منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حكم من أكل وهو شاك في طلوع الفجر أو في غروب الشمس في رمضان

عبد الله بنطاهر التناني السوسي

0

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه ورشده.

وبعد؛ فهذه مسألة سئلت عنها فأجبت بما يلي:
مسألة الشاك في وقت الصيام عند المالكية لها حالتان: من أكل شاكا في الفجر: هل طلع أم لا؟، ومن أكل شاكا في الشمس: هل غربت أم لا؟

ففي الأولى: الأكل مع الشك في الفجر حرام على المشهور وقيل مكروه، وقيل: مباح، ثم إذا تبين أنه قد أكل قبل الفجر فلا شيء عليه وصيامه صحيح؛ ولكن إذا تبين أنه أكل فعلا بعد الفجر فعليه القضاء فقط اتفاقا؛ وجوبا على المشهور، وقال ابن حبيب: استحبابا(1)، ولم يقل أحد بالكفارة.

وفي الثانية: الأكل مع الشك في الغروب حرام اتفاقا، ثم إذا تبين أنه قد أكل بعد الغروب فلا شيء عليه وصيامه صحيح لأنه غروب سلم(2)؛ ولكن إذا تبين أنه أكل فعلا قبل الغروب فعليه القضاء فقط على المشهور؛ قال ابن يونس: “وهذا أصوب”(3)، وبه قال جمهور المالكية(4)، وقيل: عليه القضاء والكفارة، ورجحه بعض علماء الأندلس كما قال ابن يونس(5)؛ وأول من قال به منهم: ابن عبيد الطليطلي(6)، ثم ابن عبد البر، وابن رشد الجد، وابن جزي، وابن عطية، والقرطبي(7)؛ قال ابن رشد: “وهذه المسألة انفرد باتقاقها أبو عبيد الطليطلي في مختصره”(8).
قال الشيخ خليل: “وكأكلِه شاكًّا في الفجر”؛ وزاد في شرحه: أو في الغروب فالقضاء مع الحرمة إن لم يتبين أنه أكل قبل الفجر وبعد المغرِب واستمر على شكه، وأما إن تبين أنه قبلهما أو بعدهما فيعمل على ما تبين(9).
وأصله في المذهب قول الإمام مالك رحمه الله: “ومن شك في الفجر فلا يأكل، ومن أكل ثم شك أن يكون أكل قبل الفجر أو بعده فليقض في رمضان، ومن ظن أن الشمس قد غربت فأكل في رمضان، ثم طلعت الشمس فليقض”(10)؛ قال القاضي عياض: “درجة الظن أرفع من الشك، ويأتي بمعنى اليقين، لكن تأوله بعضهم بمعنى الشك”(11).

المزيد من المشاركات
1 من 65

ووجه الفرق بين كون عدم الكفارة في الأكل بالشك في الفجر متفقا عليها، وكونها في الأكل بالشك في الغروب مختلفا فيها وإن كان المشهورُ عدمَها(12) هو دليل استصحاب الأصل؛ لأن الأصل في الفجر بقاء الليل فلا يزول إلا بيقين، وفي الغروب بقاء النهار فلا يزول إلا بيقين(13)؛ والأصل هو قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}(14).
قال ابن رشد: “الأكل بالليل مباح فلا يمتنع منه إلا بيقين وهو تبين الفجر، والأكل بالنهار في رمضان محظور، فلا يستباح إلا بيقين وهو تبين غروب الشمس”(15)؛ وقال القاضي عياض: “لأنه أولا (عند الفجر) الأكل له مباح؛ فلا يحرم عليه إلا بيقين، ولا يصح حكم الانتهاك إلا بتيقن تحريمه عليه، وآخر النهار (عند الغروب) هو في حكم الصوم، والفطر عليه حرام إلا بتيقن انقضاء النهار، فهو منتهك ما لم يتيقن انقضاء النهار”(16).
والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب


الهامــــــش:

(1) المقدمات الممهدات لابن رشد الجد: (1/249).
(2) مواهب الجليل للحطاب: (2/427 و428).
(3) الجامع لابن يونس: (3/1085).
(4) انظر: المعونة للقاضي عبد الوهاب: (1/472)، والإشراف على نكت مسائل الخلاف له أيضا: (1/441)، وشرح مختصر خليل للخرشي: (2/251)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (1/526).
(5) الجامع لابن يونس: (3/1085).
(6) هو: علي بن عيسى بن عبيد التجيبي الطليطلي أبو الحسن، كان فقيها عالما ثقة ورعا مجاب الدعوة، عاش في القرن الرابع ولا يعرف تاريخ وفاته، وله كتاب المختصر في الفقه المالكي كان موضوع بحث إجازة بكلية اللغة بمراكش من إنجاز: إبراهيم أيت علا، وأحمد صابر بإشراف الأستاذ الحسين أطبيب في الموسم الجامعي (1415/ 1416 – 1994/ 1995). انظر: التعليق على تنبيهات القاضي عياض: لمحمد الوثيق، وعبد النعيم حميتي: (1/302).
(7) الكافي لابن عبد البر: (1/351)، والمقدمات لابن رشد الجد: (1/249 و250)، والقوانين الفقهية لابن جزي: (ص: 81)، وتفسير ابن عطية: (1/259)، وتفسير القرطبي: (2/328).
(8) المقدمات الممهدات لابن رشد الجد: (1/249).
(9) مواهب الجليل للحطاب: (2/427)، والشرح الكبير للدردير: (1/526)..
(10) المدونة لسحنون: (1/266) و(2/331)، وتهذيب المدونة للبرادعي: (1/350 و351).
(11) التنبيهات للقاضي عياض: (1/302 و303)، والتوضيح للشيخ خليل: (2/419).
(12) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (1/526).
(13) الفواكه الدواني على الرسالة للنفراوي: (1/305)، وحاشية العدوي على شرح الرسالة: (1/444).
(14) [سورة البقرة آية 186].
(15) المقدمات الممهدات لابن رشد الجد: (1/249).
(16) التنبيهات للقاضي عياض: (1/302 و303)، والتوضيح للشيخ خليل: (2/419).

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.