منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 خطبة: من لم يضع لنفسه خطة لرمضان دخل في خطة غيره

 خطبة: من لم يضع لنفسه خطة لرمضان دخل في خطة غيره/الشيخ بنسالم باهشام

0

 خطبة: من لم يضع لنفسه خطة لرمضان دخل في خطة غيره

الشيخ بنسالم باهشام

 

عباد الله، إن مجرد الأماني المعسولة لا يتحقق بها شيء في كل المجالات، لا في أمور الدين، ولا في أمور الآخرة، فإذا لم تكن لكم إرادة قوية أولا، وخطة محكمة مكتوبة ثانيا، وعزيمة  ثالثا، وتطبيق رابعا، ومتابعة خامسا، ومحاسبة سادسا،  فستحرمون من العطاءات الربانية في رمضان.

عباد الله، هذا شهر رمضان، شهر التوبة  والغفران، لا يعود هو نفسه مرة أخرى، وإنما يشترك مع غيره في الاسم فقط، وحتى لا يمر علينا رمضان هذه السنة مثل السنوات الفارطة، في الغفلة والتسيب، والاشتغال بالطعام والشراب فقط، والسهر والسمر والتسكع في الشوارع والطرقات بالليل، والنوم بالنهار. وقلة الذكر والصلاة وتلاوة القرآن وحفظ الجوارح واللسان، وتحري الحلال في الطعام والشراب. لابد لكل واحد منا أن ينتقل من العادات والتقاليد المخالفة للشرع، والفوضى واللامبالاة، إلى الجد والاجتهاد، وذلك بوضع برنامج شخصي محكم، وإلا دخلنا في برنامج غيرنا؛ وضاعت منا فرصة ثمينة لا تعوض، ولعظمة شهر رمضان، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البيهقي في شعب الإيمان، والحاكم، وقال : صحيح الإسناد: (…إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامِ عَرْضَ لِي فَقَالَ: بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَقُلْتُ: آمِينَ) [(3/ 134، ح 1471)،والحاكم (4/170 ، رقم 7256) ، وقال : صحيح الإسناد] ، وحتى نستفيد من هذا الشهر المبارك ولا نندم على رحيله، لابد من كتابة خطة محكمة، والتعاون مع مجموعة من المؤمنين والمؤمنات لتنفيذها على أرض الواقع، فالفرد ضعيف بنفسه قوي بأخيه، فقير بنفسه، غني بأخيه، والله تعالى في محكم الكتاب في سورة المائدة يقول:  (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَاتَّقُوا اللَّهَ ، إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة: 2].

عباد الله، هذه بعض البنود  المساعدة لإنجاح العبادة في شهر رمضان، ونيل رضا الله تعالى، وتحقيق الفرحتين الدنيوية والأخروية التي قال فيها الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام فيما رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ: (…لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ).

 عباد الله، إذا كان غيرنا في إطار التدافع بين أهل الحق والباطل، قد أعدو الأفلام والمسلسلات مسبقا، وآخرون أعدوا الحلويات، فلا تكونوا إمعة وتنجرفون مع الموجة العارمة، بل خططوا  لشهركم، واثبتوا  على خطتكم حتى تحققوا نجاحكم ونجاتكم. ولتكن خطتكم قبل رمضان، لتكونوا بعد رمضان أفضل مما كُنْتُمْ عليه قبله لا أثناءه.

عباد الله، إن من أكبر أسباب فشل الخطط، عدم التخطيط للتخطيط، فخصصوا على الأقل ساعتين قبل بدء رمضان، إن لم تكن أياما لكتابة خطتكم، وتأكدوا من أن يكون كل هدف قابل للقياس.

وراجعوا  هذه  الخطة عدة مرات، قصد تحسينها وتجديد النية وتصفية الإخلاص لله تعالى.

واعلموا أن الأهداف المكتوبة تتحقق أكثر من التي في الذهن فقط، فاكتبوا أهدافكم التي تنوون تحقيقها في رمضان.

عباد الله، إن الأهداف القابلة للقياس تتحقق أكثر من الأهداف العامة، فلا تكتبوا مثلاً: سأقرأ في رمضان أكبر كمية من القرآن، بل اكتبوا مثلا، سأختم القرآن 3 مرات بنسبة ستة أحزاب في اليوم، وختمة في كل عشرة أيام .

وحددوا خمسة أمور فقط تريدون أن تتحسنوا فيها، واكتبوها، وتابعوا وحاسبوا أنفسكم فيها، ولا تتوقعوا أن تتحسنوا في كل شيء دفعة واحدة.

ومن أكبر مضيعات رمضان، السهر بالليل، والنوم بالنهار، والاشتغال بالتلفزيون أو الهاتف النقال، فحددوا لكل منهما وقتا وجيزا لا تتجاوزونه أبداً، فرمضان يمر بسرعة، والمحروم من ضيعه وحرم فضله.

ورتبوا جدولاً يومياً بتحديد ساعة الاستيقاظ، والتزموا بها، ولا تحددوا ساعة النوم، بل لا تذهبوا للفراش إلا عند النعاس.

وحددوا فترة زمنية للخلوة اليومية مع القرآن بدون مقاطعات. مع المحافظة على سور وآيات فاضلة يوميا. فإنها حصن حصين ، وفيها ثواب عظيم، وإذا كان البعض يرى أن الأهم كمية قراءة القرآن، والبعض يرى أن القيمة هي للفهم، فإن الجمع بينهما أفضل، بحيث يخصص كل واحد منا ربع الوقت القرآني للتفسير، فالقرآن نزل للفهم قصد التطبيق. وحددوا 3 أنواع من التعامل مع القرآن:

أ – كمية محددة للحفظ.

