منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المسيرة الرمضانية لسيدنا الحسن رضي الله عنه “من نسيكة الولادة إلى الخلافة والشهادة”حدث في رمضان “الحلقة 22 “

محمد سكويلي  

0

ما بين 21 رمضان سنة 3 هجرية، يوم نسيكة مولد سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنه وهو يبلغ من العمر إذ ذاك سبعة أيام، حيث عق سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حفيده من ابنته فاطمة الزهراء وابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وحلق شعره وأمر بتصدق بزنة شعره فضة، وما بين 21 رمضان عام  40 هجرية، الموافق لفاتح يناير 661 ميلادية حيث تمت مبايعته رضي الله عنه بالخلافة في الكوفة بعد مقتل أبيه الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب على يد عبد الرحمن بن ملجم، ما بين التاريخين عرفت مسيرة سيدنا الحسن رضي الله عنه الربانية ، أحداثا ووقائع ستظل ذكرى للذاكرين، وموعظة للسالكين…

أولا: سيدنا محمد صلى الله عليه يفرح ويستبشر

عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عَقَّ عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً، وفي رواية: كبشين كبشين ، وعن أبي رافع: أن حسن بن عليّ لمّا ولد أرادت أمُّه أن تَعُقَّ عنه بكبشين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تعُقي عنه، ولكن أحْلِقي شعر رأسه فتصدقي بوزنه من الورق، ثم ولد الحسين، فصنعت مثل ذلك وإنما صرفها صلى الله عليه وسلم عن العقيقة لتحمُّله عنها ذلك لا تركاً بالأصالة.

إنه الحسنُ بنُ عليِّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، سيِّدُ شباب أهل الجنة؛ وُلد الحسن بن علي في النصف من رمضان، سنة ثلاث من الهجرة. عن عليٍّ رضي الله عنه، قال: “لَمَّا وُلِد الحسن سمَّيتُه حَرْبًا، فجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أروني ابني، ما سمَّيتموه؟))، قال: قلتُ: حَرْبًا، قال: ((بل هو حسن)). عن أنس بن مالك قال: “لم يكُنْ أحدٌ أشبهَ بالنبي صلى الله عليه وسلم من الحسن بن علي”. عن عقبة بن الحارث، قال: صلَّى أبو بكر رضي الله عنه العصر، ثم خرج يمشي، فرأى الحسن يلعَبُ مع الصبيان، فحمَله على عاتقه، وقال: بأبي – (أي: أفديه بأبي) – شَبِيهٌ بالنبي، لا شبيه بعَلِي، وعليٌّ يضحَكُ.

قال الإمام الذهبي رحمه الله: كان الإمام الحسنُ بن علي سيدًا، وسيمًا، جميلًا، عاقلًا، رَزينًا، جَوادًا، مُمدَّحًا، خيِّرًا، دَيِّنًا، وَرِعًا، محتشمًا، كبير الشأن. قال الإمام ابن كثير رحمه الله: كان الحسن بن علي كثيرَ التزوُّج، وكان لا يُفارِقه أربعُ زوجاتٍ. وكان علي بن أبي طالب يقول لأهل الكوفة: لا تُزوِّجوا الحسنَ بن علي؛ فإنه مِطلاقٌ، فيقولون: والله يا أمير المؤمنين، لو خطب إلينا كلَّ يومٍ لزوَّجناه منا مَن شاء؛ ابتغاءً في صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان للحسن بن علي خمسةَ عشرَ ذكرًا، وثماني بناتٍ.

المزيد من المشاركات
1 من 57

ثانيا: مناقب سيدنا الحسن بن علي

عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال لحسنٍ: ((اللهم إني أُحِبُّه، فأَحِبَّه وأحبِبْ مَن يُحبُّه))؛ عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم أن رجلًا مِن أهل العراق سأل ابن عمرَ عن دمِ البعوض يصيب الثوبَ، فقال ابن عمر: انظُروا إلى هذا، يسألُ عن دمِ البعوض، وقد قتَلوا ابنَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم! وسمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الحسن والحسين هما ريحانتايَ مِن الدنيا)).

