منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رمضان مدرسة لمكارم الأخلاق (تقرير)

رمضان مدرسة لمكارم الأخلاق (تقرير) / أنيسة بنعيم سحتان

0

رمضان مدرسة لمكارم الأخلاق (تقرير)

أنيسة بنعيم سحتان

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله خالق الأرض والسماوات، أكرم هذه الأمة بشهر الخيرات والبركات، تضاعف فيه الحسنات وتغفر فيه الزلات ويحظى فيه المقرب أعلى المقامات، والصلاة والسلام على سيد السادات وخير البريات سيدنا وحبيبنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرات.

أما بعد؛ فقد نظم ” نادي ابن رشد للحكمة “ التابع لكلية ” أصول الدين تطوان “ محاضرة علمية في موضوع : ” رمضان مدرسة لمكارم الأخلاق “ أطرها: فضيلة الأستاذ ” الدكتور رشيد كهوس”، وذلك يوم الإثنين 25 أبريل على الساعة الخامسة مساء على تطبيق google meet .

افتتحت هذه المحاضرة العلمية المباركة بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكير قرأها على مسامع الحاضرين الطالب الباحث ” عبد الله التازي “، ثم تلتها كلمة مسيرة المحاضرة العلمية الطالبة الباحثة ” خديجة بوطويل ” والتي رحبت في البداية بمؤطر هذه المحاضرة الدكتور رشيد محمد كهوس لقبوله الدعوة الكريمة، كما رحبت بجميع الضيوف الكرام.

ثم عبرت الطالبة خديجة عن سعادتها بهذا الجمع الكريم المبارك، كونه يتناول موضوعا حول شهر الخيرات وشهر البركات وشهر الفضائل والأخلاق الحسنة، شهر خصه الله تعالى عن باقي شهور السنة بخصائص فريدة: أنزل فيه القرآن الكريم، وفيه ليلة القدر خير من ألف شهر، وهو شهر التزود بالتقوى، والتحلي بالأخلاق الحسنة.

ثم ناولت الكلمة للأستاذ المحاضر افتتحها بالشكر لنادي ابن رشد للحكمة على تنظيمه لهذه المحاضرة .

استهل الدكتور رشيد هذه المحاضرة بمقدمة أشار فيها  إلى أن الصيام وجميع العبادات، فرضت من أجل تزكية نفوس المسلمين وترسيخ محاسن الأخلاق فيها، ليكونوا أهلا للاستخلاف في الأرض، ذلك بأن الصيام –حسب الدكتور رشيد- يرفع همة العبد إلى أن يأتي أفعاله على الوجه الذي يجعل نفعها يتعدى نفسه وأسرته إلى المجتمع الذي يتحرك فيه، من أجل ذلك جاء فرض رمضان في سورة البقرة وهي أول سورة نزلت في المدينة المنورة بعد الهجرة النبوية المباركة، وهذه الفريضة التي جاءت وسط مجموعة من مكارم الأخلاق التي قررتها سورة البقرة باعتبارها مقومات الاستخلاف ومنطلقاته توجه الإنسان إلى أن يستشعر مسؤوليته في خلافة الأرض، إذ النهوض بأمانة الاستخلاف والمقصد الأساس لهذه السورة المباركة وإصلاح أخلاق المسلمين وترقيتها هو المقصد الأساس من فرض الصيام-على تعبير الدكتور رشيد-، ذلك الاستخلاف الذي يتحقق بصلاح أخلاق الإنسان، حيث ظلت سورة البقرة مجموعة من الأخلاق التي تجعل الإنسان صالحا في نفسه وصالحا في مجتمعه أهمها –حسب الدكتور كهوس-:

الإيمان والتقوى، والصبر، والبر والإحسان، والاعتزاز بالله تعالى، وإسلام الوجهة له، والخضوع لمنهجه، وحفظ حدوده وشكر نعمه، وإقامة الشعائر التعبدية من صلاة وصيام وزكاة وحج على وجه أخلاقي، والإنفاق في سبيل الله، والاستباق إلى الخيرات، والابتعاد عن الظلم والفساد والطغيان والنفاق ونقد العهود والفحشاء والمنكر، والخمر والميسر، وأكل أموال الناس بالباطل، وعن جميع مدنسات القيم والأخلاق وسائر القبائح والمساوئ..