ب – كمية أكبر للقراءة.

ج – تحديد أجزاء أو  سور ترددونها كثيراً لقراءة تفسيرها.

عباد الله، كونوا حريصين على الانضباط  بالثوابت اليومية التي لا يطرأ عليها تغيير طيلة أيام رمضان وهي كالآني:

1- الصلوات الخمس في الجماعة للرجال ما أمكن، وخصوصا الفجر والمغرب.

2 – صلاة التراويح كاملة، تراويح العشاء والفجر.

3 – المحافظة على النوافل التي تكون قبل الصلوات المفروضة وبعدها وتسمى الرواتب.

4 – المحافظة على صلاة الضحى،من ركعتين إلى ثمان ركعات يوميا.

5- المحافظة على الأذكار الثلاثة المأذون فيها من قبل الشرع، وغير المؤقتة بوقت، والمطلوب الإكثار منها يوميا، وهي:

 

أ- الاستغفار، والذي به تصقل القلوب وتطهر، روى أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح غريب، عن ابن عمر رَضِي الله عنهما  قال : (كُنَّا نَعُدُّ لرسولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – في المَجْلِسِ الواحِدِ مئَةَ مَرَّةٍ : “رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ” ). [أخرجه : أبو داود ( 1516)، وابن ماجه (3814)، والترمذي (3434)، والنسائي في ” الكبرى ” (10292)].

 ب – الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم التي يتنور بها القلب، وبأية صيغة اخترت، وهذه صيغة المكيال الأوفى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  رضي الله عنه،  عَنِ النَّبِىِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ : (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الأَوْفَى إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِىِّ ، وَأَزْوَاجِهِ أَمُهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ).[أخرجه أبو داود في سننه ج1/ص258 ح982، والبيهقى فى الكبرى (2/151 ، رقم 2686) . وأخرجه أيضًا : البيهقى فى شعب الإيمان (2/189 ، رقم 1504)]. وحتى يتحقق الإكثار، ينبغي ألا يقل العدد عن 300 مرة في اليوم، وأن يزاد على هذا العدد في يوم الجمعة وليلتها.

ج- الإكثار من الكلمة الطيبة التي يتجدد بها الإيمان، وهي (لا إله إلا الله). روى أحمد، وقال الهيثمي: إسناده جيد، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ). [أخرجه أحمد (2/359 ، رقم 8695) ، قال الهيثمى (1/52) : إسناده جيد وفيه سمير بن نهار وثقه ابن حبان . وعبد بن حميد (ص 417 ، رقم 1424) ، والحاكم (4/285 ، رقم 7657) وقال : صحيح الإسناد . وأخرجه أيضًا : أبو نعيم فى الحلية (2/357)] . وحتى يتحقق الإكثار ينبغي ألا يقل العدد عن ثلاثة آلاف مرة في اليوم. وبهذه الثلاثية يتحقق التطهير والتنوير والتعمير لقلوبنا التي هي محط نظر الرب جل وعلا.

عباد الله، هذه فرصة سانحة للتعرف على أذكار الصباح والمساء، والتي تسمى أدعية التحصين، وعلى الأذكار المؤقتة بزمان أو بمكان، كذكر الإفطار، وذكر دخول المنزل والخروج منه وغيرها قصد المحافظة عليها يوميا، وحفظها ما أمكن.

عباد الله، لو كانت لديكم زيارة لملك جواد، لفكرتم وحددتم ماذا ستطلبون، ولله المثل الأعلى، فدعوة الصائم لا ترد، فخططوا للدعاء بتحديد ماذا ستطلبون، فالله يحب العبد الملحاح. يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إني لا أحمل هم الإجابة، ولكني أحمل هم الدعاء. فإذا وفقني الله للدعاء فقد وعدني بالإجابة)، فخططوا للدعاء، واجعلوه أقساماً:

الدعاء للنفس أولا، ثم للأهل، والأحباب، والأمة، ولا تغفلوا عن دعاء الرابطة. الذي تبدؤونه بالثناء على الله، و الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وأن تذكروا أسماء المعروفين بأسمائهم، وأن تترضوا على الصحابة أجمعين، وأمهات المؤمنين، وتترحموا على العلماء  العاملين، وعلى المجاهدين، وعلى من تربطكم بهم علاقة  القرابة والدين من الوالدين والأبناء والأقارب والإخوان والأحباب مع ذكر الأسماء.

وحرصا على عدم تضييع الوقت، التزموا بمسجد واحد للتراويح، وحبذا أن يكون مما يُختم فيه القرآن كاملاً.

واعلموا عباد الله، أن من هم بحسنة فعملها كتبت له عشراً، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فارفعوا من طموحاتكم في رمضان فأنتم الرابحون على كل حال.

عباد الله، لإنجاح البرنامج، لابد أن نعرف أن العمل الجماعي بما فيه العبادة، أسهل على النفس، فابحثوا عن مجموعة تتفقون معها على تفعيل مواد البرنامج، والمتابعة فيه، والتنافس عليه، والتعاون على أنشطة جماعية بعد رمضان،سواء عبادية أو اجتماعية. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.