منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رمضان، كمالُ العُدّة في إكمال العِدّة

رمضان، كمالُ العُدّة في إكمال العِدّة/ حسن القرشي

0

رمضان، كمالُ العُدّة في إكمال العِدّة

بقلم: حسن القرشي

 

قال الحق جلا وعلا “وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ” (البقرة آية 185)

جاءت هذه الآيات في سياق الأمر بالصيام وفرضيته في شهر رمضان المعظم، واتفق سائر المفسّرين على أنها أمر رباني بإتمام عدة الصيام ثلاثون يوما أو تسعة وعشرون، لأنه واجب شرعي وسنة متبعة وفريضة محكمة، إلا من كان به عذر شرعي يمنعه، فالواجب حينها قضاء ما أفطره المريض والمسافر بعد برئه وإقامته.

زاد الإمام البقاعي إشارة لطيفة بقوله ( ولتكملوا ) “من الإكمال، وهو بلوغ الشيء إلى غاية حدوده في قدرٍ أو عدٍ، حساً أو معنى “[1]،

ففي الآية إشارة إلى إدامة العبد الأهبة والاستعداد طيلة أيام شهر رمضان، فلا مجال للفتور وهبوط العزائم، فالمومن الكيس من كان يومه أحسن من أمسه تقرباً وطاعة، لأن الأعمال بالخواتيم، والآخرة عند المومن خير من الأولى، فإن أحب العمل إلى الله أدومه.

نعم، الطبيعة البشرية مجبولة على الملل والفتور، ولو في العبادات والقربات، قال الصادق المصدوق “إن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة”[2]، لذلك كان عليه السلام يكثر الاستعاذة من السلب بعد العطاء، فيقول “أعوذ بك من الحور بعد الكور”[3]، وفي رواية “من الحور بعد الكون”،  وإشارته في القرآن قول الحق سبحانه “وَلا تَكُونُوا كَالَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً” (سورة النحل آية 92).

لاشك أنه لِحكمة بالغة خصّ المولى سبحانه كل يوم من رمضان بنفحة إيمانية،  قال عليه الصلاة السلام “ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة”[4]، وما أخفى ليلة القدر ،  إلا لتتسارع خطى السالكين وليوقنوا أن  ما يطلبونه أمامهم، فيزيد تشمير أهل العزائم ويتنافس المتنافسون، فما رمضان إلا مضمار سباق، وعلى قدر السبق في الدنيا من الطاعات والقربات يكون السبق في الآخرة من الرضوان والحسنات، فأهل الأيمان اهل ثبات على الطاعات، يحاكون الملائكة في عبادتهم ” يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (الأنبياء آية  (20، قال ابن الجوزي:

“ومن الصفوة أقوام مذ تيقظوا ما ناموا، ومذ سلكوا ما وقفوا، فهمّهم صعود وترق، كلما عبروا مقاماً إلى مقام رأوا نقص ما كانوا فيه فاستغفروا”[5].

ولنا في رسول الله إمام المجتهدين وقدوة السالكين إسوة ،  فكان  عليه السلام “إذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأَحْيَا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أهْلَهُ”[6].

اللهم بلغنا رمضان واعنا على صيامه وقيامه على الوجه الذي يرضيك هنا والحمد لله رب العالمين.


[1] نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، برهان الدين البقاعي، دار الكتاب الإسلامي القاهرة، 1404ه 1984م، ج1 ص273

[2] شعب الإيمان، أبو بكر البيهقي، تحقيق عبد العلي عبد الحميد حامد ومختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية الهند، ط1، 1423 هـ 2003 م، كتاب الصيام

[3]  انظر سنن الترمذي، أبو عيسى الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي مصر، ط2، 1395 هـ 1975 م، كتاب أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بَاب مَا يَقُولُ إِذَا خَرَجَ مُسَافِرًا

[4] سنن الترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء في فضل شهر رمضان

[5]  صيد الخاطر، أبو الفرج بن الجوزي، دار القلم  دمشق، ط1، 1425هـ – 2004م، ج1 ص119

[6] شعب الإيمان، أبو بكر البيهقي، كتاب الصيام، باب ما جاء في فضل شهر رمضان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.