وأضاف فضيلته مؤكدا أنّ رمضان يسهم في صناعة أخلاق ذلك الإنسان السوي المؤهل للاستخلاف في الأرض السوي في قيمه وعلاقته الاجتماعية « إذا كان يوم صوم أحدكم  فلا يرفت يومئذ ولا يصخب» . السوي في سعيه لنفع الآخرين والإحساس بهم، ومن ثم اصطفى الله تبارك وتعالى هذا الشهر الفضيل وميزه عن سائر شهور العام بمميزات عظيمة، وخصه بخصائص فريدة وفضائل جليلة شرفته وكرمته ، وجعلته شهر القرآن والصيام وترسيخ مكارم الأخلاق.

إن اصطفاء الله عز وجل شهر رمضان من بين الشهور-يقول الدكتور- وتخصيصه بنزول المعجزة القرآنية الخالدة وعبادة الصوم، وهو الذي جعل لهذا الشهر فضلا عظيما ومنزلة رفيعة قال سبحانه وتعالى: ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ) [ سورة البقرة: الآية 185 ]، فرمضان قد شرف بنزول الوحي القرآني أولا، ثم بفرض الصيام ثانيا، من أجل الوصول إلى مقام التقوى ( لعلكم تتقون )  [ سورة البقرة: الآية 183 ] وهو أعلى مقامات الأخلاق .

أولا : العبادات مدرسة أخلاقية .

أردف الدكتور رشيد كهوس قائلا: إن الأخلاق هي الميزان الذي توزن به خطوات الأفراد والجماعات والأمم، بل هي الأساس الذي تبنى عليه عظمة الأمم ونهضتها، ولقد ربي النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على مكارم الأخلاق وقيم الإسلام، ولخص المقصد النبيل من بعثته الغراء في قوله صلى الله عليه وسلم: « إنما بعثت لأتمم مصالح الأخلاق». وفي رواية أخرى: « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ». والتخلي والتحلي بالأخلاق الإسلامية، هو أهم الخطوات في الطريق إلى الله تعالى كيف لا وهو مقصد الرسالات السماوية التي تسعى إلى تحقيق روح الأخلاق بالتشريعات الملزمة لدفع الناس إلى طريق الخير والصلاح والنهي به عن طريق الشر والفساد.

ولا تتحقق للإنسان السعادة إلا بالأخلاق، من أجل ذلك ما شرعت العبادات إلا لمقاصد محددة في صناعة أخلاق الإنسان ذلك الإنسان الصالح، فالصلاة مثلا مقصدها أخلاقي لقوله تعالى: ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) [ سورة العنكبوت: الآية45 ] ، فهي عبادة تصنع الانسجام والتوافق بين الجسم والروح، وبين الحركة والفكرة.

والصيام الذي يربي الرقابة الذاتية، ويشعرنا بالعبودية والإنسانية والشعور بالآخرين، يصنع الوقاية المطلوبة، ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) [ سورة البقرة: الآية 183] فالتقوى أس الأخلاق كما أن الصيام يهذب الأخلاق ويربي الإنسان على محاسنها ويدرأ عنه قبائحها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: « ما لم يدع قول الزور والعمل به والجهل ، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه »، فالصيام مدرسة أخلاقية يقول سيدنا جابر رضي الله عنه « إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك، ويوم صيامك سواء». وقال سيدنا عمر رضي الله عنه :« ليس الصيام من الطعام والشراب وحده، ولكنه من الكذب والباطل واللغو والحلف».

والزكاة وما تؤذيه من تطهير للنفس من الشح واستشعار حق الآخر بالمال، وتطهير المال من حقوق الآخرين وما تشيعه من التكافل الاجتماعي تؤذي وظيفتها العظيمة في البناء الخلقي والتربوي للمجتمع، ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) [ سورة التوبة: الآية 103 ].

وموسم الحج وما يشيعهم من معاني الامتناع عن الرفث والفسق والجدال مدرسة أخلاقية ( الحج أشهر معلومات ومن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ) [ سورة البقرة : الآية 197 ]، ليصبح ذلك خلقا وسجية عند الفرد يمثل ولادة جديدة تجديدية..

وهكذا –يقول الدكتور رشيد- فإن العبادات ذات صبغة خلقية واضحة، لأن المقصد الأساس والمقصد العظيم منها هو تنظيم المجتمع البشري على أساس أخلاقي لا يتسرب إليه الوهن و الفساد، ذلك بأن سائر أبنية العبادات والشعائر الإسلامية مقصدها أخلاقي وهي مدارج الكمال الخلقي المنشود والرافض التطهر التي يصون الحياة الاجتماعية ويعلي شأنها.

