منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رمضان بشائر ورسائل

رمضان بشائر ورسائل / الأستاذ عثمان غفاري

0

رمضان بشائر ورسائل

بقلم الأستاذ عثمان غفاري

 

الحمد لله الذي فضل أوقات رمضان على غيره من الأزمان، وأنزل فيه القرآن هدى وبينات من الهدى والفرقان، أحمده سبحانه وأشكره وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي كان يخص رمضان بما لم يخص به غيره من صلاة وتلاوة وصدقة وبر وإحسان، اللهم صل عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه من قبله وبعده وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

لا تزال نِعَم الله ــ جلَّ وعلا ــ علينا تتابع، وإحسانه لنا يكثر حينًا بعد حين، فما تأتي نِعمة إلا أعقبتها أُخْرى، يَرحم بها عبادَه الفقراءَ إليه، والمحتاجين إلى عونه وغُفرانه وإنعامِه، ألا وإنَّ مِن أجلِّ هذه النِّعم، وأرفع هذه العطايا، وأجمل هذه المِنَن، اصطفائه لنا بغير حول منا ولا قوة لنكون من عباد الرحمان وإخوان النبي العدنان، ومن طلاب العدل والإحسان.

أحبتي وسادتي تمر الأيام وما أسرعها! وتمضي الساعات وما أعجلها! وتتوالى أيام موسم كريم، وشهر عظيم، ويوشك أن ينصرف وافد حبيب ويرحل ضيف عزيز، وبسرعة تمر أيام وليالي شهر رمضان المبارك بأجوائه العبقة، وأيامه المباركة الوضاءة، ولياليه الغر المتلألئة ونظامه الفريد المتميز وأحكامه وحكمه السامية.

موسم عظيم شريف مليء بالخيرات، متعددة فيه العطايا والهبات، موسمٌ ميَّزَهُ الله -تبارك وتعالى- على بقية الأيام والشهور، وفضَّلَهُ بفضائلَ عديدةٍ، وخصائصَ متنوعةٍ، سماه الإمام المجدد في كتاب تنوير المؤمنات “فص يزين الزمن كما تزين الحلي الجواهر النفيسة، وعيد السنة كما هي الجمعة عيد الأسبوع”

رمضان بحق فرصة عظيمة، ومناسبة كريمة تصفو فيها النفوس، وتهفو إليها الأرواح، وتكثر فيها دواعي الخير، تفتح الجنات، وتتنزل الرحمات، وترفع الدرجات، وتغفر الزلات، وتحط الأوزار والخطيئات، يجزل الله فيها العطايا والمواهب، ويفتح أبواب الخير لكل راغب، ويعظم أسباب التوفيق لكل طالب، إنه حقا مدرسة لتجديد الإيمان، ومحطة لتهذيب الأخلاق والسلوك، وتقوية الضمائر والأرواح، وإصلاح النفوس، وضبط الغرائز، وكبح جماح الشهوات، وانطلاقة جادة لحياة أفضل، ومستقبل أكمل، يقول الإمام المجدد رحمه الله تعالى: ” فيه يفطم الجسم عن طبعه ليعرف المسلم الجوع والعطش وليتعلم ضبط نفسه وإلجامَ هواه. وليتحكم في أوصافه الحيوانية لتسمُوَ الروح وتتطهر، وليتدرب المؤمن على تغليب الأوصاف الملائكية مستقلة عن جاذبية الطين”.

شهر رمضان شَهْرُ الاِنْتِصارِ عَلى النَّفْسِ، شَهْرُ الاِنْتِصارِ عَلى نَوازِعِ الشَّيْطانِ، وحَرِيٌّ بِنا في هَذا الشَّهْرِ الفَضِيلِ الْمُبارَكِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْءانُ أَنْ نَقْتَفِيَ ءاثارَ النَّبِيِّ الأَعْظَمِ سيدنا محمَّد عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ والسّلامِ الَّذِي كان إذا جاء رمضان استعد له بالطاعة والسخاء، فإذا هو مع ربه العبد الطائع والمنيب الخاشع، ومع عباده الرسول الجائع السخي الجواد المسارع بلا منازع.

