منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة: مدرسة رمضان تفتح أبوابها؛ فما هو المقرر فيها؟

خطبة: مدرسة رمضان تفتح أبوابها؛ فما هو المقرر فيها؟/ الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

0

خطبة: مدرسة رمضان تفتح أبوابها؛ فما هو المقرر فيها؟

للشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

الحمد لله الذي جعل رمضان مدرسة تربية وتدريب وتمرين، فيها يتربى المسلم على إخلاص العبادة لرب العالمين، ويتمرن على الإقبال على الأعمال الصالحة بجد المجتهدين، وبنشاط المتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصادقين، الذين هم في صيامهم من الصابرين، وفي صلواتهم من الخاشعين، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله سيد الغر المحجلين، كان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل الأمين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأكرمين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

ها نحن في آخر جمعة قبل رمضان، ومدرسة رمضان قريبا ستفتح أبوابها لاستقبال الطلبة والطالبات؛ ففي الجمعة المقبلة -إن شاء الله- نكون قد سجلنا أنفسنا في مدرسة رمضان، مدرسة مديرها ومدبرها الذي {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} وهو رب العالمين، وحارسها العام سيدنا جبريل الأمين، والمعلم فيها سيد الأنبياء والمرسلين، والطلبة فيها نحن معاشر المسلمين، ونبيناﷺ هو معلمنا الأول الذي قال فيما روى الإمام مسلم: «إن الله لم يبعثْني مُعَنِّتاً ولا مُتَعَنِّتاً ولكن بعثني معلما مُيَسِّراً».

فإذا كان لكل مدرسة مقرر خاص؛ فما هو المقرر في مدرسة رمضان؟

إنه مقرر لا يتعلق بالمدارسة فقط؛ بل يتعلق بالمدارسة وبالممارسة معا، لا يتعلق بالنظري فقط؛ بل بالنظري وبالتطبيقي معا، إنه مقرر يشتمل على سبع مواد، يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:

قسم؛ يتعلق بالتعامل مع نفسك؛ وفيه مادتان: الصيام، والصلاة؛ فهما لإصلاح نفسك.
وقسم؛ يتعلق بالتعامل مع غيرك؛ وفيه ثلاث مواد: الصدق؛ فلا تكذب على غيرك، والصدقة؛ بتقديم المساعدة لغيرك، والصداقة؛ أي: صحبة غيرك ممن تستفيد منه أو يفيدك.
وقسم؛ يتعلق بالتعامل مع نفسك وغيرك معا؛ وفيه مادتان: المصحف حفظا في نفسك وتحفيظا لغيرك، والصبر في نفسك وحينما يؤذيك غيرك.

وكل مادة من هذه المواد فيها ثلاثة أشياء:

● أولا: مادة الصيام؛ وفيها ثلاث مستويات:

المستوى الأدنى الذي يحققه كل الناس، وهو صيام المعدة عن الأكل والشرب؛ صيام “الرجيم” فقط.

المستوى الأوسط؛ صيام الجوارح علاوة على صيام المعدة؛ وذلك بصيام اللسان عن الغيبة والنميمة، وصيام البصر عن العورات، وصيام السمع عن لهو المغاني والغواني، وصيام البطن عن أكل المحرمات، مع حفظ الأيدي والأرجل والفروج.

المستوى الأعلى: صيام القلب علاوة على صيام المعدة وصيام الجوارح؛ بالإخلاص والمحبة والتواضع والتوبة والرضا والتوكل وغير ذلك من أعمال القلوب.

● ثانيا: مادة الصلاة؛ وقد كان معلمنا الأولﷺ يقيم الليالي بالتراويح في رمضان حتى تورمت قدماه؛ والصلاة لها أيضا ثلاث مستويات:

المستوى الأدنى الذي يحققه كل الناس: الصلاة بالجسد؛ قياما وركوعا وسجودا وجلوسا.

المستوى الأوسط؛ الصلاة بالعقل تدبرا وتفكرا.

المستوى الأعلى: الصلاة بالقلب خشوعا وخضوعا؛ {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}، {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}.

● ثالثا: مادة الصدق؛ وفيها يقول معلمنا الأولﷺ: «مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ»؛ والصدق ثلاثة:

• صدق القلب في العبادة.

• صدق اللسان في الكلام.

• صدق الفعل بالإتقان والإحسان.

● رابعا: مادة الصدقة؛ أي: تقديم خيرك لغيرك من المحتاجين، وذلك بمساعدتك لهم ماديا أو معنويا؛ وقد كان معلمنا الأولﷺ أجود ما يكون في رمضان، وهو الذي قال: «أفضل الصدقة صدقة رمضان»؛ وهذه الصدقة تحتاج حتى تكون مقبولة عند الله تعالى إلى ثلاثة شروط:

شرط قلبي؛ أي: صادر من قلبك وهو الإخلاص؛ فلا تكن {كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا}.

شرط قبلي؛ أي: قبل الصدقة وهو أن تكون من المال الحلال؛ {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}.

• شرط بعدي؛ أي: بعد الصدقة وهو ألا تتبع بالمن والأذى فيبطلها؛ {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالاذَى}.

