منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

استشهاد سيدنا علي كرم الله وجهه |حدث في رمضان| الحلقة (19)

محمد سكويلي  

0

في يوم 19 من رمضان سنة 40 هجرية، استشهد الإمام علي كرم الله وجهه، بعد تعرضه للطعن بسيف مسموم أثناء أدائه لصلاة الفجر على يد عبد الرحمن بن ملجم، فمن هو سيدنا علي كرم الله وجهه؟ ومناقبه وخصاله؟ وما أهم مواقفه وتوجيهاته ودرره؟ هذا ما سنعرفه في هذه الأسطر القليلة، فعلى بركة الله تعالى.

أولا: من هو علي بن أبي طالب؟

علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، ولد في 13 رجب 23 ق هـ/17 مارس 599م وتوفي في 21 رمضان 40 هـ/ 27 يناير 661 م، ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يلتقي معه في الجد الأول عبد المطلب، سمّته أمه أسد، على اسم والدها أسد بن هاشم. وكان والده أبو طالب غائبًا فلمّا عاد لم يعجبه الاسم، فغيّره لعليّ، وكان -رضي الله عنه- يكنّى بعدة كنى، منها: أبو الحسن نسبةً لابنه الأكبر الحسن وهو من ولد فاطمة سيدة نساء العالمين، وله كنية أبي تراب أيضًا، كناه بهذه الكنية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك للأثر الوارد أنّه -صلى الله عليه وسلم- ذهب لبيت فاطمة وعلي -رضي الله عنهم- فلم يجد عليًا -رضي الله عنه- فسأل ابنته فاطمة عنه، فذهب نحوه فوجده مضطجعًا وكان قد سقط الرداء عنه فأصابه التراب رضي الله عنه، فمسح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التراب عنه، وقال له قم يا أبا تراب، ويكنى أيضًا بأبي القاسم الهاشمي، وأبي السبطين.

ثانيا: نشأة علي بن أبي طالب

ولد عليّ -رضي الله عنه- قبل البعثة بعشر سنين، تربى في كنف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يفارقه، والسبب في ذلك أنَّ قريشًا في ذلك الزمن كانت قد أصابتها شدة وأزمة شديدة، وكان لدى أبي طالب أبناء كُثُر، فطلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من عمّه العباس أن يخففا عن أبي طالب وكان العباس ميسور الحال، فذهبا لأبي طالب ليخففنا عنه من أبنائه حتى تزول الشدة التي حلّت بقريش، فأخد العباس جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنهما- وأخد النبي -صلى الله عليه وسلم- عليًّا، فبقي جعفر عند العباس حتى أسلم، وبقي علي عند الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى أسلم واتّبعه.

المزيد من المشاركات
1 من 97

ثالثا: إسلام علي بن أبي طالب

رأى الصحابي الجليل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ابن عمه رسول الله -صلى الله عليه وسلم وزوجته خديجة -رضي الله عنها- يصلّيان، فسألهما عمّا يفعلانه، فأجابه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنّ هذا الدين الذي اختاره لنفسه، وبه بُعث الأنبياء من قبل، ودعاه -صلى الله عليه وسلم- لاعتناق الدين، فطلب عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- بأنْ يسأل والده أبو طالب، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وطلب منه بأن يبقى هذا الأمر سرًّا سواء أيريد اتّباعه أم لا، فمكث عليّ -رضي الله عنه- تلك الليلة يفكر في الأمر، فأصبح ذاهبًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يطلب منه دخول الإسلام واتّباعه. فكان أول من يسلم من الصبيان، وكتم إسلامه عن أبيه، وبقي يأتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على خوف من أبيه.

رابعا: زواج علي بن أبي طالب من ابنة النبي صلى الله عليه وسلم

تردد علي بن أبي طالب في خطبة فاطمة رضي الله عنها من ابن عمه -صلى الله عليه وسلم- فليس عنده ما يملكه، فحثته على الذهاب مولاة كانت عند علي بن أبي طالب، فذهب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما نطق من هيبة الموقف، فسأله رسول الله -عندما رأى عليًّا صامتًا- إنْ كان يريد خطبة فاطمة، فأجاب بالقبول، فوافق على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان صداقها درع من حديد، وما رُوى في ذلك: “خَطَبتُ فاطِمةَ، فقال رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: وهل عِندَكَ شَيءٌ؟ قُلتُ: لا. قال: فأين دِرعُكَ الحُطَميَّةُ التي كُنتُ أعطَيتُكَ يَومَ كذا وكذا؟ قُلتُ: عِندي. قال: فأْتِ بها. فأتَيتُ بها، فأنكَحَنيها” فجهّزَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ابنته فاطمة -رضي الله عنها- بالقليل من الحاجات، وتزوجها علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في السنة الاولى من الهجرة، وبني بها في السنة 2من الهجرة، وكان ذلك بعد معركة بدر.

