منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المؤمنون وابتلاء التهذيب |حدث في رمضان (الحلقة 12)

محمد سكويلي  

0

في مثل هذا اليوم 12 من رمضان نصر الله جنده وهزم الأحزاب وحده، وكلل هامات المجاهدين بالنصر على الفرس في موقعة البويب لما استجمعوا مقومات النصر، وفي نفس اليوم علمنا الله درسا عظيما أن سنة الله لا تحابي أحدا، وأن الله يبتلي عباده بالخير والشر فتنة، ليمتحن صبر عباده عند الضراء، وشكرهم له في السراء، إذ في مثل هذا اليوم أحرق المسجد النبوي، وخلف شهداء وخسائر مادية، ومات علم من أعلام الأمة ابن الجوزي رحمه الله تعالى، فخلف موته فراغات خاصة بعد أن قام بعدة مراجعات مباركة لكثير من أرائه السابقة والتي كانت للبعض صادمة، وللبعض رافعة داعمة، فاللهم استعملنا لخدمة دينك، ولا تخالف بنا عن نهجك، واجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، فلنتابع على بركة الله.

أولا: انتصار المسلمين على الفـرس في موقعة البويب

في يوم 12 رمضان لعام 13 هـجرية، انتصر المسلمون في موقعة (البويب) في العراق، عندما أرسل الفرس (إيران) جيشاً بقيادة (مهران بن بازان)، وعبر الفرس الجسر إلى موضع يُسمّى البويب، والتقى المسلمون معه في قتال عنيف، بقيادة المثنى.

ومعركة البويب من المعارك الحاسمة في تاريخ المسلمين، وتقاس بيوم اليرموك لأنها أذنت للمسلمين أن ينساحوا في بلاد الفرس، المسلمون قادهم المثنَّى بن حارثة، يساعده جرير بن عبد الله في بجيلة، وعاصم بن عمرو، والمعنى بن حارثة، وعصمة بن عبد الله الضبي، أما الفرس فقد قادهم مهران الهمذاني، يساعده مرزبان الحيرة ومردا نشاه.

ولمَّا طال القتال بين الطرفين، وكل فريق مستميت ثابت يريد إحرازَ النَّصر، حمل المثنَّى بمن معه على قلب مهران وقصد مهران بالذَّات، واشتدَّ القتال وحمي الوطيس، ثم وثَب غلامٌ من تغلب على مهران فقتله واستوى على فرسه، وتزلزل الفرس، وأفنى المسلمون قلب الفرس، فقويت ميمنة المسلمين على ميسرتهم، وميسرة المسلمين على ميمنتهم، فاضطربوا وكثُر القتل فيهم، وكان النَّصر المبين على الفرس، فقد قدِّر عدد قتلاهم بمائة ألف أو تزيد، وشفى الله قلوبَ المؤمنين، وكانت معركة البويب تعويضًا عن معركة الجسر، واستشهد من المسلمين مسعود أخو المثنَّى، ومن نتائج هذه المعركة سيطرة المسلمين على سواد العراق؛ حيث لم يَعُد للفرس مقاومة تُذْكَر، ووصل المسلمون إلى صفين.

المزيد من المشاركات
1 من 92

ثانيا: وفاة الإمام ابن الجوزي

في يوم 12 رمضان عام 597هجرية، الموافق 16 يونيو 1200ميلادية،تُوفي الإمام “أبو الفرج بن الجوزي” شيخ العراق، وإمام الحديث والفقه واللغة والتفسير، وهو الشيخ الإمام العلامة، الحافظ المفسر، شيخ صناعة الوعظ، درة المجالس، وجامع الفنون، وصاحب التصانيف الكثيرة، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن الجوزي، ينتهي نسبه إلى أمير المؤمنين، وخليفة رسول صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولد ابن الجوزي سنة 510هـجرية ببغداد، ومات أبوه وله ثلاثة أعوام، فتولت عمته تربيته لزواج أمه، فنشأ ابن الجوزي يتيمًا: يتنقل بين أقاربه الذين كانوا يعملون في تجارة معدن النحاس، فلما أنست منه عمته عزوفًا عن اللهو والتجارة دفعت به إلى طريق العلم، فلزم مسجد محمد بن ناصر الحافظ، وجلس لسماع الدروس والحديث، ثم لزم حلقة الشيخ ابن الزغواني شيخ حنابلة العراق، فظهر نجمه، وتقدم على أقرانه، وكان وهو صبي دينًا مجموعًا على نفسه لا يخالط أحدًا، ولا يجاري أترابه في لهوهم ولعبهم.