فلنقتدي بنبيِّنا صلى الله عليه وسلم، ولنكثر من الجود في هذا الشهر الفضيل، ، ولنذهب عن أنفسنا لَهَفَ الدرهم والدينار، وتعلُّقَها بالريال والدولار، وتخوُّفَها مِن الفقر والحاجة، فإنَّ الشَّحيح لا يَضرُّ إلا نفسه، وقد قال الله تعالى معاتبًا ومُرهِّبًا: { هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ }، ومن الجود تفطير الصائمين ودعوة الجيران والأقارب والخيلان للإفطار تواصلا ودعوة، وتعاونا على البر والتقوى.

رمضان بحق مضمار يتنافس فيه المتنافسون للوصول إلى قمم الفضائل، ومعالي الشمائل، وهو فرصة للطائعين للاستزادة من العمل الصالح، وفرصة للمذنبين للتوبة والإنابة من كل عمل طالح، فالله الله أحباب الله في الجد والتشمير دون استثقال لصيامه! واستطالة لقيامه، واستبطاء لأيامه! وإن أمكننا وتيسر الاعتكاف أواخره، فما أحوجنا إلى استلهام حكمه، والنهل من معين ثمراته ونمير خيراته، والحذار والحذار من الوقوع في نواقضه ونواقصه، فالذين يستقبلونه على أنه شهر جوع ونوم، وحرمان نهاري، وشبع وسهر ليلي، ممتطين صهوة الفضائيات، وما تقذف به شتى القنوات، وما تعج به شبكات المعلومات، من أقوال وأعمال لا تجاوز اللسان، ولا يعمر بها جنان، لن ينهلوا من خيراته، قال الإمام المجدد في المنهاج النبوي: ” في رمضان تسود روحانية خاصة لولا تحويل الناس لياليه مناسبات للتخمة والعبث… وليراقب المؤمنون أنفسهم، فمن لم تظهر نتائج الصيام في سلوكه، فليعلم أنه إنما جاع وعطش، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري وأصحاب السنن عن أبي هريرة: «من لم يدع قول الزور والعمل به فلا حاجة لله في أن يدع طعامه وشرابه». “

في هذا الموسم المبارك، تُفتَح أبوبُ الجنة وتغلق أبواب النيران، في هذا الموسم الكريم المبارك، لله -تبارك وتعالى- عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة من ليالي هذا الشهر، في هذا الموسم الكريم المبارك، تصفّد الشياطين ومرَدة الجن، فلا يستطيعون أن يَخلُصُوا إلى مَن كان يخلصون إليهم قبل رمضان وبعده، وفي هذا الموسم الكريم المبارك ينادي منادٍ كلَّ ليلة: يا باغيَ الخيرِ أقْبِلْ، ويا باغي الشَّرِّ أقْصِر، في هذا الشهر يزين الله جنته ويقول يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى ثم يصيروا إليك، وفيه ليلة القدر هي خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم الخير كله ومن قامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، وتستغفر الملائكة للصائمين حتى يفطروا، وللصائم دعوة لا ترد، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك .

فرمضان شهرُ مغفرةِ الذنوب، يقول رسولنا -صلى الله عليه وسلم-، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال -عليه الصلاة والسلام-: “مَن صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفِر له ما تقدم من ذنبه”، فما أعظمها من مَكْرُمة! وما أجلها من عطية! صيام رمضان يُغْفَرُ به ما تقدم من الذنوب والخطايا، فرص لا يرحم فيها إلا مرحوم، ولا يحرمها إلا محروم. فمَن لم يَتْب في شهر رمضان فمتى يتوب؟ ومَن لم يُقلِع عن الذنوب في رمضان فمتى يُقلِع، ومَن لم يَرحم نفسه التي بين جَنبيه وقت الصيام فمتى يَرحمها؟ فلنحرص أحبتي على المرابطة في بيوت الله وصحبة كتابه نهار الصيام وليله لأنهما مِن أعظم مُسبِّبات حفظ الصيام عن الآثام، وزيادة الأجور عليه، والاشتغال بالطاعات، والإكثار منها، فقد صحَّ عن أبي المُتوكِّلِ ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: “كان أَبِو هُرَيْرَةَ ــ رضي الله عنه ــ وَأَصْحَابُهُ إِذَا صَامُوا قَعَدُوا فِي الْمَسْجِدِ وَقَالُوا: نُطَهِّرُ صِيَامَنَا ”