خامسا: زوجات علي بن أبي طالب وأبناؤه

تزوج علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها، بنساء أخريات، ومن الزوجات التي تزوجهن نذكر ما يلي:

  • أم البنين بنت حرام الكلبية
  • ليلي بنت مسعود بن خالد النهشلية التميمة.
  • أسماء بنت عميس الخثعمية.
  • أمامة بنت أبي العاص وهي بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • أم سعيد ابنة عروة بن مسعود الثقفية.
  • مخبئة بنت امرئ القيس بن عدي الكلبية.
مقالات أخرى للكاتب
1 من 24

وولد لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عدة أبناء من زوجات عدة، وهم:

  • الحسن والحسين ومحسن، وأم كلثوم الكبرى، وزينب الكبرى من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • العباس وجعفر وعبد الله وعثمان من بنت حرام الكلبية، قتلوا مع الحسين.
  • عبيد الله وأبو بكر، من ليلى بنت مسعود.
  • محمد الأصغر ويحيى، من أسماء بنت عميس.
  • محمد الاوسط، من أمامة بنت أبي العاص.
  • أم الحسن، من أم سعيد ابن عروة.

سادسا: مناقب علي بن أبي طالب

للصحابي الجليل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فضائل كثيرة يصعب ذكرها كلها، وما يأتي ذكر من ذلك الفيض:

  • كان يحب الله تعالى ورسوله، ويحبه الله تعالى ورسوله لما ورد في الأثر الصحيح فيوم خيبر حين قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنه سيعطي الراية لرجل سيكون الفتح على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.
  • كانت منزلته لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كمنزلة هارون من موسى عليهم السلام.
  • كان قد اختص بقضاء دين الرسول -صلى الله عليه وسلم- بدلًا من رسول الله؛ أنَّ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: “عَلِيٌّ مِنِّي وَأَنَا مِنْ عَلِيٍّ وَلَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا أَنَا أَوْ عَلِيٌّ
  • كان علي بن أبي طالب لا يحب إلا مؤمنًا، ولا يكره إلّا منافقًا، أنَّ النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: “والذي فَلَقَ الحَبَّةَ، وبَرَأَ النَّسَمَةَ، إنَّه لَعَهْدُ النبيِّ الأُمِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إلَيَّ: أنْ لا يُحِبَّنِي إلَّا مُؤْمِنٌ، ولا يُبْغِضَنِي إلَّا مُنافِقٌ
  • كان أحد العشرة المبشرين بالجنة.
  • كان شديد التواضع، سُأل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- من محمد بن الحنفية -ابنه- أيُّ الناس خيْر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجاب بـأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- ثم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال له محمد بن الحنفية: ثم أنت، فأجابه -رضي الله عنه- بأنه ما هو إلا رجل من المسلمين.
  • كان شجاعًا؛ نادى طلحة بن عثمان في يوم أحد صاحب لواء جيش المشركين، يدعو للمبارزة، فقام علي -رضي الله عنه- فقاتله وقطع رجله، حتى انكشفت عورة عثمان، فناشده عثمان بالله وبصلة الدم التي بينهم على أنْ يتركه، فتركه عليّ -رضي الله عن- لمناشدته له، ولانكشاف عورته.
  • كان عادلًا إذا ما احتكم الناس له؛ وعن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “أرحمُ أمتي بأمتي أبو بكرٍ، وأشدُّهم في دينِ الله عمرُ، وأصدقُهم حياءً عثمانُ، وأقضاهم عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وأقرؤُهم أُبيُّ بنُ كعبٍ، وأعلمُهم بالحلالِ والحرامِ معاذٌ، وأفرضُهم زيدُ بنُ ثابتٍ، ألَا وإنَّ لكلِّ أمةٍ أمينًا وأمينُ هذه الأمةِ أبو عبيدةَ بنُ الجراحِ.”
  • كان معروفًا بحرصه -رضي الله عنه- على مال المسلمين، دُخل عليه وليس عليه إلا قطيفة، ويرجف بردًا، فسأله الصحابي لم لا يأخذ من بيت مال المسلمين نصيبه، فقال أنه لا يأخذ من ذلك المال شيئًا، وان ما عليه -القطيفة- خرجت معه من بيته من المدينة المنورة، وذكر في ورعه مواقف كثيرة، تدل على ورعه الشديد في بيت مال المسلمين، وحرصه على أّلّا يقع في إثمه.
  • كان كريم الخلق، ومن ذلك؛ جاء له رجل يطلب منه قضاء أمر يحتاجه، فقال له علي -رضي الله عنه- بأن يكتب حاجته على الأرض، لئلا يرى مسألته في وجهه.
  • كان قد بُشّر بالشهادة؛ من ذلك أنَّ النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير -رضي الله عنهم- فتحركت الصخرة، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد
  • كان كثير البلاء، مثل ابتلائه بقوم ادّعوا محبته فألهوه.
  • كان ينكر على من قام بتفضيله على أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- إذ أنّه همّ بقتل ابن سبأ لتفضيله على الشيخين -أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب-
  • كان ينصف خصومه، وذلك حين وصف الخوارج فقال: هم أخواننا بغوا علينا.
  • كان منصفًا للصحابي الجليل عثمان بن عفّان رضي الله عنه، حيث روي أن رجلًا قال عند علي بأنَّ عثمانًا -رضي الله عنه- في النار على ما أحدث من أمور في خلافته، فرد علي بأنّه يكفيه فضلًا أن يتزوج ابنتين من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم.

