحديث الشريف الذي يرويه الشيخان وأصحاب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه: ( الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من شعب الإيمان) واللفظ للإمام مسلم وهي بضع وستون عند الإمام البخاري وحددها الإمامان الحليمي والبيهقي في سبع وسبعين شعبة وقد أوصلها الإمام ابن حبان السبتي إلى تسع وسبعين شعبة. وقد اجتهد الأستاذ المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في ترتيبها ضمن عشر خصال جامعة بناء على تعريفه لها بأنها رافد يتألف منها نهر الإيمان.

https://siraj.net/ar/read?id=1075&page=7&q=%D8%B4%D8%B9%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86

[4] لم أقف على قائله ووجدته منسوبا لسيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه مغير الشطر الثاني: فعقبى كل خافقة سكون من بحر الوفر https://bo7our.com/%D8%A5%D8%B0%D8%A7-%D9%87%D8%A8%D8%AA-%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%AD%D9%83-%D9%81%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%86%D9%85%D9%87%D8%A7/

 سورة آل عمران الآية 133[5]

 سورة الحديد الآية 21[6]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.