منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كتاب الأخطاء المقدس

كتاب الأخطاء المقدس / رشيد الذاكر

0

كتاب الأخطاء المقدس

للكاتب : رشيد الذاكر

كل كتاب تخطه يد إنسان، تستطيع أن تكشف من خلال قرأته مدي الصواب والخطأ فيه، ومدى الاستقامة والانحراف في محتواه، وحجم التناقض بين المعلومة وأختها ، ولهذا تجد الكُتاب: أحرص ما يكونون عن تجنيب كتبهم: كثرة الأخطاء والتناقضات: من قول الكلام ونقضه… هذا في كتاب بشري، ومن طبيعة الإنسان الخطأ والسهو والنسيان… فكيف ينبغي أن يكون الحال في كتاب يزعم أصحابه أن وحي من الله تعالى؟ طبعا هذا يجب أن يصدق عليه مثل قول الله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1]

لكن الذي كان غير هذا مع الكتاب المقدس الذي يؤمن به اليهود والنصارى وهو المسمى في عرف الدرس العقدي: بالعهد القديم: والذي يتضمن أسفار موسى الخمسة وأسفار الأنبياء بعده أو غيرها ممن كُتب قبل المسيح عليه السلام.

فالسمة البارزة في هذا الكتاب ومثله العهد الجديد (الإنجيل) هي الأخطاء المقدسة: فبالرغم من إدراك كل المؤمنين به لحجم الأخطاء والتناقضات الموجودة في الكتاب فهم مصرون على أنه كلمة الله، ولو فتشت الدنيا كلها علك تجد كتابا يبلغ ما بلغه العهد القديم من الأخطاء: ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

المزيد من المشاركات
1 من 31

العهد القديم أو (التناخ) وهو يتكون من أسفار ليس من السهل ضبطها، تبعا للنصوص، والفرق اليهودية والمسيحية، وكذا المخطوطات، والترجمات: فالنص السبعنيي ( الترجمة اليونانية للنص العبري) لا يشبه النص الماسوري (النص العبري الذي كتبه جماعة الماسورين حوالي القرن العاشر الميلادي)، والنص الماسوري والسبعيني لا يشبهان النص السامري(الذي يحتوي على أسفار موسى فقط: ويؤمن به السامرون)

فكل نص من هذه النصوص الثلاث يزيد عن الآخر أو ينقص في جمل وفقرات وأحيانا في صفحات، ناهيك عن مئات الصفحات بين النص السامري وما في الماسوري والسبيعيني.

ولهذا عندما تجد الخلاف بين النسخ المترجمة، فالأمر تابع لهذه النصوص ومحتوى مخطوطاتها فما يوجد في (الفانديك) مثلا قد لا يوجد في الترجمة الكاثوليكية، أو اليسوعية…) والعكس بالعكس.

وخذ مثالا على ذلك وهو من أهونها في الكتاب – اقصد اختلاف السنوات- فقد جاء الترجمة الكاثوليكية والمشتركة واليسوعية: ” وبعد أربع سنوات قال أبشالوم للملك: دعني أذهب إلى حبرون فأوفي نذري الذي نذرته للرب” [صموائيل2/15: 7] لكن النص في ترجمة الفانديك هكذا ” وفي نهاية أربعين سنة قال ابشالوم للملك دعني فأذهب وأوفي نذري الذي نذرته للرب في حبرون” فهل الأمر بعد أربع سنوات أم بعد أربعين سنة؟؟؟

إن هذا الخلاف: يمكن الوصول إليه بسهولة: لو جلس عدة أفراد وأخذ كل واحد منهم ترجمة معينة: (الفاندايك، الكاثلويكية، المشتركة، اليسوعية، الحياة…) هذا في الترجمات وقد سعى المترجمون جهدهم لتجاوز الأخطاء، فكيف الحال لو نظر الإنسان في المخطوطات؟ التي تلاعبت بها أيدي النساخ على توالي القرون والأزمان: فما أدخله النساخ من التبديل والتحريف على مر القرون تراكم بعضه على بعض، فكان النص الذي وصل للطباعة مثقلا بمختلف أنواع التبديل[1].

ولك أن تتخيل لو فتحت الباب على الترجمات القديمة التي يزعم المسيحيون – الدفاعيون طبعا – اليوم أنها إحدى الشواهد التي يمكن الاعتماد عليها في البحث عن الكتاب المقدس الضائع بين المخطوطات المتناهية في التناقض، وبين الترجمات التي لا يعرف بعضها بعضا، واقتباسات أباء الكنائس الأولى: الذين كتبوا لنا نصوصا وهو يزعمون نقلها عن الكتاب المقدس وهي منعدمة فيه في كل ما وصل العلماء اليوم من المخطوطات[2]، وبين يديك نموذج واحد يجمع ألوانا من التحريف والتبديل والتغيير، يقول صحاب كتاب هل العهد القديم كلمة الله: ” ومن صور التحريف الهامة ما صنعه المترجمون المسيحيون للمزمور الثاني، حيث اكتشفوا أن بإمكانهم استيلاد نبوءة عن المسيح بتكلفة لا تتجاوز زيادة كلمتين ، فالنص الماسوري العبري للمزمور الثاني يقول: «واهتفوا برعدة لئلا يغضب، فتبيدوا من الطريق» (المزمور 2: 12)، فأضافوا عليه: (قبِّلوا الابن)، أي المسيح ، فأضحى النص في النسخة المسيحية: «واهتفوا برعدة، قبّلوا الابن لئلا يغضب، فتبيدوا من الطريق ».

وهذا اللفظ «قبِّلوا الابن» ورد في ترجمة سريانية، «وأما السبعينية ففيها (اقبلوا التعليم)، وأما ترجمة سيماخوس وجيروم فوضعتها هكذا: (اعبدوا بنقاوة)، وكذلك ترجمة أكويلا : (قبلوا باختياركم) .. ولكن جيروم في ترجمته اقتنع بأنها : (اعبدوا الابن)، ولكنه عاد فحذفها لتشككه، وجعلها: (اعبدوا بنقاوة)، ولكن من الأسهل أن نجعلها: (قبِّلوا الابن)» ، وهكذا صارت القراءة الأسهل جزءًا من وحي الله، لأنها تجعل من هذا المزمور نبوءة عن المسيح، بينما تحرمنا القراءات الأخرى من هذه النبوءة “[3]

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

وخلاصة الكلام أنه رغم كل هذه التحاريف والتخاريف، والأخطاء.. لازال المسيحيون وقبلهم اليهود مُصرين: أن الكتاب المقدس وحي من الله، وكأن الوحي الإلهي يجب أن يكون كله أخطاء لكي يكون مقدسا.


 أحمد عبد الوهاب: اختلافات في تراجم الكتاب المقدس، وتطورات هامة في المسيحية، مكتبة وهبة[1]

[2] سامي عامري استعادة النص الأصلي للإنجيل، في ضوء قواعد النقد الأدنى: إشكاليات التاريخ والمنهج، مركز الفكر العربي للنشر والتوزيع 1438

[3] منقد بن محممود السقار، هل العهد القديم كلمة الله، دار السلام للطباعة والنشر، الطبعة الرابعة (1440- 2018) ص: 158 والاسماء الوارد في النص المقتبس هي أسماء مترجمين للكتاب المقدس

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.