فالأخلاق حسب – الدكتور رشيد كهوس – هي روح العبادات والشعائر الدينية ومعقد الإيمان، وهي الدعامة الأولى والحجر الأساس الاستقامة النفس وإصلاح الحال وإقامة العمران، ومن ثم فإن العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج … تهدف إلى إعادة التشكيل الخلقي الكلي للإنسان، وإخراجه من حيوانيته وتيهه وتحريره من شهواته وأبتريته وأوهامه وهواه وورطته للارتقاء به إلى إنسان الفطرة والأخلاق والإنسان الكامل والإنسان الكوثر الذي يكثر خيره ونفعه وعطاؤه، والسفر به من عالم الملك إلى عالم الملكوت .

ثانيا: الصيام وترسيخ الأخلاق في النفوس

  • الصيام الرقابة الأخلاقية .

حيث تحدث فيه الدكتور رشيد عن كون الصيام سبب لتطهير النفس من أمراضها وتزكيتها من شرورها بتركها لما تشتهيه من فضول الطعام وفضول الكلام وفضول النظر، فبالصيام تنتقل النفس من مقام إلى مقام وترتقي في مدارج الإيمان والإحسان، فتخشاها السكينة وتنزل عليها الرحمة وتتهيأ لاستقبال النفحات الربانية..

ومن ثم فإن شهر رمضان هو شهر للتخلص من كل الآفات التي تحجب القلب عن نور ربه وتحول بينه وبين الصفاء والنقاء وبركاتها، والشهر ورحماته وتجلياته وتثقله عن السير إلى الله تعالى وعن كل الفضائل والخيرات، وهو شهر السمو بالإنسان من اتصاله بالعلائق البشرية إلى الاتصال بالعلائق السماوية العلوية والتعلق بالأنوار الربانية والنفحات القرآنية .

إن الصيام – حسب الدكتور رشيد – لا يزيد المسلم إلا تهذيبا وإصلاحا وارتقاء، فرمضان شهر الإصلاح والتغيير والتربية وتهذيب النفس وتزكيتها وهو مدرسة الأخلاق، عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم» . ومن ثم فإن الله تبارك وتعالى لم يفرض الصيام من أجل الامتناع عن الطعام والشراب ونحوهما من المباحات في الأصل، وإنما شرع الصيام لحكمة عظيمة ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) [ سورة البقرة: الآية 183]  فمن حكم الصوم ومقاصده العظمى تحقيق التقوى وكثر الشهوة وتطبيع النفس، وليس مقصودا منه أن يمتنع المسلم عن الطعام والشراب فقط، بل المقصود تهذيب النفس وتربيتها وتقويمها وتزكيتها وإصلاحها .

إن الصيام – حسب الدكتور رشيد –  يهدف إلى إصلاح أخلاق الإنسان والارتقاء به في مدارج الكمال الانساني وإعادته إلى إنسان القيم الذي يكون مؤهلا الاستخلاف في الأرض، ذلك بأن الصوم في معناه الحقيقي إمساك عن كل ما حرم الله تعالى من قول أو فعل، إمساك النفس عن المعاصي وعن الذنوب وعن الشهوات وكبح جماحها عن الشطط والانحرافات، وإمساك الجوارح عن كل ما فيه إضرار بالناس أو إغضاب لرب البريات، وإمساك الخواطر عن التفكير إلا في ما يرضي ربي الأرض والسماوات، لأن الطهر لازما للصوم يفرض أن يضع المرء نصب عينيه لكمال صيامه ما جاء في الذكر الحكيم .( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك عنه مسؤولا ) [ سورة الإسراء: الآية 36]، فرب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع فينبغي أن يكون صيام المومن كاملا، فصوم اللسان عن الرذائل واجب.. ما نفع جوعك واللسان طليق، وصوم النفس عن إيذاء الآخرين واجب أيضا، فالصيام سلامة للجسم وسلامة للنفس وسلامة للقلب والصدر وسلامة للآخرين، سلامة مادية والمعنوية. فالصيام تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان.

  •  الأخلاق الرمضانية

وتحدث فيها الأستاذ رشيد عن تسعة أخلاق:

 – الخلق الأول:

الخير:  « يا باغي الخير أقبل يا باغي الشر أقصر » روى الإمامان الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد كل ليلة : يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة ». «يا باغي الخير أقبل». فمن أول ليلة من رمضان –بتعبير الدكتور كهوس- وفي كل ليالي رمضان يعلن عن ضرورة الالتزام بأخلاق الخير والابتعاد عن أخلاق الشر، أي أن الشهر يرغب في أعمال الخير لما فيه من الأسباب التي تعينه على ذلك، فأقبلوا على طاعة الله سبحانه وتعالى وتخلقوا بأخلاق الإيمان ،« ويا باغي الشر أقصر » أي أمسك عنه وامتنع فإنه وقت ترق فيه القلوب للتوبة .