وعن أبي بكرة، قال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يُقبِل على الناس مرةً، وعليه أخرى، ويقول: ((إن ابني هذا سيِّدٌ، ولعل اللهَ أن يُصلِح به بينَ فئتينِ عظيمتين من المسلمين)).

وعن بُرَيدة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا؛ إذ جاء الحسن والحسين عليهما قميصانِ أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن المنبر، فحملهما ووضعهما بين يدَيْه، ثم قال: ((صدق الله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ فنظرتُ إلى هذينِ الصبيَّيْنِ يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعتُ حديثي ورفعتُهما)).

وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الحسن والحسين سيِّدَا شباب أهل الجنة)).

وعن حذيفة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن هذا مَلَكٌ لم ينزِلِ الأرضَ قط قبل هذه الليلة، استأذن ربَّه أن يُسلِّم عليَّ ويُبشِّرَني بأن فاطمةَ سيِّدةُ نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيِّدَا شباب أهل الجنة)).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أخذ الحسنُ بنُ عليٍّ تمرةً مِن تَمْر الصدقة، فجعلها في فِيهِ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كخ كخ، ارمِ بها؛ أمَا علمتَ أنَّا لا نأكُلُ الصدقة؟!)).

مقالات أخرى للكاتب
1 من 24

ثالثا: علم الحسن بن علي وعبادته

حفِظ الحسنُ بن عليٍّ عن جَدِّه صلى الله عليه وسلم أحاديثَ، وعن أبيه وأمِّه، حدث عنه: ابنه الحسن بن الحسن، وسُوَيد بن غفلة، وأبو الحَوْراء السعدي، والشعبي، وهُبَيرة بن يريم، وأَصْبَغ بن نباتة، والمُسيِّب بن نجبة.

فعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلماتٍ أقولُهنَّ في الوتر: ((اللهم اهدِني فيمَن هديتَ، وعافِني فيمَن عافيتَ، وتولَّني فيمن تولَّيتَ، وبارِكْ لي فيما أعطيتَ، وقِنِي شرَّ ما قضيتَ؛ إنك تقضي ولا يُقضَى عليك، وإنه لا يَذِلُّ مَن وَالَيْتَ، ولا يَعِزُّ مَن عاديتَ، تباركْتَ ربَّنا وتعالَيْتَ)).

قال علي بن جُدْعان: حجَّ الحسن بن علي خمسَ عشرةَ حجةً ماشيًا، وإنَّ النجائبَ – (الإبل العظيمة) – لَتُقادُ معه، وكان الحسن إذا صلى الغداة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلِسُ في مُصلَّاه يذكر الله حتى ترتفع الشمس.

قال سعيد بن عبد العزيز: سمع الحسن بن علي رجلًا إلى جنبه يسأل الله تعالى أن يرزقه عشرةَ آلاف درهم، فانصرف، فبعث بها إليه.

وخطب علي بن أبي طالب، فقال: إن الحسن بن علي قد جمع مالًا، وهو يريد أن يقسمه بينكم، فحضر الناس، فقام الحسن، فقال: إنما جمعتُه للفقراء، فقام نصف الناس.

قال أبو هارون: انطلَقْنا حُجَّاجًا، فدخلنا المدينة، فدخلنا على الحسن، فحدَّثْناه بمسيرنا وحالِنا، فلما خرجنا، بعَث إلى كل رجل منا بأربعمائة درهم، فرجعنا، فأخبرناه بيسارِنا، فقال: لا تردُّوا عليَّ معروفي، فلو كنتُ على غير هذه الحال كان هذا لكم يسيرًا، أمَا إني مُزوِّدكم: إن الله يباهي ملائكته بعبادِه يوم عرفة.

