منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رمضان…إيقاع الزمن المبارك في المجتمع التاوريرتي

الطيب رحماني

0

يعد شهر رمضان المبارك مناسبة فاعلة في حياة الناس بالمجتمع المغربي عموما وسكان الجهة الشرقية خصوصا، وبمدينة تاوريرت على الوجه الأخص، فهو زمن يحمل الناس على إعادة النظر في انشغالاتهم وأوقاتهم وعاداتهم على اختلاف مستويات تدينهم وكسبهم ومعاشهم…

وما إن يقترب الشهر الفضيل حتى يبدأ منسوب الرواج التجاري في الارتفاع، ويمتد ليتعدى الأسواق الرئيسية كالسوق “المحروق” (كان سوقا مركزيا قبل أن يلتهمه حريق وتقام مكانه قاعة مغطاة) والمركب التجاري مولاي علي الشريف…ليشمل الساحات والأزقة المجاورة، بل وعلى أبواب المساجد وكل مواقع تجمع الناس…فالكل يراهن على أن يحقق غايته، فالباعة يراهنون على عائد ربحي يعوض عن ركود الأيام والشهور الماضية، والمتبضعون يسابقون الزمن اليومي لتوفير لوازم الأطباق الرمضانية الكفيلة بتلبية رغبة جامحة في التمسك بالموروث التقليدي، فتكون الوجهة المفضلة لربات البيوت ومساعداتهن محلات بيع لوازم الحلوى وما جاورها سواء في حي “الجديد” أو بالمدخل الرئيسي لقيسارية “الميلود” أو بالجناح المخصص بالمركب التجاري مولاي على الشريف…وتبلغ الذروة بعد العصر فلا تكاد الواحدة منهن تظفر بفرصة، وما إن تتمكن من ذلك حتى توسع من لائحة مشترياتها لتتفرغ بعدُ لإعداد المأكولات المغربية الشهيرة في الشرق ك”الحريرة” و”أملو”…”والحلوى ك”سلّو” و”الشباكية” و”البريوات”…

كما تعرف مواد أخرى كالخضروات والفواكه انتشارا واسعا، فلا يكاد يخل مكان عام ذو تجمع بشري من باعتها: مداخل المساجد، والأسواق والأحياء والشوارع الرئيسية…كلها تعج بهم، وعند أوقات الذروة تتنافس أصواتهم العارضة المستميلة بتحديد الثمن حينا وبتحبيب السلعة حينا آخر، وتُضاعف المَجازر حصتها من الذبائح، إذ الإقبال على اللحوم يزداد، فبرنامج ليالي رمضان عند كثير من عائلات تاوريرت يتضمن وجبة عشاء باللحم والخضار، فضلا عن إفطار قد لا يخلو من أطباق “الكفتة” و”المشوي” و”الطاجين”…

أما تجارة الملابس فلا تتخلف عن الموعد، إذ هي الأخرى تنتشر في كل مكان حتى في سائر الشهور،  فالمحلات في كل الأحياء والشوارع العامة، فضلا عن المُركّبات، بل عند الباعة المتجولين بسيارات صغيرة  أو درجات نارية ثلاثية العجلات أو حتى عربات يدوية…والذين يتتبعون الأماكن تتبع الرُّحل للكلأ، فإذا أقبل رمضان اشتدت المنافسة، وتعددت طرق العرض للفوز بنصيب من تجمع سكاني تغلب عليه شريحة منهكة من أثر قلة ذات اليد، فالبطالة، وتواضع العائد من فرص شغل قليلة…يحدّ من معاشها لكنها حريصة كل الحرص على فرحة العيد ولو باليسير، لذا فالملابس الأقل ثمنا هي الأكثر مبيعا، بغض النظر عن جودتها من حيث المادة والشكل…

وما يثير الانتباه أن الخصام يكثر في هذه الفضاءات أيام رمضان، وتكثر المشادات الكلامية وحتى بالأيدي بين الباعة المتجولين أنفسهم أحيانا، ومع المتبضعين أحيانا أخرى، ولعل مردَّ ذلك إلى انتشار عادات سيئة يصعب عليهم تركها لوقت طويل في نهار رمضان كالتدخين والمخدرات…لذا كثيرا ما يردد بعضهم القول: إني صائم، لا تكلمني، لا تزعجني… ! على خلاف الراسخين الذين يمتثلون قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “وإذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ”[1]

