منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رمضان شهر التوبة والأوبة إلى الله

رمضان شهر التوبة والأوبة إلى الله/ أحمد المتوكل

0

رمضان شهر التوبة والأوبة إلى الله

ذ. أحمد المتوكل

مقدمة :

من حين لآخر يكرم الله عباده بأوقات فاضلة لجمع الحسنات والإكثار من القربات والتطهر من السيآت والتقرب إلى الله بالفرائض والنوافل، ومن هذه المناسبات: شهر الصيام الذي يعتبر مناسبة مهمة للتائبين الهاربين إلى الله، وهذا ما سأتكلم عنه في هذا الموضوع.

الصوم موسم التائبين إلى الله :

الصيام فريضة من فرائض الإسلام وشُعبة عالية من شعب الإيمان، وطاعة تدني العبد من الرحمان، ما فرضه الله عز وجل على عباده إلا ليرجعوا إليه ويقفوا على بابه ويطهروا قلوبهم وأرواحهم مما عَلِق بها من أدناس، ويزكوها لتسمو إلى رب الناس، وينعموا بما عند خالقهم من فضل ورحمة وخير لا يقاس.

رمضان يُلهم الله فيه النفوس الآثمة لترجع إلى مولاها وتصحح المسار وتتطهر من الأقذار والأكدار، وتتخفف من الذنوب والأوزار، لتسْلَم من الأخطار يوم العرض على الجبار، وتدخل جنات تجري من تحتها الأنهار، وتنظر إلى وجه الرحيم الكريم الغفار.

إن الصيام أهم شعيرة سنوية للتوبة والإنابة وطلب الغفران، أراده الله ليكون مناسبة لمراجعة النفس ومواجهتها، وردِّها إلى فطرتها وأصل خِلقتها، والعودة بها إلى كنف الله وهداه مع أهل الله، ولتتذوق حلاوة الإيمان، ولترقى في مدارج الإحسان، ولتُحِس بعزة العبادة ولذتها، بعد مرارة المعصية وذلة الخضوع للهوى وللشيطان، ويكفي من شرف هذا الشهر المبارك وفضله أن من صامه و قامه بإيمان وإحسان وإتقان مُحيت سيئاته التي فعلها قبل صيامه، يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: ((من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه))(1)، وقال: ((من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه))(1).

رمضان ربيع التائبين :

إن الله ذو فضل على الناس وعلى الصائمين بوجه خاص، ففي رمضان يغلِّق أبواب جهنم جميعا، ويفتِّح أبواب الجنان جميعا، ويقيد الشياطين ويسلسلهم، -إكراما للصائمين- ، ويحرك الأنفس للطاعات ويكلف من ينادي: (( يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر))(2).

عندما يُقبِل رمضان تتدفق أمواج التائبين على المساجد، ويَكثُر سواد المؤمنين، وتتطهر أرواح المذنبين وتتعطر بأريج التوبة، وتعلو البسمة والبِشْر وجوههم، وتغمرهم نسائمُ الإيمان، وتهزُّهم أشواق الإحسان في شهر القرآن، وكم تبكي عيون المذنبين تحت تأثير الصيام والقيام، وتصفو قلوبهم وتطمئن لذكر الله، وتتطهر أرواحهم بزوال الذنوب منها، وتُفتح أبوابُ الأمل في وجوه المذنبين الذين أوقعت بهم الشياطين في المعاصي، لأن الله الكريم الحليم هيأ لهم الأجواء، وقلل عنهم سبل الإغواء، وجعل أرواحهم تستجيب لأوامره سبحانه، وأخمد نيرانَ الشهوات وأضعف حدة الهوى في نفوسهم، وما ذلك إلا ليتوبوا ويسلكوا سبيل التائبين النادمين المقبلين على الله، قال الله الحليم الرحيم بعباده: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم، والله عليم حكيم، والله يريد أن يتوب عليكم، ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما، يريد الله أن يخفف عنكم، وخُلق الإنسان ضعيفا}(النساء : 26- 28).

رمضان يأتي وفيه فُرَص الغفران، ومواسم الامتنان، ومفاتيح أبواب الجنان، وفيه تتطلع النفوس إلى رحمة الله المبسوطة في أوله، وإلى المغفرة الشاملة في وسطه، وإلى العتق من النار المتاح في آخره، فمن أقبل فيه على الطاعات فاز وسَعِد، ومن أعرض عنها غُبِن ونَكِد، وحَرَم نفسه من نفحات العفو الإلهي المعروضة في هذا الشهر الذي لا مثيل له ، قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ((بَعُدَ من أدرك رمضان فلم يُغفر له))(3)، أي أبعده الله عن رحمته وفضله، وقال عليه الصلاة والسلام : ((رغِم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له))(4)، إنه دعاء من جبريل دعا به على من فرَّط في اغتنام ما يُتاحُ من فُرصِ الخير وما يفتح من أبواب الفضل، وهذا الدعاء أمَّنَ عليه الرسول صلى الله عليه وسلم للزيادة في التأكيد على استجابته وقبوله.