رأى الحسن بن علي غلامًا أسودَ يأكلُ مِن رغيف لقمةً ويُطعِم كلبًا هناك لقمة، فقال له: ما حَمَلك على هذا؟ فقال: إني أستحي منه أن آكلَ ولا أطعمه، فقال له الحسن: لا تبرَحْ مِن مكانك حتى آتيَك، فذهب إلى سيِّده، فاشتراه واشترى الحائط – (البستان) – الذي هو فيه، فأعتقه وملَّكه الحائط، فقال الغلام: يا مولاي، قد وهبتُ الحائط (البستان) للذي وهبتَني له؛ (أي: تركتُه صدقةً للهِ تعالى).

قال أبو جعفر الباقر: جاء رجلٌ إلى الحسين بن علي فاستعان به في حاجةٍ، فوجده معتكفًا، فاعتذر إليه، فذهب إلى الحسن فاستعان به، فقضى حاجته، وقال: لَقضاءُ حاجةِ أخٍ لي في الله أحبُّ إليَّ مِن اعتكاف شهر.

رابعا: قبسٌ من كلام الحسن بن علي

قال الحسن بن علي: مَنِ اتَّكل على حُسنِ اختيار الله له، لم يتمنَّ أن يكون في غير الحالة التي اختار الله له، وهذا حدُّ الوقوف على الرضا بما تصرَّف به القضاء.

قال الحسن بن علي لبَنِيه ولبَنِي أخيه: “تعلَّموا العلم؛ فإنكم صغار قومٍ وتكونون كبارَهم غدًا، فمَن لم يحفَظْ منكم فليكتُبْ”.

خطَب الحسنُ بن علي بالكوفة، فقال: إن الحلم زينة، والوقار مروءة، والعَجَلة سفه، والسَّفه ضعف، ومجالسة أهل الدناءة شَيْن، ومخالطة الفسَّاق رِيبة.

قال الحسن بن علي ذات يوم لأصحابه: إني أُخبِرُكم عن أخٍ لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان عظيمَ ما عظَّمه في عيني صِغَرُ الدنيا في عينِه، كان خارجًا مِن سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يُكثِر إذا وجد، وكان خارجًا من سلطان فرجه، فلا يستخفُّ له عقله ولا رأيه، وكان خارجًا من سلطان الجَهَلة، فلا يمدُّ يدًا إلا على ثقة المنفعة، كان لا يسخط ولا يتبرَّم، كان إذا جامع العلماءَ يكونُ على أن يَسمع أحرَصَ منه على أن يتكلَّم، وكان إذا غُلِب على الكلام لم يُغلَب على الصمت، كان أكثر دهرِه صامتًا، فإذا قال فاق القائلين، وكان لا يشارك في دعوى (أي: فتنة)، ولا يدخل في مِراء، ولا يُدلِي بحجة حتى يرى قاضيًا، يقول ما يفعل، ويفعل ما لا يقول تفضلًا وتكرمًا، كان لا يغفل عن إخوانه، ولا يخص نفسه بشيء دونهم، كان لا يلوم أحدًا فيما يقع العُذْر بمثله، كان إذا ابتدأه أمرانِ لا يرى أيهما أقرب إلى الحق، نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه.

خامسا: مرض الحسن بن علي

لَمَّا اشتدَّ بالحسن بن علي الوجعُ جزع، فدخل عليه رجلٌ، فقال له: يا أبا محمد، ما هذا الجزع؟ ما هو إلا أن تفارق رُوحُك جسدَك، فتَقدَم على أبوَيْك عليٍّ وفاطمةَ، وعلى جَدَّيك النبي صلى الله عليه وسلم وخديجةَ، وعلى أعمامِك حمزة وجعفر، وعلى أخوالك القاسم والطيِّب وإبراهيم، وعلى خالاتِك رقية وأم كلثوم وزينب، قال: فسُرِّي عنه.

قال عُمَير بن إسحاق: دخلتُ أنا ورجل آخر مِن قريش على الحسن بن علي، فقام فدخل إلى الخلاء، ثم خرج، فقال: لقد لفظتُ طائفةً (قطعة) مِن كَبِدي أقلبها بهذا العود، ولقد سُقِيتُ السَّمَّ مرارًا، وما سُقيتُ مرةً هي أشد مِن هذه، قال: وجعل يقول لذلك الرجل: سَلْني قبل ألا تَسْأَلَني، فقال: ما أسألك شيئًا، يعافيك الله.