المزيد من المشاركات
1 من 82

وفي نهار رمضان تخلو شوارع تاوريرت صباحا إلا ممن لهم أعمال يومية أو ضرورات مُلحَّة…ولا تبدأ حركة الناس إلا بعد الظهر، لتأخذ ذروتها بعد العصر، ولا تهدأ إلا مع أذان المغرب، لتتجدد بعيد ذلك بقليل (في زمن ما قبل الجائحة)، وتستمر هادئة دون اكتظاظ كبير بعيد العشاء، وما تلبث أن تسكن مع منتصف الليل إلا من بعض الفتيان الذين لا يبرحون الشارع إلا قبيل أذان الصبح تقتحم أصواتهم صمت الليل بين فينة وأخرى…

وفي مدينة تاوريرت ـ كما في باقي المدن المغربية ـ الغالب على المجتمع المحافظة على المعالم الأساسية للتدين في هذا الزمن المبارك، فما إن يحل الشهر الكريم حتى يبادر أغلب الناس إلى إعادة ترتيب أوقاتهم بما يتلاءم ومتطلبات التعبد ليلا ونهارا، فتأخذ الصلوات الخمس الحصة الأولى باعتبارها عماد الصوم في رمضان، وهكذا تبدأ تباشير عمارة المساجد منذ الأيام الأخيرة من شهر شعبان لتأخذ ذروتها مع مطلع رمضان…

وتدخل كل مسجد قبيل الصلوات الخمس فتجد الصفوف الأوَل قد تبوأها المصلون تالِين للقرآن الكريم أو راكعين أو ذاكرين مسبحين ومهللين…إلى أن تُقَام المكتوبة، فإذا قضيت الصلاة انفضَّ الجمع منتشرين مبتغين من فضل الله…وقبيلُ المغرب ظرف خاصٌّ وفرصة ذهبية للتعرض لبركة وثواب إفطار الصائم، فيبادر كثير من المصلين لتوزيع ما معهم من تمر قليل أو كثير على المصلين في جو يطبعه التآزر والتآخي، فالمتصدق يشعر بفرحتين فرحة الصدقة وفرحة قبولها، والآخذ يجد حرج ردها في وجه صاحبها، لذا يبادر إلى قبولها محتسبا مشجعا لسلوك إسلامي نبيل…

وتأخذ مدينة تاوريرت أمنها الروحي وسمعتها الدينية من مآذن وأفنية مساجدها العريقة والحديثة المتمركزة في الأحياء والشوارع الرئيسية، التي كان دورها بارزا في رمضان ما قبل الجائحة، ففي حي “لقْدِيم” وهو حي قديم يعود تشييد شوارعه إلى حقبة الاستعمار، يتمركز المسجد العتيق بمعمار مغربي أصيل تفننت يد الصانع في تزيين سقفه وسواريه وجدره داخلا وخارجا، يحج الناس في ليالي رمضان للاستمتاع بأصوات مقرئي المدينة المجيدين الذين يتم استقطابهم للقيام بإمامة التراويح، إذ يعد هذا المسجد اختيارا مفضلا للمسؤولين والوجهاء الذين يقطن بعضهم في الحي نفسه…

وغير بعيد من المكان شرقا على يمين الطريق المؤدي إلى وجدة تطالعك صومعة مسجد الإمام نافع، وهو مسجد يأخذ وظيفته من اسمه، فبمحاذاته مدرسة قرآنية عريقة تخرَّج منها مئات الحفظة لكتاب الله مع قدر غير يسير من العلوم الشرعية…فلا جرم أن يحتد التنافس بين الطلبة في شهر رمضان على شرف إمامة التراويح فيفوز أكثرهم حفظا وأنداهم صوتا ويعود التقدير في ذلك والاختيار للشيوخ المشرفين على التحفيظ…

وبالغرب وعلى واجهة شارع رئيسي للطريق في اتجاه فاس يتموضع مسجد عبد الله بن عباس الذي يعد معلمة معمارية بتصميمه المغربي الحديث، إذ بُنِي المسجد في طرف مساحة كبيرة تُرِك أغلبها فضاء طلقا على شاكلة مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، وفي ليالي رمضان يصنع المصلون الحدث، إذ يصطفون بشكل بديع دال على عظمة الإسلام القادر على جعلهم متراصين بكلمة “قد قامت الصلاة”، فيستمتع المار المسافر باتجاه الشرق أو الغرب بهذا المشهد الرباني البديع، ويسمع صوت القرآن نديّا يبادر الآذانَ الماكثة في العمارات المطلة…