شهر رمضان موسم للتدريب على الرجولة الإيمانية تعلما للصبر وتدريبا على القصد في المؤونة وتجنبا للتبذير والإسراف واكتسابا لأسباب الانبعاث متى عرض المسلمون نفوسهم على المصحة النبوية ليتعافوا من أمراضهم النفسية: أنانية وشح وتراخ وفُرقة وتكديس الثروات وصراع على زعـامات وهمية، يقول المجدد في التنوير: “سمو روحي يقترب بالصائمة حق الصيام من الملإ الأعلى. حق الصيام هو كف الجسم عن الماديات الممنوعة شرعا، وكذا الجوارح واللسان عن المعاصي، وشغلها بالعبادة لتضفي على القلب روحانية تنسيه أثقال الأرض ليتعلق بمعاني السماء. عن هذا الصيام الكلي يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فهُو لي وأنا أجزي به». الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه”.

شهر رمضان تُسْتَلْهَمُ مِنْهُ العِبَرُ، فلقد اقترن شهر رمضان في السيرة النبوية بأعظم الفتوحات وأكبر الانتصارات: غزوة بدر الكبرى وفي أول رمضان صامه المسلمون، وفتح مكة، وغزوة تبوك حيث كان الفصل صيفا والمؤونات الغذائية نادرة فسميت لذلك غزوة العسرة.. لم يكن صيام شهر رمضان وقت نوم وتثاقل، بل كان شهر جهاد مزدوج، ومن لم يقو على جهاد شهوات نفسه أنى له أن يكون في الموعد لينال عطايا الرحمن في شهر أوله رحمة ووسطه مغفرة وآخره عتق من النار، شَهْرُ الإِيمانِ الَّذِي قُلِبَتْ بِهِ الْمَوازِينُ حَيْثُ عَلَّمَنا رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عليه وسلم أَنَّ الكَرامَةَ عِنْدَ اللهِ في الآخِرَةِ لا تَكُونُ لِغَيْرِ أَهْلِ الإِيمانِ فَٱطْمَأَنَّتْ كَثِيرٌ مِنَ القُلُوب، وسَكَنَتْ كثير من النُّفُوس

وختاما، شهر رمضان مهما عظمت أفضاله، وتنوعت كنوز ثوابه، لا يعدو أن يكون شهرا من أشهر العام، يمثل -أجل- محطة تزود استثنائية، لكن المعول عليه -توفيقا يسأله المؤمن من ربه- هو ما حصله الصائم من أعمال تعبدية، وما ثبته في يومه وليلته من طاعات وقربات، لأن أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها. كما في الحديث. فانظر -أخي الصائم، أختي الصائمة- بأي استعداد استقبلت رمضان، وعلى قدر إنائك تعطى كما يقال؟ وبأي زاد وحال بل بأية عزيمة على الإقبال على ربك ودعت رمضان، فمن عرف سبيل ربه لزمه كما في الـوصية النبوية لحارثة رضي الله عنه، ووصية المجدد لأحبابه وابنائه “فعلى جند الله أن يحافظوا للشهر المبارك على وظيفته، ويستمروا السنة كلها إن استطاعوا على ذلك المستوى من الشفافية، مستعينين بصوم الاثنين والخميس، والأيام البيض، ويوم عرفة لغير الحاج، ويوم عاشوراء، والستة من الشوال، ويكثروا الصيام في شعبان والمحرم. وعليهم أن يغنموا يوما في الأسبوع في الأسر للإفطار المشترك رجاء أن يجمع الله شملهم عنده في مقعد الصدق، يفرحون عنده كما يفرحون بالفطر جماعة. فإن «للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه» كما جاء في الصحيح”

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.