 – الخلق الثاني:

التقوى: تأمل آيات الصيام تجد فيها الحكمة السامية في الصيام التقوى ( لعلكم تتقون ) [ سورة البقرة : الآية 183]، والتقوى ينطوي تحتها كل معاني العبادة، بمعنى من فعل الأوامر وترك النواهي  تحقق التقوى في نفسك وإن لم تكن محققا لها قبل رمضان، فليكن رمضانك هذا نقطة الانطلاقة لما بعد رمضان من خلال صون سمعك ويصرك وفؤادك عن الحرام، وإقبالك على ربك بصيام طيب وصلاة حسنة في وقتها من غير تأخير وهكذا.

فشهر رمضان – حسب الدكتور رشيد- شهر التقوى والتوبة وتجديد الصلح مع الله تعالى وطلب غفرانه وإحسانه وعتق رقابنا من النار، شهر يختم الجسم عن طبعه من شهوة الطعام وحاجة الشراب، ولذة الجسد ليعرف المسلم الجوع والعطش، وليتعلم ضبط نفسه وإلجام هواها وليتحكم في أوصافه الحيوانية لتسمو الروح وتتطهر، ويتدرب المؤمن على تغليب الأوصاف الملائكية، سمو روحي يقترب في الصائم حق الصيام إلى الملإ الأعلى .

 – الخلق الثالث:

سلامة الصدر: عن عبادة ابن الصامت رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم « ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين أي تنازعوا وتشاتموا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» ، لذلك المشاحم لأخيه يحرم من بركات هذا الشهر الفضيل ونفحاته بسبب الشحناء، وقد كانت ليلة القدر علامة فارقة في هذا التنازع والشقاق والبغضاء والأحقاد يحذر المسلمين من نيرانها، ذلك بأن الشحناء والأحقاد والبغضاء سبب لرفع البركة والخير، ولاريب أن الشقاق والخلاف أخلاق سيئة، ومن أخطر أسلحة الشيطان الفتاكة التي يوغر بها صدور الناس لينفصلوا بعد اتحاد ويتنافروا بعد اتفاق ويتعادوا يعد أخوة وشهر رمضان شهر للتدريب على سلامة الصدور والتعوذ عليها .

 – الخلق الرابع:

-حسب الدكتور كهوس- مواساة الأخرين . عن زيد ابن خالد الجهني قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا» ، إن رمضان يربي المسلم على أخلاق المواساة والجود والكرم والإحسان، وللجود في شهر رمضان شأن عظيم ، فقد ثبت أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، وذلك لشرف وقته ومضاعفة أجره، وإعانة الصائمين والعابدين على طاعتهم فيستوجبوا معين لهم مثل أجورهم.

 – الخلق الخامس:

الصبر: شهر رمضان – حسب الدكتور رشيد – شهر الصبر على الطاعة والصبر عن المعصية يستلهم منه الصائمون كثيرا من العبر والدروس والهدايات النافعة التي تربي النفوس وتقومها وتصلحها في شهرها هذا وفي قادم شهور العام بل هو مدرسة، فالصوم فيه تعويد على الصبر لأنه الأساس الأكبر لكل خلق جميل، والتنزه من كل خلق رديء، ولهذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنه سمى شهر رمضان شهر الصبر» وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم : «الصوم نصف الصبر» ثم إن الصبر ثلاثة أنواع:

– صبر على طاعة الله

– صبر على محارم الله .

– صبر على أقدار الله المؤلمة .

وتجتمع هذه كلها في الصوم فإن فيه صبر على طاعة الله، وصبر على ما حرم الله على الصائم من الشهوات، وصبر على ما يحصل للصائم من ألم الجوع والعطش وضعف النفس والبدن.. فإن الصيام من الصبر فقد الله سبحانه وتعالى: ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) [ سورة الزمر: الآية 10]، وهكذا يتبين لنا عظم الارتباط بين الصوم وخلق الصبر، وأن الصوم سبيل إلى اكتساب خلق الصبر، ذلك الخلق العظيم الذي أمر الله به وأعلى مقامه، وأكثر من ذكره في كتابه المجيد وأثنى على أهله الصابرين، ووعدهم بالأجر الجزيل، عنده جلا وعلا، فالصبر يغرس في النفس احتمال الجوع والعطش وهما من ضروريات الحياة، والصبر الذي يغرسه الصوم له أثر فعال في مجالات العلاقات الاجتماعية فهو ينشئ ويصنع مجتمعا سالما معافا من الشحناء والخصومات والصدامات.

