منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

وفاة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم |حدث في رمضان| “الحلقة 16”

محمد سكويلي  

0

انقسمت الأحداث التي وقعت في 16 من رمضان إلى أحداث سارة مهدت لإنجازات باهرة مبهرة، وانتصارات جادة متجددة، ففي مثل هذا اليوم نزل جيش الإسلام بقيادة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بدر استعدادا ليوم الفرقان، وفي مثل هذا اليوم صام مسلمو كشمير لأول مرة، وإلى أحداث محزنة فقدنا فيها رجالا ونساء، زكاهم الله ورسوله وبصموا تاريخ الإسلام بأعمالهم التي خلدت ذكرهم في سجل الصالحين المصلحين، ففي مثل هذا اليوم توفيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وكذلك توفي شيخ المؤرخين المصريين “أحمد بن علي المقريزي”، فاللهم ثبتنا على الحق خدمة لدينك، ولا تخالف بنا عن نهجك، واجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، فلنتابع على بركة الله.

أولا: وصول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وجيش المسلمين إلى بدر

في اليوم 16 من شهر رمضان عام 2 هـ وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجيش المسلمين إلى بدر وبدء التخطيط للمعركة، حيث نزلوا عند أدنى ماء من مياه بدر، فقال الحباب بن المنذر للرسول: «يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل؟ أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟»، قال: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة»، قال: «يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض يا رسول الله بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزله ونغور ما وراءه من الآبار، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماءً ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون»، فأخذ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، برأيه ونهض بالجيش حتى أقرب ماء من العدو فنزل عليه، ثم صنعوا الحياض وغوروا ما عداها من الآبار.

وبعد نزول الرسول محمد والمسلمين على أدنى ماء بدر من قريش، اقترح سعد بن معاذ على الرسول بناء عريش له يكون مقرّاً لقيادته ويأمن فيه من العدو، وكان مما قاله سعد في اقتراحه: «يا نبي الله، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنك أقوام، يا نبي الله، ما نحن بأشد لك حبًا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، ويناصحونك، ويجاهدون معك»، فأثنى عليه الرسول محمد خيرًا ودعا له بخير، ثم بنى المسلمون العريش للرسول محمد على تل مشرف على ساحة القتال، وكان معه فيه أبو بكر الصديق، وكانت ثلة من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ يحرسون عريش الرسول محمد. ثم بات المسلمون تلك الليلة، التي هي ليلة المعركة، ويعتقد المسلمون أن الله تعالى قد أنزل على المسلمين في تلك الليلةِ النعاسَ والطمأنينة، فقد جاء في سورة الأنفال: “إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ”، قال القرطبي: «وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها، فكان النوم عجيبًا مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم، وكأن الله ربط جأشهم». أما الرسول محمد فقد ظل يصلي ويبكي حتى أصبح، قال علي بن أبي طالب: «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد على فرس أبلق، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح”

وبدأ الرسول بالتخطيط للمعركة، فصفَّ المسلمين فاستقبل المغرب وجعل الشمس خلفه فاستقبل أعداؤه الشمس، أي جعل الشمس في ظهر جيشه وفي وجه أعدائه حتى تؤذي أشعتها أبصارهم. كما أخذ يعدل الصفوف ويقوم بتسويتها لكي تكون مستقيمة متراصة، وبيده سهم لا ريش له يعدل به الصف، فرأى رجلاً اسمه سواد بن غزية، وقد خرج من الصف فضربه في بطنه، وقال له: «استوِ يا سواد»، فقال: «يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني»، فكشف الرسول محمد عن بطنه وقال: «استقد»، فاعتنقه سواد فقبّل بطنه، فقال: «ما حملك على هذا يا سواد؟»، قال: «يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك»، فدعا له الرسول محمد بخير.

المزيد من المشاركات
1 من 22

ثم بدأ الرسول بإصدار الأوامر والتوجيهات لجنده، ومنها أنه أمرهم برمي الأعداء إذا اقتربوا منهم، وليس وهم على بعد كبير، فقد قال: «إن دنا القوم منكم فانضحوهم بالنبل»، كما نهى عن سل السيوف إلى أن تتداخل الصفوف، قال: «ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم»، كما أمر الصحابةَ بالاقتصاد في الرمي، قال: «واسْتَبْقُوا نَبْلَكم».

