منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رمضان قصير، لا يحتمل التقصير (خطبة)

الشيخ بنسالم باهشام

0

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

عباد الله، بعد أن قال تعالى في سورة البقرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [سورة البقرة الآية(183)] ، تحدث عن شهر الصوم وهو رمضان بقوله: (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ).

فوصف سبحانه وتعالى شهر رمضان كله بأنه أياما معدودات، وفي هذا إشارة إلى سرعة انقضاء أيامه ولياليه، فما أن يبدأ الشهر ويهنّئ الناس بعضهم بعضا بحلوله، إلا وقد انقضت عشرة أيامه الأولى، فتتبعها الوسطى، ويدخل الناس في العشر أيام الأخيرة والتي تتضمن أفضل لياليه وهي ليلة القدر، ثم ما يلبث أن يودع الناس شهرهم.

عباد الله، إن رمضان قصير، لا يحتمل التقصير، وقدومه عبور، لا يقبل الفتور، وكلما تكاسلت، فتذكر قول الله تعالى من سورة البقرة: (أياماً معدودات).

عباد الله، ليس هناك مغبون أكثر ممن أدرك رمضان بخيراته وفضائله، ولم يتزود منه لآخرته، إنها فرصة العمر، فرصة عظيمة للتزود من الأعمال الصالحة بجميع أنواعها، وفعل الخير بكل معانيه، لما يتميز به من مضاعفة الثواب بما لا يضاعف في غيره من الشهور، إلا أن هذه الفرصة سريعة الانقضاء، فأيامها معدودة وساعاتها محصورة.

المزيد من المشاركات
1 من 14

لهذا علينا أن نحذر ونأخذ كامل الاحتياطات اللازمة حتى لا نلقي بأنفسنا في أحضان لصوص رمضان بمحض إرادتنا بدعوى الترفيه عن النفس، هؤلاء اللصوص الذين يعترضون طريقنا إلى التجارة الرابحة مع الله، والذين يتخذون أشكالا متنوعة مثل التلفزيون، والأسواق، والسهر، والمطبخ، والهاتف، ووسائل التواصل الاجتماعي،… وغيرها، إن هو الذي دخل عليه رمضان وخرج، فلم ينهل من خيره، ولم يستزد فيه من العمل لربه، فخسر عمره وضيع فرصته الثمينة، ولهذا جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري في الأدب المفرد، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جاءني جبريل صلى الله عليه وسلم فقال: شقي عبد أدرك رمضان فانسلخ منه، ولم يغفر له، فقلت آمين).

ومن المغبونين كذلك، أولئك الذين يشمرون عن ساعد الجد، في بداية الشهر، ويجتهدون في أنواع العبادات، ولكن؛ ما إن ينتصف الشهر، وتأتي العشر الأخيرة منه، حتى تفتر هممهم وتقل عزائمهم، وينشغلون في آخر أيامهم في الأسواق استعدادا للعيد، وهذا أمر عجيب؛ فإن أفضل أيام رمضان هي لياليه وأيامه الأخيرة، والعشر الأواخر منه هي خلاصته وتاجه.

وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجتهد في هذه العشر ما لا يجتهد في غيرها، فيحيي لياليها بالصلاة والذكر والقيام والاعتكاف، ويوقظ أهله شفقة ورحمة بهم، حتى لا يفوتهم هذا الخير.

وأعظم الخير في هذه العشر، تلك الليلة البهية، ليلة العتق والمباهاة، ليلة القرب والمناجاة، ليلة القدر، ليلة نزول القرآن، الليلة التي هي خير من ألف شهر.

وهذه الليلة وإن كانت خفية، إلا أن من اجتهد في هذه العشر كلها فلا شك في أنه قد أصابها لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري في صحيحه: (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان).

فيا عباد الله، أذكر نفسي وإياكم بأن شهر رمضان شهر مغنم وأرباح .. فيا سعد من غنم فيه وربح، واكتسب في تلك الأيام المعدودات، صفات الصالحين، وأخلاق المؤمنين، وثواب العابدين، لكي يرتقي في مدارك المتقين.

عباد الله، لا تنسوا أن رمضان أيام سرعان ما تنقضي، ولحظات سرعان ما تنجلي، جعلها الله في صحائف الأعمال شاهدة بكل خير، وأعاده علينا أعواماً عديدة وأزمنة مديدة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 53

فاللهم أيقظنا من رقدات الغفلات، وأعنا على اغتنام الأوقات في الباقيات الصالحات، واجعل شهر رمضان شاهداً لنا بالخيرات، ووفقنا لصيامه وقيامه إيماناً واحتساباً، واجعلنا فيه من المقبولين؛ إنك جواد كريم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.