– الخلق السادس: العفة

العفة خلق سام جامع من مجموعة من الأخلاق العامة والخاصة التي تؤسس للدين وتدل عليه، ومن كان ذا عفة فلابد وأن يصف بقوة الارادة والرضى والقناعة … والمسلم مطالب بأن يكون عفيفا متعففا ليس في رمضان فقط، وإنما في سائر شهور العام، أن يكون متعففا عن الصفات الرديئة والأخلاق الدنيئة التي نهاها عنه الشرع الحنيف، والذي يدعو إلى كل فضيلة وينأى عن كل رذيلة، فشهر رمضان شهر التزود بأخلاق العفة، فالعفة غالبا ما تفرض قيودا على الجوارح، فتأسرها عندما تريد أن تنطلق إلى ما يخل بالإيمان أو يجرح مراعاته، فهي تمنع النفس من الوقوع في النزوات والشهوات وارتكاب المحرمات والإسراف في الملذات، وتتبع العورات واقتراف السيئات وهي تعزز في النفس القناعة والرضى .

– الخلق السابع: كظم الغيض-حسب الدكتور كهوس-

لقوله صلى الله عليه وسلم «فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم فإن شتمك أحد ووجه إليك ما لا ترضاه من الكلام فقل إني صائم» يعني قل ذلك بلسانك وقلبك زجرا لنفسك عن التعرض بما يعطل أجر صومها، وللآخر عن التعرض لأذيته، وهكذا جاء الأجر بالصيام بأن لا يقابل الصائم  جهل الجاهلين بمثله وهو حفظ للصيام من اللغو الذي قد يفسده.

– الخلق الثامن: ترك اللغو و  الغيبة والنميمة وقول الزور

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن الصيام ليس من الأكل والشرب فقط، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل: إني صائم». ومعنى هذا الحديث ليس الصوم الذي أمر الله تعالى به مجرد الامتناع عن الأكل والشرب فقط، إنما الصيام الحقيقي الذي أراده الله سبحانه وتعالى هو صيام يعنى الأكل والشرب وصيام من اللغو والرفث، أي الفحش من الكلام وجميع القبائح والمساوئ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه » إن الأخلاق التي تنميها العبادات في النفس ليس المقصود منها أن تكون أخلاقا أنانية ذاتية للشخص نفسه فحسب، ولكن المقصود منها أن تكون أخلاقا اجتماعية يتعامل بها الناس فيما بينهم، لهذا كان المقصود من العبادات والغاية منها هو غرس الأخلاق في النفس وتنميتها لكي تحسن المعاملات التي تجري مع الناس تبعا لسنته سبحانه وتعالى في الحياة..

هذا وشهر رمضان أيضا يعرفنا قيمة النعم ويحضنا على الشكر عليها، ويعلمنا الاعتدال والاقتصاد في المأكل والمشرب  وغير ذلك من مكارم الأخلاق.

ختم – الدكتور رشيد كلامه – بأن الصيام هو تهذيب أخلاقي للنفوس وهو طريق مناسب من أجل سيطرة الإنسان على نفسه وأهوائه النفسية والرقي بأخلاقه في مدارج الصالحين، فعلينا أن نحافظ للشهر المبارك على وظيفته، ونستمر العام كله -حسب استطاعتنا- على ذلك المستوى من الشفافية مستعنين بالصوم الاثنين والخميس والأيام البيض ويوم عرفة ويوم عاشوراء وست من شوال وغيرها من الأيام الفاضلة في شعبان وأشهر الحرم وغيرها..

ورمضان –يقول الدكتور كهوس- تجارة رابحة مع الله تعالى، ورمضان تزود بالتقوى لما بعد رمضان من الشهور..(وتزودوا).

فلنستبق بالخيرات، ونبادر بالأعمال الصالحات وسائر القربات، سارعوا وتنافسوا في الخير وسامحوا وتحابوا وعيشوا رمضان بقلوب سليمة نقية وهمة عالية وإرادة قوية، ويستمر ما تزودتهم به من أخلاق وأنوار في رمضان لما بعد رمضان.. كونوا ربانيين لا رمضانيين.. وأخلاق الربانية في رمضان وفي سائر شهور العام، فطوبى لامرئ أحسن والقيام حما جوارحه عن الموارد والآثام وأمسك عن قبول الكلام ومنطق الذي يرضي الله تعالى، وذلك حقيقة الصيام فاغتنم الخيرات خير اغتنام فاستمر على ذلك في سائر أيام العام .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.