وقد كان لتشجيع الرسول لأصحابه أثرٌ كبيرٌ في نفوسهم ومعنوياتهم، فقد كان يحثهم على القتال ويحرضهم عليه، ومن ذلك قوله لأصحابه: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض»، فقال عمير بن الحمام الأنصاري: «يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟»، قال: «نعم»، قال: «بخٍ بخٍ»، فقال الرسول محمد: «ما يحملك على قول: بخٍ بخٍ؟»، قال: «لا والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها»، قال: «فإنك من أهلها»، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منه، ثم قال: «لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة»، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قُتل. ومن تشجيعه أيضاً أنه كان يبشر أصحابه بقتل صناديد قريش، ويحدد مكان قتلى كل واحد منهم، كما كان يبشر المسلمين بالنصر قبل بدء القتال فيقول: «أبشر أبا بكر»، ووقف يقول للصحابة: «والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة». وقد دعا الرسول للمسلمين بالنصر فقال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني”.

ثانيا: وفاة السيدة عائشة رضي الله عنها

في اليوم 16 من شهر رمضان عام 58 هـ توفيت السيدة عائشة رضي الله عنها. هي أم المؤمنين، حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الصدِّيقة بنت الصدِّيق بنت الإمام الأكبر، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق واسمه عبد الله بن أبي قحافة، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كناها الرسول صلى الله عليه وسلم بأم عبد الله عندما طلبت منه أن يكون لها كنية، (حدثنا مسدد، وسليمان بن حرب المعنى، قالا: حدثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: يا رسول الله، كل صواحبي لهن كُنًى، قال: :”فاكْتَني بابنك عبد الله”؛ يعني ابن أختها، قال مسدد: عبد الله بن الزبير، قال: فكانت تكنى بأم عبد الله، قال أبو داود: وهكذا قال قران بن تمام، ومعمر، جميعًا عن هشام، نحوه، ورواه أبو أسامة، عن هشام، عن عباد بن حمزة، وكذلك حماد بن سلمة).

كان لعائشة رضي الله عنها العديد من الألقاب، منها: “أم المؤمنين – حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم – المبرَّأة – الطيِّبة – الصدِّيقة – الحميراء – موفقة.” كما عُرفت السيدة عائشة رضي الله عنها بروايتها الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عن علي بن زيد، عن أم محمد، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الله، إذا أراد أن يقلب قلب عبد قلبه.”

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين، قالت: دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي يصلي عليه، فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا؛ عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء، ولم يدرِ به! فقال: “أوَغير ذلك يا عائشة؟ إن الله – عز وجل – خلق للجنة أهلًا، وخلقهم لها، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، وخلقهم لها، وهم في أصلاب آبائهم.”

مقالات أخرى للكاتب
1 من 26

عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها وعن أبويها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، وإنه مكتوب في الكتاب من أهل النار، فإذا كان قبل موته، تحول فعمل بعمل أهل النار، فمات فدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، وإنه مكتوب في الكتاب أنه من أهل الجنة، فإذا كان قبل موته، تحول فعمل بعمل أهل الجنة، فمات فدخل الجنة.”

وللسيدة عائشة الكثير من الفضائل؛ فقد روت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قضت عمرها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعًا أساسيًّا للسائلين والمستفتين، وقدوة يقتدى بها في سائر المجالات والشؤون، وقد كان الأكابر من أصحاب رسول الله ومشيختهم يسألونها ويستفتونها.

وهي التي نزلت فيها سورة تبرِّئها من فوق سبع سموات في حادثة الإفك؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُوفٌ رَحِيم﴾ النور: 11-20، توفيت أمنا عائشة رضي الله عنها سنة ثمانٍ وخمسين، وأَمرت أن تدفن ليلاً، فدُفنت بعد الوتر بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة رضي الله عنه.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.