منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

غزوة الطائف: خصوصيات وعظات “حدث في رمضان “الحلقة 23 “

محمد سكويلي  

0

في اليوم 22 من رمضان في السنة الأولى للهجرة، شرع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في تجهيز وإرسال مجموعة من السرايا النبوية لتحقيق بعض الأهداف الإسلامية، توجت بغزوات مباركات سبق وأن تطرقنا لبعضها، وتبقى من أهمها غزوة بدر الفرقان، التي فرق بها سبحانه بين الحق والباطل، وسنقف اليوم على غزوة أخرى مباركة ألا وهي غزوة الطائف، وحتى لا أطيل عليكم أدعوك لمتابعة سياقها ودواعيها ونتائجها من هاته القصاصة المختصرة.

أولا: قرار سيدنا محمد صلى الله عليه بفتح الطائف

في اليوم 22 من رمضان عام 8 هجرية، قرَّر النَّبي صلى الله عليه وسلم السَّير إلى الطَّائف للقضاء على ثقيف ومن تجمهر معهم من هوازن، وقد أمَّر على رأس هذا الجيش الذي سار به لفتح الطَّائف الصَّحابي خالد بن وليد، فوقعت الغزوة بين 12000 من المسلمين و بين القوات الهاربة من هزيمة غزوة حنين، وهدفت الغزوة إلى فتح الطائف والقضاء على التمرد الذي جوبهت بدعوة التوحيد من قبل ثقيف وأنصارها، ولقد كان فتح الطَّائف في السَّنة الثامنة للهجرة في شهر شوال ولله الحمد.

ثانيا: تحصن المشركين في الطائف

بعد أن انهزمت فلول المشركين من هوازن في أوطاس والنخلة التجأوا إلى ثقيف بقيادة مالك بن عوف النصري وتحصَّنوا بالطَّائف، وكانت تتميَّز حصون الطَّائف بمتانة أسوارها وجدرانها ووعورة طرقاتها، فهي مدينة جبليَّة ولا سبيل للدُّخول إليها إلا من أبواب قلاعها، ولقد هيَّأت ثقيف أدوات الحرب اللازمة للدِّفاع عنها، وخزَّنت من الطَّعام والشَّراب ما يكفيها سنةٌ كاملةٌ كي لا تحتاج للخروج من الحصن.

المزيد من المشاركات
1 من 22

ثالثا: تجهيز المسلمين للمعسكر

بعد أن تحصَّنت هوزان وثقيف في معسكر الطَّائف أبى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يتراجع، فأمر جيش المسلمين بضرب الحصار على الطَّائف، وبدأ بالعسكرة قرب حصن طائف، ولكن ما إن عسكر المسلمون قرب حصن الطَّائف حتَّى بدأت ثقيف برميهم بالسِّهام والرِّماح، فأشار الحباب بن المنذر على الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأن يبتعد عن حصونهم، لأنَّ عدد شهداء المسلمين في تزايد، فقد استشهد اثنا عشر مسلمًا، وممن أصيب من المسلمين بسهام ثقيف عبد الله بن أبي بكر الصِّديق وقد توفي متأثرًا بجراحه أثناء خلافة أبيه، عندما رأى ذلك النَّبي ابتعد عن حصونهم وعسكر في مكانٍ بُني فيه مسجد الطَّائف فيما بعد، واستمرَّ مكوث النَّبي -عليه السَّلام- مع جنده مدَّة تقارب الثمانية عشر يومًا، وأثناء هذه الفترة دعا علي بن أبي طالب فرسان ثقيف لمبارزته خارج الحصن، ولكنهم رفضوا ذلك وأخبروه بأنَّهم آمنون على أنفسهم في حصونهم سنة كاملة، وكان مع رسول الله في حصاره ذاك أم المؤمنين أم سلمة وزينب.

رابعا: التخطيط لاختراق حصن الطائف وصناعة المنجنيق

اتَّبع الرَّسول -صلى الله عليه وسلم- مجموعةً من الخطط في سبيل كسر حصن الطَّائف، ومن بين هذه الخطط أنَّه أمر سلمان الفارسي بأن يبني له المنجنيقات حتى يرموا ثقيف بالحجارة، وقد صنع سلمان ما أراده النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- بالإضافة لصنع الدَّبابات، وذلك من أجل أن يتفادى المسلمون سهام ثقيف فلا تصيبهم، وبالفعل كان للنَّبي وأصحابه ما يريدون واستطاعوا الوصول إلى الحصن من غير أن يصيبهم الأذى وهم يختبئون تحت الدَّبابات الخشبية، وبدؤوا بقذف الحصن بالحجارة عن طريق المنجنيقات، وقد استطاعوا بهذا أن يكسروا جزءًا من حصار ثقيف، إلا أنَّ ثقيف استطاعت أن تكسر هذا الهجوم للمسلمين وذلك بأن توقد النِّيران على الأشواك الحديدية وتقذفها على منجنيقاتهم ودباباتهم، وقد أصيب المسلمون عندئذٍ بإصاباتٍ بالغةٍ ولم يستطيعوا دخول الحصن، ورجعوا إلى معسكرهم.

