منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رمضان وطرق الانجماع على الله

رمضان وطرق الانجماع على الله/ حسن القرشي

0

رمضان وطرق الانجماع على الله

بقلم: حسن القرشي

 

تتوزع المومن في غير رمضان هموم تصرفه عن قصده الحثيث إلى الله، هموم الليل والنهار والشغل والأهل وسائر الصوارف الدنيوية، فتأتي منّة الحنان المنان بنفحات ربانية لتصحح له القصد، فتنشله من أودية الغفلة وترده إلى الأصل، وأعظم هذه المنن منحة رمضان، حيث تتحقق فيه فرصة الانجماع على الله عز وجل، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: “كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به”[1].

إن كان الانجماع على الله يتحقق بعد توفيق الله بلهج اللسان بذكره، واجتماع القلب عليه، وإخلاص الوجهة له، وعدم الالتفات إلى ما سواه، فإن موسم رمضان لقمين أن يكون دورة تدريبية سانحة للفرد والأمة حتى تحور إلى فطرتها وتنجمع على فاطرها سبحانه، ومهما كانت أيام رمضان ” أياماً معدودات” سريعة الأفول، غير أن نوالها وتمرثها لجليلة، وذلك لما اجتمعت فيه أمهات القربات، ولله الفضل والمنة.

  • منحة القرآن

ارتباط رمضان بالقرآن في قوله تعالى “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ” (البقرة الآية 185) إشارة سماوية جلية إلى إمعان الاهتبال به فيه، تلاوة وحفظاً واستماعاً وتعهداً وتدبراً، بذلك ينتقل المومن الكيس من حالة التشتت والتسيب في الوقت إلى حال الانجماع عليه سبحانه، يقول ابن القيم “وبالجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه جامع لجميع منازل السائرين وأحوال العاملين ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل والرضا والتفويض، والشكر والصبر وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله”[2].

  • منحة الدعاء

إنها لفتة عجيبة وإشارة بليغة أن يجعل الله آية القرب عند الدعاء وسط آيات الصيام، قال جل من قائل ” “فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَان” (البقرة الآية 186)، فيسعى المومن في رمضان أن يديم التقنع والتبؤس وإظهار الفقر بين يدي خالقه ومولاه، خاصة وأنه يجد على الخير أعواناً وأفواج من المصلين المتبتلين، ويوقن أن أبواب السماء مفتّحة مشرعة، مستقبلة لكل من كانت له حاجة عند الله، فأحرى بمن كانت حاجته الله سبحانه، مستحضراً قول الله تعالى في الحديث القدسي “أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خيرٍ منهم، وإن تقرب إليَّ شبرًا تقربتُ إليه ذراعًا، وإن تقربَ إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هَرْوَلة”[3]، قال يحي بن معاذ “من جمع الله عليه قلبه في الدعاء لم يرده”، قال ابن القيم تعقيبا “اذا اجتمع عليه قلبه وصدقت ضرورته وفاقته وقوي رجاؤه فلا يكاد يرد دعاؤه”[4].

  • سنة الاعتكاف

ما شرع الاعتكاف في رمضان إلا لتحقيق كمال الاجتماع على الله، المقصود من الاعتكاف صفاء القلب بمراقبة الرب ويحصل بدوام المراقبة وعدم الاشتغال بما سوى المعبود، وهي قربة من نوافل الخير المرغب فيها تتحقق بملازمة المسجد حساً ومعنى، ليلا ونهارا، مع النية والصوم عن كل مشغل، مقبلا على الله بالعبادات تاركا للأسباب الدنيوية، وأفضله في العشر الاواخر من رمضان لمواظبته عليه الصلاة والسلام عليه، فكان عليه السلام يَجْتَهِدُ فِي رَمضانَ مَالا يَجْتَهِدُ في غَيْرِهِ، “وَفِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ منْه مَالا يَجْتَهدُ في غَيْرِهِ”[5].

  • إشارة وتنبيه

أخيرا أود الإشارة إلى أن الكلام والخوض في الانجماع على الله والقرب والأنس به ليس لقلقة اللسان ولا طقطقة أقلام، لكنها معاني قلبية تشم ولا تفرك، تتشربها القلوب الصادقة بالصحبة والملازمة والذكر، ويبقى شهر رمضان بنفحاتها الحانية، وفيوضاتها الربانية، خير معين ومحطة استزادة للمؤمنين والمؤمنات، أفرادا وجماعات، خاصة إذا اقترن همهم الأخروي الفردي بمصير أمتهم الجماعي، وما رمضان إلا شهر الفتوحات والانتصارات، بشرط الأخذ بالأسباب وصدق التوكل على مسبب الأسباب، فاللهم اجعل كلامنا دعاء لا ادعاء، وامنن علينا بكامل الانجماع عليك، والحمد لله رب العالمين.


[1] صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط1، 1422هـ، كتاب اللباس، باب ما يذكر في المسك

[2] مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، ابن قيم الجوزية، تحقيق عبد الرحمن بن حسن بن قائد، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط 1، 1432 هـ، ج1 ص535

[3] صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى “ويحذركم الله نفسه”

[4] الفوائد، ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية بيروت، ط2، 1393ه 1973م، ص47

[5] المسند الصحيح المختصر، مسلم بن الحجاج، محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي بيروت، كتاب الاعتكاف، باب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.