رمضان مناسبة يمنحها الكريم الوهاب لعباده كي يغتنموها لإصلاح ما فسد من تدينهم، وتجديد ما بَلِي من إيمانهم، وتقويم ما اعوَجَّ من سلوكهم، وتطهير ما ران على قلوبهم، وللإكثار من الصالحات ليكون ذلك رصيدا يُكمِّل لهم ما يعتري أعمالهم خلال السنة من نقص أو تقصير، فإذا أضاع المسلم هذه الفرص وحُرِم مما يتاح فيها من الخيرات والبركات، وأضاع ما يمكن أن يربح فيها من الصفقات، فهو محروم مهموم مغبون، أي حرمان بعد هذا؟ ، وبئس المحروم مَن حُرِم مِن فضل الله الدافق الرائق .

حقيقة التوبة المطلوبة في رمضان :

التوبة خيرُ ما ينبغي أن يعيشه الناس في رمضان، وهي استغفار واعتذار من الذنوب وإقلاع عنها، وندم على ما فات، وعزم وعهد على الابتعاد عن المعاصي وأسبابها ومقترفيها وأمكنتها فيما هو آت، وردٌّ للمظالم والحقوق المغتصبة بغير حق إلى أصحابها.
توبة تستقيم وتطيب وتصلح حياة المسلمين بها، ويعم الأمن والرخاء والعدل الاجتماعي بها وتزول الفوارق الاجتماعية بها، توبة شاملة على كل الواجهات.

توبة صادقة تعُم كل أفراد المجتمع أو أغلبهم، وتشمل مؤسساته وإداراته وهيآته وحكَّامه ومسئوليه من أدناهم منزلة إلى أعلاهم مسئولية، توبة تنقل الفرد إلى الاستقامة على الدين والالتزام به والدعوة إليه، والإخلاص في خدمة الأمة وإسداء الخير لأبنائها، وأداء واجباتهم والسهر على مصالحهم، والتألم لآلامهم والتطلع إلى تحقيق آمالهم، والإشفاق على ضعيفهم وإغاثة محرومهم، واجتناب كل ما يضرُّ بهم ويعطل مصالحهم ويحرمهم من حقوقهم كالرشوة والاحتكار والسرقة والاستغلال وأكل أموالهم بالباطل، والتصرف في الأموال والثروات، إلى إشراك أفراد الأمة وأخذ آرائهم بعين الاعتبار، وإعطائهم نصيبهم الذي يستحقونه من مال الله، وتوزيعه عليهم بعدل وإنصاف، دون ظلم أو نقص أو إجحاف، وتوبة تنقلهم من التزيُّن بالإسلام إلى العمل به في كل مجالات الحياة ونصرته، والانشغال بقضايا المسلمين أينما وُجدوا.

توبة تكون معها قلوب الأغنياء رحيمة، وبالعطاء كريمة، توبة تسُود معها قيم التسامح والرحمة والحب، وتهُبُّ معها نسائم الخير، وتنتشر أخلاق المجتمع الأخوي الفاضل الطاهر، بدل أوصاف مجتمع التنافر والكراهية والبغض والاستغلال والأنانية والتسلط والاستعلاء.

فلا بد من التوبة النصوح في كل مجال حتى تصلح الأحوال وتزول المصائب والأزمات والأهوال، وإلا فتوبتنا غير صادقة، وطريقنا خاطئ غير موصل تحُفُّه المخاطر.

ألا فليكن رمضان بداية لتوبة حقيقية وبداية انطلاقة راشدة ورجوع صادق إلى الله، توبة تنقلنا من التيه إلى الرشاد، ومن الذلة إلى العزة، ومن التخلف إلى التقدم، توبة تجعل لنا شأنا عند الله، وذكرا في الملكوت الأعلى، وموطئ قدم بين الأمم، فلا فرصة أجمل ولا لحظة أتم وأكمل من أيام رمضان ولياليه للراغبين في التوبة والطالبين للعفو والمغفرة.

اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين، واحشرنا مع أهلك وخاصتك والحمد لله رب العالمين.


1- رواهما مسلم والبخاري عن أبي هريرة

2- رواه الترمذي والنسائي والحاكم عن أبي هريرة

3- رواه الحاكم عن كعب بن عجرة وقال صحيح الإسناد

4- رواه الترمذي عن أبي هريرة في كتاب الدعوات باب قول الرسول رغم أنف رجل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.