خامسا: إحراق النخيل والحدائق

لم يتراجع النَّبي عن اختراق حصن الطائف بعد فشل خطة المنجنيقات فعزم على حرق الحدائق التي كانت تحيط بحصن الطَّائف، وكانت تلك الحدائق مليئة بالفواكه والأعناب، ولم يكن هذا القرار من النَّبي بهدف التَّدمير والخراب، وإنَّما لإرغام ثقيف على الخروج والقتال خارج حصونها، وعندما رأت ثقيف هذا التَّصرف من النَّبي ناشدوه بأن يتر ك هذه المحاصيل، فإن كانت الغلبة له كانت تلك المزروعات غنيمة له وللمسلمين، وإن لم تكن الغلبة له يكون قد تركها من أجل الرَّحم بينهم، ولقد كان للرَّسول جدَّة من ثقيف وهي جدَّته الخامسة لأمِّه واسمها هند بنت يربوع الثَّقفيَّة، وقد ترك حينها النَّبي حرق المزروعات من أجل هذا الرَّحم، ولأنَّه ما وجد نتيجة عمله هذا وهو إجبار ثقيف على الخروج من حصنها.

سادسا: رفع حصار الطائف

مقالات أخرى للكاتب
1 من 26

لما طال الحصار ولم تخرج ثقيف إلى مواجهة النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام، وجد النَّبي أنَّ في هذا إهدار للوقت خاصَّة أن ثقيف عندها من المؤن ما يكفيها لسنةٍ كاملةٍ، فأراد أن يسألَ الصَّحابة ويستشيرهم في أمر استمرار الحصار قبل أن يقدم على أي عمل، فأشار عليه نوفل بن معاوية الديلمي بأنَّ تحصن ثقيف في قلاعهم أشبه بثعلبٍ في حجره، فإن انتظرت وصبرت في باب الحجر نلت ما تريد، وإن تركته وذهبت لم يستطع هذا الثَّعلب أن يلحق فيك الضَّرر، وعند سماعه صلى الله عليه وسلم لهذا الرأي قرَّر فك الحصار والرَّحيل. فطلب أحد الصَّحابة من الرَّسول -صلى الله عليه وسلم- أن يدعو على ثقيف جراء ما فعلته بهم، وثبت في صحيح التِّرمذي أنَّ رسول الله دعا لهم قائلًا: “اللهم اهْدِ ثَقِيفًا”، وقد ورد حديثٌ بلفظ “الَّلهمَّ اهدِ ثقيفًا وأتِ بهم“، ولكن ورد عن هذا الحديث بهذا اللفظ أن إسناده لا يصح.

سابعا: عودة البعض إلى القتال

عندما أعلن الرَّسول -صلى الله عليه وسلم- رفع الحصار والرَّحيل إلى المدينة، طلب من الصَّحابي عمر بن الخطاب أن يؤذن بالنَّاس قائلًا أنَّهم سيذهبون في الغد إلى ديارهم كي يهيِّئوا أنفسهم للرَّحيل، ولكن ثَقُل هذا الأمر على بعض الصَّحابة وسألوا رسول الله مستنكرين، عن العودة والقفول من غير أن يفتحوا الطَّائف. فأخبرهم النَّبي أن بإمكانهم العودة إلى القتال إن شاؤوا عندما قال لهم: “اغْدُوا علَى القِتَالِ”، فعادو للقتال وإذ بهم يعودون إلى النَّبي وقد أصيبوا بالعديد من الجراح، فأمرهم عندها الرَّسول بالرَّحيل في اليوم الثَّاني، فأطاعوا الأمر والرسول -عليه الصَّلاة والسَّلام- يبتسم ويضحك منهم.

ثامنا: دروس وعظات

نقف وقفات مع دروس وعظات مستخلصات من هذا الموقف العظيم بلسان الدكتور راغب السرجاني حفظه الله تعالى، علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم من خلالها أشياء مهمة، من قبيل ما يلي:

  • الواقعية في الحياة، فليس عجيبًا أبدًا أو غريبًا أن تفشل في أمر من الأمور، وليس بالضرورة أن تكون كل معاركنا، أو كل مشاريعنا ناجحة، لكن المهم ألاّ نغرق في العمل دون إدراك الواقع أنه غير قابل للتحقيق، وليس معنى هذا سرعة اليأس، ولكن الرسول بذل كل ما في الوسع، واستخدم كل وسيلة لفتح الحصن، ولكن الله لم يشأ، ولم ينجح المسلمون في فتحه، فقَبِل في واقعية جميلة جدًّا أن ينسحب.
  • الزيال بين المصابرة وبين تضييع الوقت؛ إن المصابرة على أداء عمل أمر مطلوب، ولكن لا بد أن تكون هناك مؤشرات للنجاح، ولا بد أن تكون هناك مقاييس تشير إلى أن هذا العمل قابل للتحقيق، ولا بد أن تكون الخسائر أقل من الفوائد؛ فلذلك لا بد من المتابعة والملاحظة والتقييم المستمر. أما تضييع الوقت والاستمرار في عمل لا يمكن تحقيقه بالإمكانيات المتاحة، أو يتسبَّب في خسائر أكبر من الفوائد، فلا داعي للإصرار على الاستمرار في هذا العمل طالما أن هناك خسائر ضخمة.
  • القيادة الهادئة تبثُّ الأمن والراحة في قلوب الجنود، ليس هناك انفعال ولا عصبية، ولا تحميل الآخرين أخطاء لم يعملوها، وليس هناك حالة غضب، ولا حالة يأس أو إحباط، ولا حالة من الحزن، ولا كلمة لو؛ لو كنا فعلنا كذا لكان كذا وكذا، فإنها تفتح عمل الشيطان، ولكن هناك هدوء أعصاب وثقة وقدرة على التكيف في كل الظروف.
  • عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وتعذر الفتح كان فيه دروس وعبر، لا يعلمها إلا قليل من يحرص على كسب القلوب قبل كسب المعارك، ومن يفتح لنا باب الشورى.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.