● خامسا: مادة الصداقة؛ أي الصحبة؛ فقد كان معلمنا الأولﷺ يصاحب في رمضان جبريل عليه السلام؛ والصحبة اليوم لا تقتصر على الواقع؛ بل هنا عندك في المواقع الاجتماعية أصحاب وأصدقاء بالآلاف، والكثير منهم لا تعرفهم؛ ولكنك تتأثر بهم وتؤثر فيهم؛ إن خيرا فخير وإن شرا فشر؛ فيجب أن يكون صاحبك واحدا من الثلاثة:

• إما أن تصاحب من تتعلم منه ويفيدك؛ مثل: أستاذك وشيخك ووالديك.

• إما أن تصاحب من تعلمه وتفيده أنت؛ كتلميذك وطالبك وابنك وبنتك.

• إما أن تصاحب من تعلمه ويعلمك تفيده وتستفيد منه ينفعك وتنفعه؛ مثل قرنائك وزملائك؛ فاختر لنفسك صحبة المقسطين واجتنب صحبة القاسطين؛ فالمقسط عادل {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، والقاسط ظالم {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً}؛ أتدري ما الذي يجعل الصالحين يطلبون صحبتك؟ إنه الأمران السابقان: الصدق والصدقة، عامل الناس بصدق، وقدم لهم المساعدة ما استطعت.

● سادسا مادة المصحف؛ قراءة القرآن؛ وقد كان معلمنا الأولﷺ يدارس القرآن مع جبريل في رمضان؛ والقراءة ثلاثة أنواع:

قراءة تعبد فقط؛ والقرآن الكريم هو النص الذي يتعبد بتلاوته.

قراءة تعلم فقط؛ إما حفظا في نفسك أو تحفيظا لغيرك، أو فهما لنفسك، أو تفهيما لغيرك.

قراءة تعبد وتعلم معا؛ إذا كنت تقصد بالقراءة أن تعبد وأن تحفظ أو تحافظ على ما حفظت (الأسوار) أو التعاهد، أو تفهم معاني القرآن الكريم، وفي قراءة التعبد والتعلم تدخل سنة المغاربة في الحزب الراتب اليومي.

وكل قراءة لا بد أن يصاحبها التدبر، وأقل التدبر أن تعلم أنك تقرأ كلام الله وإن لم تفهم معناه؛ {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}؛ يقول معلمنا الأولﷺ: «يقال لصاحب القرآن: اقرأْ وَارْقَ ورَتِّلْ كما كنت تُرتِّل في دار الدنيا؛ فإن منزلك عند آخر آية تقرأها».

● سابعا: مادة الصبر؛ والصبر على ثلاثة أنواع:

• صبر على أداء الطاعات والعبادات.

• صبر بالابتعاد عن ارتكاب الذنوب والسيئات

• صبر على ما يصلك من غيرك من المصائب والاعتداءات والابتلاءات.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العلمين…

الحمد لله رب العالمين…

أما بعد؛ فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ هكذا تعلمنا أن رمضان مدرسة نتلقى فيها تدريبات على مجموعة من الأمور في العبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك والممارسات، نخضع فيها لدورات تكوينية طيلة شهر كامل، دورات مكثفة تتناول جوانب شتى في حياتنا، نتدرب فيها على القيام بالأعمال الصالحة الخالصة، نتمرن فيها على إتقان الصيام، وجودة الصلاة، والجود بالصدقات، وصدق اللسان، واختيار الصحبة، واستعمال المصحف، والصبر على المتاعب والمصاعب؛ وكلها تبدأ بحرف الصاد وكنت سميتها (صادات رمضان)، وكلها تحتاج منك للصبر.
فإن لم تصبر؛ فلن تصوم والله تعالى يقول: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} والمراد به: الصائمين. وإن لم تصبر؛ فلن تصلي والله تعالى يقول: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}. وإن لم تصبر؛ فلن تتصدق بدرهم ومعلمنا الأولﷺ يقول: «أفضل الصدق: أن تصَّدَّق وأنتَ صحيحٌ شحيحٌ تخشى الفقر وتأمُل الغِنى»؛ ولا يخفى ما يتطلب في الصبر هذا النوع من الصدقة والإحسان. وإن لم تصبر؛ فلن تحافظ على صدق القلب والعمل واللسان. وإن لم تصبر؛ فلن تجد لك صديقا من الإنسان. وإن لم تصبر؛ فلن تحافظ على وردك من القرآن.

اللهم اجعلنا من الذين صاموا فصانوه حتى كان لهم وقاية وجُنّة.
اللهم اجعلنا من الذين صلوا فواصلوا حتى وصلوا إلى القمة.
اللهم اجعلنا من الذين صَدَقوا فسبقوا في رفع الهمة.
اللهم اجعلنا من الذين تصدَّقوا فأخلصوا حتى تخلَّصوا من كل أنانية.
اللهم اجعلنا من الذين صاحبوا فاجتنبوا شياطين الإنس والجِنَّة.
اللهم اجعلنا من الذين قرءوا فارْتَقَوْا عندك في مراتب الجَنَّة.
اللهم اجعلنا من الذين صبروا فصابروا ورابطوا حتى حصلوا منك على الفلاح نعمة ومِنَّة.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.