سابعا: مكانة علي بن أبي طالب

أمير المؤمنين، له منزلة عظيمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، أُعطِيَ راية القتال وهو ابن عشرين سنة، واشترك في جميع الغزوات عدا غزوة تبوك، لاستخلاف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له في المدينة، كان موضع ثقة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- فيستشيره في الأمور المهمة، وكان أحد أعضاء مجلس الشورى الذين اجتمعوا لاختيار الخليفة من بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أكثر من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثامنا: خلافة علي بن أبي طالب

بعد مقتل عثمان -رضي الله عنه- اتجه بعض من صحابة المهاجرين والأنصار لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يطلبون منه تولّي الخلافة بعد عثمان -رضي الله عنه- فهو أقرب الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان جمهور المسلمين متفقين على أهليّته رضي الله عنه، ففضّل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في أوّل الأمر أن يكون وزيرًا على أن يكون أميرًا، لكنَّه درءًا للفتنة وخشيةً على دين الله تعالى، وافق على البيعة ليحسم أمر الفتنة، ولإعادة جسم الأمة بعد ما تعرضت له من تشتت وتمزق.

اشترط في البيعة حضور أهل الشورى وعامة المسلمين، وأن تكون علانية في المسجد، فكانت البيعة في يوم الجمعة في 24 ذي الحجة 35هـ/ 23 حزيران 656م.

حاول علي في خلافته إعادة إحياء نظام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقام أوّل الأمر بتغيير موظفي الجهاز الإداري، بوصفهم اليد التنفيذية للخليفة، لكنه ارتأى في البداية أن يمهّد لهذه الخطوة لئلا يُحدث الفتنة مع أنصار عثمان -رضي الله عنه- لأنَّه لا يثق بهم، ولا يمكنه التعامل معهم لاختلاف وجهات النظر بشأن أمور الخلافة الإسلامية، فاستبدلهم برجال أبعد ما يكونوا عن أحداث الفتنة، وعرفوا بالزهد والتقشف.

تاسعا: وفاة علي بن أبي طالب

قُتِلَ شهيدًا، حيث قتله عبد الرحمن بن عمرو المعروف بابن ملجم، وساعده في هذا الأمر شبيب بن نجرة الأشجعي ووردان، وضعوا له -رضي الله عنه- كمينًا في المسجد، وبخروجه -رضي الله عنه- منه واجهه شبيب بالسيف، فأجهز عليه ابن ملجم، فسال دمه، وتوفي -رضي الله عنه- شهيدًا كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عاشرا: مواقف من حياة علي بن أبي طالب

للصحابي الجليل علي بن أي طالب مواقف عظيمة من حياته، فهو من كبار الصحابة ومن الخلفاء الراشدين، وشهد معظم الغزوات وقد عرُف بشجاعته، وفيما يلي ذكر من فيض مواقفه رضي الله عنه، كما يأتي:

أ) علي بن أبي طالب يفدي النبي بروحه

حين اجتمعت قريش في دار الندوة وأجمعت على قتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أٌعلم بذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأمر ابن عمه علي بن أبي طالب -رضي الله عن- بالبقاء في فراشه في ليلة الهجرة النبوية، تمويهًا لقريش، فوافق واستجاب على الرغم من شدّة الأمر وصعوبته، وكان ذلك في سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الدين.

ب) علي بن أبي طالب في غزوة الخندق

قام عمرو بن ود في خزوق الخندق بدعوة للمبارزة، فقام له علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بعد استئذانه من رسول الله -صلى الله علي وسلم- ثلاث مرات، فقد عُرف عن عمرو بن ود قوته، فذهب إليه علي -رضي الله عنه- فدعاه للإسلام، فرفض ابن ود ذلك، فدعاه للنزال فضُرب علي بن أبي طالب في وجهه، فاستل سيفه -رضي الله عنه- وقام بقتل عمرو بن ود.

ج) علي بن أبي طالب في موقعة الجمل

لم يحظ علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بالإجماع عليه في بيعته، فخرج عليه عائشة والزبير بن العوام وطلحة -رضي الله عنهم- مطالبين القصاص من قتلة عثمان -رضي الله عنه- بجيش من العراق، وكان رأي علي أن القصاص سيحدث فتنة كبيرة في الوقت الراهن، فخرج -رضي الله عنه- من المدينة المنورة بسبعمائة رجل لوقف الجيش من المعارضين دون سفك الدماء، ولما التقوا كادوا أن يتفقوا لولا بعض المنافقين الذين استغلوا الليل لزرع الفتنة، فكانت حينها ملحمة الجمل، وانقسمت القبائل بين الطرفين وانتهت المعركة لصالح علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وجيشه، فأمر بعدم ملاحقة الفارين، وعدم الإجهاز على القتلى أو أخذ غنائمهم، وأعلن العفو العام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.