أما في الوسط وفي زحمة “لْبلان الجديد” ـ وهو حي شبه شعبي تأسس قديما وأُطلق عليه هذا الاسم لأنه أُحدِث بعد الحي القديم السالف الذكرـ فيتمركز المسجد المحمدي، بمعمار تقليدي موغل في الخصائص العمرانية القديمة المتسمة بالبساطة فالمساحة محدودة والداخل تملؤه سوار وخرسانات ضخمة والأبواب ضيقة، وتحيط بالمسجد المحالات التجارية وخصوصا باعة الثياب والمجوهرات والمعشبات…لذا فأغلب عُمّاره من التجار الذين يجدون في قرب المكان وقراءة الإمام بالحذر بُغيتهم للتفرغ للتجارة حتى وقت متأخر من الليل…

وللمسجد المحمدي في قلوب ساكنة تاوريرت وقع خاص، فهو المسجد الذي اختاره ثلة من عمّار بيت الله ملاذا لإحياء سنة الاعتكاف، وكان دأبهم ـ لسنوات ـ كلما حلت الليلة الأولى من العشر الأواخر من رمضان يتجمعون بعد تمام التراويح بما يُفصِح عن مرادهم في إحياء الليلي المباركات بالذكر والقيام وتلاوة القرآن وتدارسه…وربما التحق بهم من لم ينوِ ذلك قبلُ…ظل يتكرر هذا المشهد الإيماني المؤثر لأعوام قبل أن تقدم السلطات على منع غير معلل، ولم يفلح إصرار المعتكفين واحتجاجهم في ثنيها عن قرارها، بل إن مشهد المنع اليوم يتكرر في كثير من مساجد تاوريرت على شاكلة مساجد سائر المدن المغربية.

ولا تخلو تاوريرت من مواقع اللهو التي تستقطب روادها ممن مالوا إلى تضييع أوقات ليلهم الثمينة من الزمن المبارك في الملاهي، فإذا كانت المقاهي توفر فرصة لمن لديهم انشغالات وأحاديث ولقاءات عملية أخوية أو تجارية…فإن بعضهم يقصدها للكلام الفارغ والقيل والقال…بل إن بعض المقاهي يغدو وكرا يستقطب إليه فئة من الشاب للسهر على المحرمات التي يتركونها في نهار رمضان…

ويكتمل بَهاء الزمن الرمضاني بحلول العيد، ذلك اليوم الذي يستعد له الجميع، فالأسر تعمل جاهدة وبما لها من القليل أو الكثير لتوفير ملابس العيد وخصوصا للأطفال، والنسوة يسابقن العشر الأواخر لإعداد أطباق الحلوى، فإذا كانت الليلة الأخيرة تفرغن لتهيئ وجبة فطور تليق بالعيد ك”السفة” أو”الرفيسة”…وتبادر بعض العائلات إلى اقتناء حاجيات وجبة غذاء موسعة يُدعى إليها سائر أفراد العائلة كبارا وصغارا، ذكورا وإناثا…

وما إن تشرق شمس العيد حتى يخرج المصلون للصلاة، وتحرص كثير من الأسر على أداء هذه الشعير مجتمعة فيصطحب رب الأسرة معه أبناءه وزوجنه…إلأى المصلى، وهكذا تتابع أفواج صوب كل من مصلى طريق دبدو الذي يتوقف الوصول إليه على امتلاك وسيلة نقل لبعد المسافة، ومصلى “مُحْراش” الواقع خلف حي “لكرارمة” وهو حي راق منبسط على تلة واسعة…فإذا قضيت الصلاة عمت الشوارع القريبة من المكان حركة سريعة، فجل الناس ينتظرهم برنامج للتزاور قد لا تكفي فيه سويعات يوم العيد…فكيف بمن هو حريص على أن يستقبل الجيران والأصدقاء والأقارب في أول وجبة غذاء بعد شهر من الصيام والقيام…؟


[1] من حديث أبي هريرة في صحيح البخاري

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.