لم يكن ابن الجوزي مثل غيره من كبار علماء الأمة، الذين كانوا كلمة إجماع بين الناس، ولم يخض في حقهم أحد، ذلك أن لابن الجوزي عداوات كثيرة، وخصومات عديدة أزكاها بحدة لسانه، وقوة نقده، وجهره بآرائه، واعترازه الشديد بنفسه، ولكن لا يقلل ذلك كله من تقدير الناس لعلمه وإمامته، وتبحره في فنون شتى، وهذه طائفة من أقوال الناس عنه، وثنائهم عليه: قال الإمام الذهبي: كان رأسًا في التذكير بلا مدافعة، يقول النظم الرائق، والنثر الفائق بديهًا، ويسهب، ويعجب، ويطرب، ويطنب، لم يأت قبله ولا بعده مثله؛ فهو حامل لواء الوعظ، والقيِّم بفنونه، مع الشكل الحسن، والصوت الطيب، والوقع في النفوس، وحسن السيرة، وكان بحرًا في التفسير، علامة في السير والتاريخ، موصوفًا بحسن الحديث، ومعرفة فنونه، فقيهًا، عليمًا بالإجماع والاختلاف، جيد المشاركة في الطب، ذا تفنن وفهم وذكاء، وحفظ واستحضار….

قال أبو عبد الله الدبيثي في تاريخه: شيخنا جمال الدين صاحب التصانيف في فنون العلوم: من التفسير والفقه والحديث والتواريخ وغير ذلك، وإليه انتهت معرفة الحديث وعلومه، والوقوف على صحيحه من سقيمه، وكان من أحسن الناس كلامًا، وأتمهم نظامًا، وأعذبهم لسانًا، وأجودهم بيانًا، وبورك له في عمره وعمله، وقال الموفق عبد اللطيف المقدسي: كان ابن الجوزي لطيف الصورة، حلو الشمائل، رخيم النغمة، موزون الحركات والنغمات، لذيذ المفاكهة، يحضر مجلسه مائة ألف أو يزيدون، لا يضيع من زمانه شيئًا، يكتب في اليوم أربع كراريس، وله في كل علم مشاركة، لكنه كان في التفسير من الأعيان، وفي الحديث من الحفاظ، وفي التاريخ من المتوسعين، ولديه فقه كاف، وأما السجع الوعظي فله فيه ملكة قوية.

وقال الإمام ابن قدامة المقدسي: ابن الجوزي إمام أهل عصره في الوعظ، وصنف في فنون العلم تصانيف حسنة، وكان صاحب فنون، كان يصنف في الفقه، ويدرس وكان حافظًا للحديث، إلا أننا لم نرض تصانيفه في السنة، ذلك أن ابن الجوزي قد خالف الحنابلة في الكثير من مسائل الاعتقاد، حتى جلب على نفسه كثيرًا من المشاكل.

يعتبر الإمام ابن الجوزي من العلماء الموسوعيين الكبار في أمة الإسلام؛ فلقد كان متبحرًا في فنون كثيرة، له فيها مشاركات ومصنفات فائقة، ومؤلفات رائقة زادت على الثلاثمائة مصنف، كثير منها في فن الوعظ والتذكير، والأخلاق والرقائق، وله في كل فن عدة كتب، ومن أشهر مصنفاته كتاب زاد المسير في التفسير، وهو مطبوع متداول، وكتاب المنتظم في التاريخ، وهو من كتب التاريخ المشهورة والشاملة، أكمل كتاب تاريخ الرسل والملوك للطبري، وله كتاب الموضوعات في الحديث؛ وهو أول من أفرد الأحاديث الموضوعة بمصنف، وعلى منواله نسج من جاء بعده، وكتاب صفة الصفوة في أخبار الصحابة والتابعين، ومن جاء بعدهم من طبقات القرون الثلاث الفاضلة، وكتاب تلبيس إبليس في كشف فضائح الصوفية، وصيد الخاطر في اللطائف والإشارات، ومنهاج القاصدين؛ وهو مختصر لطيف لكتاب إحياء علوم الدين للغزالي، وله سلسلة المناقب والفضائل للنبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة والصالحين والأئمة والعلماء، وكثير من كتبه قد ضاعت في محنته؛ إذ تسلط عليها ابنه العاق أبو القاسم عليٌّ فباعها بالأحمال بيع العبيد لمن يزيد، ولكن معظم إنتاجه العلمي مطبوع متداول بفضل الله عز وجل، ومازال الناس ينتفعون به ويدرسونه، وما من خطيب ولا واعظ إلا ولابن الجوزي عليه فضل الاقتباس من كلامه، وكتبه الفائقة، مرض ابن الجوزي في آخر عمره فتوفاه الله في يوم 12 رمضان عام 597هجرية، الموافق 16 يونيو 1200م ، فرحمة الله عليه. وقد أوصى أن يكتب على قبره هذه الأبيات:

يا كثير العفـو يا مـن … كثــرت ذنـوبــي لديــه

مقالات أخرى للكاتب
1 من 20

جاءك المذنب يرجـو … الصفح عن جرم يديـه

أنـا ضيـــف وجـزاء … الضيـف إحسان إليــه

رابعا: الحريق الثاني للمسجد النبوي

في يوم 12 رمضان عام 886هجرية، الموافق للخامس من شهر نوفمبر لعام 1481م، احترق المسجد النبوي الشريف للمرة الثانية، كانت الأمطار تهطل على المدينة المنّورة بغزارة، فضربت إحدى الصواعق المئذنة الرئيسيّة، حيث كان رئيس المؤذنين الشيخ شمس الدين إبن الخطيب بها يؤذن للصلاة، فقضت عليه. وسقط الهلال مشتعلاً. وانشق سقف المنارة، فالتهمت النيران سقف المسجد واحترقت الجدران والكتب والمصاحف. وعجز الناس عن إطفاء النيران. وهلك في هذا الحريق بضعة عشر شخصاً، حيث كتب أهل المدينة للسلطان قايت باي في مصر، فأرسل المؤن والعمال وكل المواد لعمارته.

وُصِف هذا الحريق بأوصاف كثيرة من قبل المؤرخين، منها أنه “كان كلجي بحر من نار ولها شعب في الجو”، وسببه أن سماء المدينة كانت مليئة بالغيوم والصواعق الرعدية، وانتشر المؤذنون على المنابر ليُهللوا كعادتهم في الأيام الماطرة، وحين صعد رئيس المؤذنين إلى المنارة الرئيسية ضربت إحدى الصواعق هلال المنارة، وكان لها لهب فشُقّت المنارة وسقط إثرها رئيس المؤذنين ميتًا، وانتشر اللهب فيما بين المنارة والقبة حتى وصل إلى السقف، ففتح خُدّام المسجد أبوابه قبل وقته المعتاد ونادوا بالحريق، فتجمّع الناس وحضر أمير المدينة، وحاولوا محاصرة النار التي اتجهت نحو شمال وغرب المسجد، فقاموا بهدّ جزء من السقف ليحول ذلك دون انتشارها، لكنها كانت أسرع من أن تقف عند ذلك الحد، وكان في سطح المسجد أشخاص حاصرتهم النار ففروا باتجاه الشمال، منهم من نجا ومنهم من سقط في الحريق فهلك، وقد كتب عن هذا الحريق الإمام السمهودي، وهو أحد الذين نجوا منه بأعجوبة، مات في ذلك الحريق 17 شخصًا، منهم شمس الدين محمد بن المسكين، وعدد من خادمي المسجد ونائب خازن دار الحرم، وسقط نحو 120 أسطوانًا من أساطين المسجد، ودُمر السقف بشكل شبه كلي.     حدث الحريق في عهد الدولة المملوكية، وكانت تحت حكم السلطان الأشرف قايتباي، أُرسل إليه بما حدث للمسجد النبوي آنذاك، فأرسل الأموال والبنائين والعدة اللازمة لإعادة إعمار المسجد، والذي استمر ترميمه حتى عام 888هـ، وأضيفت لمساحته السابقة نحو 120م2 لتصبح مساحته الإجمالية 9,010 م2، وبارتفاع للجدران يصل إلى 11م، ووصل عدد أروقته إلى 18 رواقًا، وأُغلق عدد من الأبواب التي كانت ضمن توسعة الدولة العباسية، ليقتصر المسجد على 4 أبواب فقط، واستحدثت نوافذ وشرفات في الجزء العلوي للمسجد، وأُضيفت له مئذنة خامسة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.