سادسا: موقف الحسن مِن قاتِلِه

قال عمير بن إسحاق: دخلتُ على الحسن بن علي وهو يجودُ بنفسه (أي: قبل خروج روحه)، والحسين عند رأسه، وقال: يا أخي، مَن تتَّهِم؟ قال الحسن: “لِمَ؟ لتقتله؟”، قال الحسين: نعم، قال الحسن: “إِنْ يكُنِ الذي أظنُّ، فالله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا، وإلا يكُنْ، فما أحبُّ أن يُقتَل بي بريءٌ”، ثم مات رضوان الله تعالى عليه.

جاء الحسين بن علي حتى قعَد عند رأس الحسن، فقال: أَيْ أُخَيَّ، مَن الذي قتلك؟ قال الحسن: تريد قتلَه؟! قال الحسين: نعم، قال: لئن كان قاتلي الذي أظنُّ، فالله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا، وإن لم يكُنْهُ ما أُحِبُّ أن تَقتُلَ بي بريئًا.

سابعا: رغبة الحسن في الدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم

لمَّا حضرَتِ الوفاةُ الحسنَ بن علي، أرسل إلى عائشةَ يطلُبُ منها أن يُدفَن مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأجابَتْه إلى ذلك، فقال لأخيه: إذا أنا متُّ فاطلُبْ إلى عائشة أن أُدفَن مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلقد كنتُ طلبتُ منها فأجابَتْ إلى ذلك، فلعلَّها تستحيي مني، فإن أذِنَت فادفنِّي في بيتِها، وما أظن القوم – يعني بني أمية – إلا سيمنعُونَك، فإن فعَلوا، فلا تراجعهم في ذلك، وادفنِّي في بقيع الغَرْقَد.

فلما تُوفِّي جاء الحسين إلى عائشة في ذلك، فقالت: نعم وكرامة، فبلغ ذلك إلى مَرْوان بن الحكم وبني أمية، فقالوا: والله لا يُدفن هناك أبدًا، فبلَغ ذلك الحسينَ، فلِبس هو ومَن معه السلاح، ولبِسه مروان، فسمع ذلك أبو هريرة، فأتى الحسينَ فكلَّمه وناشده الله، فقال: أليس قد قال أخوك: إن خفت فرُدَّني إلى مقبرة المسلمين، ففعل، فحمَله الحسين إلى البقيع.

ثامنا: وفاة الحسن بن علي

مرِض الحسن بن علي أربعين يومًا، وتُوفِّي في الخامسِ مِن ربيع الأول سنةَ تسعٍ وأربعين من الهجرة، ودُفِن بجوار أمِّه فاطمةَ بنتِ النبي صلى الله عليه وسلم بالبقيع، رضي الله عنها، وكان عمرُه ستةً وأربعين عامًا.

عن سالم بن أبي حفصة، قال: سمِعتُ أبا حازم يقول: إني لشاهدٌ يومَ مات الحسن بن علي، فرأيتُ الحسين بن علي يقول لسعيد بن العاص (وهو أمير على المدينة يومئذٍ)، ويطعنُ في عنقه، ويقول: تقدَّم فلولا أنها سُنَّة ما قدَّمتُك، وكان بينهم شيء (أي: خلاف).

عن مساور مولى بني سعدِ بن بكر قال: رأيتُ أبا هريرة قائمًا على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ مات الحسن بن علي وهو يُنادِي بأعلى صوته: يا أيها الناس، مات اليوم حِبُّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فابكُوا، وقد اجتمع الناس لجنازتِه حتى ما كان البقيع يَسَعُ أحدًا مِن الزحام.

رحم الله تعالى الحسن بن علي رضي الله عنه رحمةً واسعة، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ونسأل الله تعالى أن يجمعنا به في الفردوس الأعلى من الجنة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.